…العطلة الصيفية في بداية الستينات هي موسم لاشياء عديدة … جنى اللوز وتقشيره … جني الهندي وبيعه (السطل بـ5 مليمات) … تكسير اللوز واستخراج لبّه (الشكارة بمائة مليم) ولكن ايضا “العولة” وهذا يعني في مدينتنا احضار مؤونة كل ما يلزم لفصل الشتاء والخريف خاصة من كسكسي ومحمص وتشيش وبرغل ودويدة، وفي رواية اخرى الحلالم …
عبد الكريم قطاطة
ياااااااااااااااااه ويني الدويدة؟… ويني اللكلوكة (خليط من زبيب مرحي ولوز مقلي وجلجلان) ..ويني عصيدة الطماطم ..وينو بازين بالمرقة ..وينو افيّم ملثوث بالخضرة .. وينو افيم حلالم ..وينو عبود الزميط والروينة.. وينهي الجردقة بالدهان.. ويني المرقة الزورية دون سمك .. ويني الدوارة الهجالة (بالخضر فقط) …مأكولات عديدة عوضتهاالسندويتشات والملاوي والبيتزا والسلامي والكفتة والاسكالوب والستاك والهم الازرق الكل … وهنا لا اتحدث عن الاذواق بل اتحدث عن المواد الاولية لصنع هذه الماكولات التي تعاصرنا الان والتي لا ندري مأتاها، رغم ان بعض “عثرات” المتفقدين تدلي ياشياء رهيبة عن كل الجرائم المرتكبة في حقنا وخاصة في حق ابنائنا صحيا ..ولان المتفقدين يسهل جدا القضاء على ضمائرهم في بلد اصبح بامتياز بلد الرشاوي، فاننا جميعا “نبلع السكينة بدمها” لاننا لا نعرف لا الجاني ولا حارسه الذي من المفروض ان يكون حارسنا نحن … لك الله يا تونس بعد نكبة 14 جانفي خصوصا …
من جهة اخرى وللامانة بعض الاطعمة الكلاسيكية التي ذكرتها وكادت تنقرض مازلت استمتع بها ..الم يقولوا ان البنية تعمّم (اي تشبه عمتها)؟ ولان امي هي عمة زوجتي فانها حفظت عنها اشياء حتى وراثيا ومازالت تتحفني ببعض تلك الماكولات … شكرا منية …اعود الى العولة ..مثل هذه العمليات لا تتم الا صيفا لضمان الشمس التي تقوم بالتجفيف … والمرأة الحاذقة والحكيمة في العائلات المعوزة خاصة هي التي “تفتل” اي تصنع تلك العولة كل سنة ..وذلك لاسباب عريقة وتاريخية في صفاقس … صفاقس منذ القدم ولحد يوم الناس هذا لها مناخ خاص بها فهي ليست صحراوية وليس لها مناخ الشمال الممطر ولا هي بالساحلية ايضا ..فرغم وجودها على الساحل المعروف بامطاره خريفا فان صفاقس امطارها نزوية (حتى امطارنا بالكيف) … وعندما لا تنزل الامطار خريفا يقول المتساكنون بان تلك السنة “عام الزمّة” … فهمت بعد سنوات ان الزمّة تعني الازمة …
والازمة تاريخيا ايضا كانت مرتبطة بالحروب في تونس عموما وهي التي كان الغازي في جلها ياتي بحرا ويطوّق خناقه على متساكني المدن ومنها صفاقس وبالتحديد حول سورها …حتى الاستسلام … وللتاريخ ايضا صفاقس في عهد الاستعمار الفرنسي كانت آخر مدينة استسلمت للمستعمر وبخيانة جماعة من ضواحيها… لهذين السببين فان متساكني صفاقس يحتاطون لهذه المفاجآت المناخية وللغزاة فتعوّدوا ان يقوموا كل صيف باعداد العولة، الى ان اصبحت من التقاليد ….ووالدتي عيادة رحمها الله بعد ان تنهي عولتنا (المتواضعة ولكن خير من بلاش والحمد لله) يدعوها الاقارب الميسورين حتى تكون المشرفة على عولاتهم نظرا إلى خبرتها … وتنصب الجفان والغرابل … كانوا يقولون عنها علنا “اشكون يشبه عيادة في الفتلان والزلڨان؟؟؟
من جهتي ورغم اني اصبحت تلميذا في الثانوي (قد الدني) الا ان والدتي كانت وكما تقول هي “لا تهنّي ولا تعزّي” الا وعبدالكريم معها ..حتى في عولة الاهل او الجيران .هي تخاف عليّ خوفا مرضيا ولا تثق باختي الكبيرة في غيابها حتى تعتني بي كما يجب . اشكون يعرف توكلوشي وقت يجوع ؟؟ تغطيهشي وقت يتعرّى ؟؟؟ … .ولعلّ من الاشياء التي اتذكّرها وكانها حدثت البارحة انها ذات يوم حملتني معها لقضاء امسية في دار عمتي… وعندما حان وقت العودة الى حوشنا الحّت عمتي وبناتها على ان ابقى ضيفا عندهم تلك الليلة ..وقبلت امّي على مضض ..في الغد وعندما عدت اليها صباحا … وجدتها في قمة الرعب …سالتني: “انت لاباس عليك ما جرالك شيء البارح؟” نظرت اليها واجبت: “يخخي ما تشوفش فيّا لاباس؟” … ضمّتني الى صدرها وكانني طفل صغير غضّ …
يااااااااااااااااااااااااااااااه كم هي ممتعة ….مريحة ..سمحة …الضمة عموما …وتلك الضمّة الامومية خاصّة …سالتها: “اشبيك يا عيادة والله لاباس عليّا اصحّ مالجنّ”… نظرت اليّ مليّا وكانها غير مصدقة لما سمعت ورأت وقالت: “يا وليدي البارح مازلت كيف خذاتني عيني وقمت مفجوعة عليك ..نحس قلبي اتشك شكة وحدة ووليت ندعي لربّي يا ربّي احميلي وليدي ..ولوكان موش جا عليّا عار راني جيتك في هاكة الوقت (نصف الليل تقريبا)” …هدّأت من روعها ثم قلت لها: “تعرف يا عيادة البارح شويّ لا لسعتني عقرب!” … وهو ما حدث فعلا وانا في ضيافة عمتي ..كنا نسهر ونسمر وفجأة جاءت ابنة عمتي ورجتني بصوت هامس الا اتحرك من مكاني .. انصعت لها ثم هوت بـ”شلاكة” فوق راسي بقليل حيث كانت تتجول “هوشة” (وفي رواية اخرى هيليكوبتر )… اي عقرب … ووصفها بالهيليكوبتر هو وصف رائع …
سنة 74 كانت اول سفرة في حياتي الى المغرب … لست عاشق زطلة ولكن كنت في مهمة مهنية ساعود اليها في ورقات قادمة … كنا في سماء الرباط و كان قائد الطائرة يستعد للنزول… كنت اراقب الرباط الجميلة من نافذة الطائرة وفجأة انخلعت من االمقعد الذي اجلس عليه وبرعب شديد .. هيليكوبتر مرت بجانب طائرتنا …مرورها كان سريعا بومضة البرق وكانت تشبه جدا جدا العقرب ..اعود لهيليكوبتر دار عمتي … ولأن قلب الام خبيرها …في ذات اللحظة وبحاستها السادسة والستين فوق البليون ..ارتعدت فرائصها وزلزلت اوصالها ..وعاشت معي الحدث بقرون استشعار قلّ ان يملكها احد غير الام …
في العطلة الصيفية تلك بدأت اهتماماتي الغنائية تتنوع وترتقي ..فبعد ان كنت من عشاق اش علينا (نعمة) وصفية شامية في(لا لا ما نحبكشي) والهادي القلال و (نرجعلك لازم نرجعلك) بتلك الترهويجة الموسيقية لكمنجة رضا القلعي ..بين المقطع والاخر ..اصبحت اذني تلتقط وتهتم بنوع من حب الاستطلاع لمنظومات موسيقية جديدة ..كانت تقتوقات عبدالحليم اولها (بتلوموني ليه .. باحلم بيك ..في يوم في شهر في سنة …) وكنت احاول ترديد بتلوموني ليه مع اختي الصغرى فكرية اطال الله عمرها … كنت اكبرها باربع سنوات وكنت آمرها بان تردد معي تلك الجملة الموسيقية القصيرة التي تاتي مباشرة بعد عبارة بتلوموني ليه ..ولانها كانت في صغرها ‘لا تدبش لا تنبش’ منتهى العقالة لحد السذاجة، كانت تتوفق احيانا في مواكبة نسق الجملة الموسيقية واحيانا يضيع نسق فكرية المسكينة ..اقول مسكينة لانني لا اتوانى لحظة واحدة عن عقابها ضربا بالارجل متى لم تكن متناغمة مع طربي وانشادي … شفتوني قداش خايب منذ طفولتي ..؟؟؟
كما كانت تشدني بعض اغاني فايزة احمد العائلية (بيت العز وحبيبي يا خويا) او صباح اونجاة الصغيرة ايضا …لكن ابدا ان جلبتني ام كلثوم او عبدالوهاب او فريد او اسمهان …حتى حدث ذات يوم ان زارت امرأة عمي لطيفة رحمها الله ابنة اخيها وصديقتها السمراء والحلوة جدا (وفقط) ما اخيب نيتكم ….ودندنتا باغنية الكبير عبدالوهاب (النهر الخالد) يومها تجمدت وانا استمع لهما تنشدان بطرب “سمعت في شطك الجميل ما قالت الريح للنخيل” …لم افهم شيئا يومها لم افهم شيئا ….لا عن النخيل … ولا عن الشاطئ ..ولا على الريح …فقط عندما كبرت عرفت ان الشاطئ والنخيل والريح العازفة لوحة لا يعرفها الا من يحس بجمال الله اولا وبجمال ما خلقه وبجمال الجمال … وفهمت ايضا وعن وعي ان الفنان عموما والكبير عبدالوهاب خاصة، يستطيع ان يشد سمع الانسان بعمق ابداعه وبحسه الفني الرهيب وساعود يوما الى هذه الفلتة الموسيقية في ورقات قادمة …
في تلك العطلة المدرسية تعلمت ايضا السرقة والكذب …. نعم كانت امي كلما دعتني لقضاء بعض حوائجنا من حانوت صالحة (هكذا كان يسمّى) وعرفت بعد سنوات ان صاحبه العبوس دائما والصعب المراس مع كل حرفائه والذين يتأففون من هذا التاجر الذي لا يستحق لقب تاجر فالتجارة فن … التجارة منذ القدم “لسيّن يغزل الحرير” او لا تكون … وهذه عشتها في سوريا سنة 96 عندما كنت في بعثة دراسية تابعة للاتحاد العربي للاذاعة والتلفزيون .السوري حماه الله وفرّج كربه من المتآمرين عليه في الداخل والخارج لضمان امن اسرائيل لا غير، ولتفتيت سوريا حتى لا تعود الى عزتها ومجدها الا بعد عشرات السنين من اعادة البناء …وما يقال عكس ذلك هو اما مشي في قطيع السياسيين او غباء، او خبث سياسي انتهازي بامتياز ..عودوا الى مقال كتبته بعد غزو العراق مباشرة ونشرته في جريدة الشروق، وقلت في خاتمته ان سوريا هي الهدف المقبل ..لا ادعي لا النبوّة ولا العبقرية في استقراء المستقبل، ولكن هو منطق الاشياء فقط والذي لا يستحق ذكاء خارقا لقراءة واقع سوريا وكل البلدان المجاورة لاسرائيل…
ويكفي في هذا الباب ان نتساءل سؤالين فقط… اولهما: من المستفيد مما يحدث في سوريا؟ ..ولا اجابة باستثناء اسرائيل وبلاش بطيخ وخاصة بصل وخروع …وبلاش تفسيرات اخرى… ومن يتحدثون عن دكتاتورية بشار عليهم اولا ان يعتنوا بـ”خمجهم” وعفنهم اذ كيف لقطر والسعودية ان تتحدثا عن ديموقراطية سورية، وهما اللتان لا احزاب في بلديهما… وتاريخهما يعج بالاغتيالات وبتسميم الاخ لاخيه والابن لابيه ….ثم السؤال الثاني، لو كان رأس بشار هو المطلوب اما كان بامكان امريكا وحلفائها الإقدام على خلعه في ساعة من الزمن ..؟؟ تركيا وقطر والسعودية والنصرة والمعارضة المعتدلة وغير المعتدلة والاكراد وما يسمى بالدولة الداعشية وروسيا وامريكا واوروبا وايران وحزب الله… الجميع دون استثناء وجدوا في سوريا ملعبا لهم ولاهدافهم، كل يغنّي “باحلم بيك” …وهناك قاعدة تاريخية تقول ان الاحلام الخبيثة لا تخلّف الا الكوابيس وارجو من الله ان نعيش يوما نرى فيه كوابيس مدمرة لاعداء سوريا …سوريا الجذور سوريا المجد سوريا التاريخ ..ومن تاريخ سوريا ان دمشق كانت ثاني اقدم عاصمة تجارية عبر التاريخ بعد “اريحا” وهكذا التجار او لا يكونون ..
في تلك الزيارة لدمشق عام 1996 بلاد الجمال والامن والامان (سماح برجالهم بنساهم والله) كنا ندخل لاي حانوت لاية مغازة نقلبها راسا على عقب وقد لا نشتري شيئا منها احيانا … وببشاشة الدنيا يجيب صاحبها “ولك شو يا حبيبي ما عجبك شيء” ؟؟؟ … كنا نظن خاصة وانهم يصيحون عندما يتكلمون تماما كما ترونهم في مسلسل “باب الحارة” كنا نظن انهم غاضبون منّا ومن بعثرتنا لحوانيتهم ..ولكن سرعان ما يضيفون: “ولا يهمك زينة ان شاء الله” … يقتلونك بببشاشتهم مرة اخرى رجالا ونساء ..تصوروا اننا كنا نحن مجموعة المشاركين العرب في تلك الدورة التكوينية، نراهن بعضنا البعض على رؤية امرأة سورية غير جميلة في شوارع دمشق …ويخسر من لا يراهن على الجمال ..
وفي المقابل عندما زرت القاهرة سنة 1988 في كاس افريقيا للكرة الطائرة التي شارك فيها “السي اس اس” (على فكرة على حساب جريدة الاعلان التي كنت اعمل بها) ..لاني لم اخرج اية مرة على حساب النادي رغم العروض المقدمة من قبل مسؤوليه والذين كنت اقول لهم دوما شكرا على الحركة، ولكن ساتركها لمن يترصد مثل هذه الرحلات من ثقب الابرة وما يشبعش هل من مزيد وما اكثرهم …عند زيارتي المهنية للقاهرة كنا نتراهن على وجود امرأة جميلة في الشارع المصري وكانت نتيجة رهاننا بعد ثلاثة اسابيع من البحث الدقيق ان النساء الجميلات في القاهرة موجودات فقط في المسلسلات والافلام المصرية (اربع كعبات وهز ايدك من المرق لا تتحرق)…
اعود الى صاحب حانوت صالحة تاجر حومتنا الاقرب إلى منزلنا (قرابة الكيلومتر) العبوس الصلف، لاكتشف بعد سنوات ان زوجته تدعى صالحة وانه كان لا يساوي شيئا امام جبروتها… وان ما يقوم به مع الحرفاء هو تعويض له كرجل “طلطول في منزله” ..قضاء ما نستحقه اما من ملح او سكر او بنّ للقهوة كنت انا الذي اتكفل بشرائه وامي لا تمانع في ذلك باعتبار خفة وزنه ….واغتنمت تسلم مقاليد وزارة التجارة (علاه الوزراء اللي شدوها بعد نكبة 14 جانفي خير منّي ؟؟؟)، اغتنمت تسلم مقاليد تلك الوزراة كي اكذب واسرق …(علاه يخخي جل الوزراء بعد نكبة 14 جانفي وفي جل القطاعات ماهمش سراق ؟؟ ان لم يكن بالمعنى المادي فبالمعنى السياسي) ….
ولكن حتى السرقة لها فنونها وجنونها .. ياااااااااااااااااااااااااااه ماذا تساوي حياتنا عموما دون فنون او جنون …؟؟؟ ع …
كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.
كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أوبعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.
هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:
أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،
ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.
ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.
ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.
المقنترحات العاجلة:
ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.
واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:
أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.
ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.
ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.
رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.
خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.
خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.
كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.
لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.
فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت علىمسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.
كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها
ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.
إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا
ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…
ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها
المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز
نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.
علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…
ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟
ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…
هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…
خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…
وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…
أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟