تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم… الورقة 77

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

سنة 1986 كانت سنة التحدّيات والتحوّلات… تذكرون جيّدا سنة 82 والزوبعة التي حدثت بعد ايقاف الكوكتيل… زوبعة 85 كانت اعمق واكثر توهجا

عبد الكريم قطاطة

لأبدأ اوّلا بالمستمع… منذ غيابي عن المصدح ماي 85 والمستمع لم يهدأ له بال وهذه المرّة بشكل عملي …لم تنقطع رسائل استنكاره وتنديده بالقرار سواء كان ذلك عبر الصحف او برسائل مباشرة للادارة… مما جعل جلسات الادارة الاسبوعية تُخصّص في جلّها للتباحث في كيفية معالجة ابواب النار التي فُتحت عليها… وللامانة فانّ العناوين الصحفيّة استغلّت الإشكال لتجعل منه خبزها الاسبوعي… مادام الامر يضمن لها مزيدا من المبيعات، او ما يعبّر عنه اليوم بالبوز …رغم ايماني ايضا بأنّ بعض الزملاء تعاطفوا مع الامر بفكر واع ودفاعا عن مسار اقتنعوا به، بعيدا عن الجانب التجاري…

في هذا الباب انا فخور جدا بهدف ادرجته ضمن قناعاتي والمتمثل في أنني آمنت ومازلت بانّ المنشّط الاذاعي هو صوت لكلّ الناس… وأعني هنا مهما اختلفت مستوياتهم التعليمية والسنّية… لا شروط لديّ في الترحيب بأيّ كان باستثناء اولئك الذين لا يحترمون الوطن والانسان… هؤلاء كانوا ومازالوا خارج حظيرة برامجي… اذ لا حياد معهم… زد على ذلك وفي ما يقولون عنه حيادا، فانا كرّرت آلاف المرّات انّ الحياد في العمل الاعلامي اكبر كذبة تُدرّس في معهد الصحافة وجلّ اصدقائي من اساتذة هذا المعهد يعرفون موقفي هذا… اذ الانسان بطبيعة خلقه هو مزيج من القلب والفكر ودون أي منهما لن يكون انسانا… واجب الاعلامي فقط ان لا يغلّب احدهما على الاخر وان يتوق للموضوعية في طرحه للمسائل …

كنت دوما اُعطي مثالا بسيطا لذلك واقول تتذكرون انّه في مباراة كرة قدم جرت بين الافريقي والترجي ذات ماي 85 وانتصر فيها الافريقي انذاك يوم 5 _ 5 _ 85 _ بخماسية …ماذا عن العناوين التي تتصدّر غدا الصحف حول المباراة ؟…دعونا نأخذ ابسطها …عنوان يقول الافريقي انتصر بـ5 اهداف مقابل هدف … وعنوان ثان يقول الترجّي انهزم بـ 5 اهداف مقابل هدف …ظاهريا يبدو الامر عاديا ولكن ان نستعمل كلمة انتصر لا يمكن ان تكون بنفس حجم وثقل ووجع كلمة انهزم …اين الحيادية اذن ؟؟ انا هنا تكلمت فقط عن صدر تلك القاعدة الشهيرة (وهي اكذوبة) والتي تقول الخبر مقدّس والتعليق حر …ما صدر كعنوانين في الجريدتين وهو الخبر المقدّس، هل يؤكّد انّ الخبر مفدّس اي محايد ؟ …الم اقل لكم انّها اكذوبة …

هذا الامر يُحيلني الى موقف لا مفرّ منه وانا اتفاعل مع ما يكتبه المستمع… هنالك كتابات تزلزلني جمالا ورونقا… اصحابها وهبهم الله نعمة (النقشان) وعبر مسيرتي حظيت بشرف وسعادة اكتشاف العديدين منهم… وعبداللطيف الحداد هو أحدهم… تابعته منذ كان تلميذا في جربة ثم طالبا في سوسة ثم مربّيا واتابعه لحدّ هذا اليوم محبّا متيّما بالافريقي… ومرّة اخرى وبكلّ امانة ايضا انا لي عشق يبدو انّه جيني للجنوب… الجنوب حقا وأعني هنا غمراسن وقبلّي ودوز ومدنين وجربة وتطاوين وتوزر وقفصة… قد اكون غير محايد في تقديري ولكن كانت لي قناعة ومازالت بانهم في جلّهم الاذكى والالطف والاصدق…

من ضمن ما كتب عبداللطيف الحداد في اواخر 85 حول الكوكتيل هذه النقشة “حتّى يكون الحبّ في بلدي بمرتبة الهواء” (جريدة السور بتاريخ 21 نوفمبر 85): “الى كلّ من يهمّه امر كوكتيلنا وامرنا .. اليكم جميعا ولا استثني احدا …1. الذين اقصوا عبدالكريم قطاطة لم ينفذوا قرارهم في قطاطة فحسب … بل نفّذوا ذلك في الآلاف من مستمعيهم ومؤتمنيهم على مصدح ورسالة وتراث … فالكوكتيل كان ملكا لاحبائه قبل ان يكون لقطاطة … 2 احيلوني على تجربة مصدحية واحدة في عمق وتوهّج تجربة الكوكتيل ولكم بعد ذلك ان تشنقوا كلماتي ..3 اية اخلاق اعلامية كانت تسمح بجزاء سنمّاري لكلّ من يجتهد ويتعب ويبذل عرقه ووقته لأجل سعادة المستمع ؟؟ وايّ عرف اعلامي كان يُبيح هذه النهاية الجنائزية لمن نفخ في المصدح بصدق وعمق وجنون؟ الا تخجلون من جحودهم ؟؟… 4 انّ ارتحال تقدير ضنى عبدالكريم ومتاعبه الجمة هو في النهاية ارتحال لنا …لمستمعي الكوكتيل اينما كانوا فأن يهون الكوكتيل هو أن يهون المستمع الذي يطلبه بعنف هل تفهمون هذا؟… 5 اذا كان الغرور عند بعضهم يعني التشبّث بالمبدإ والكرامة فنعم الغرور غرورنا لأنّ المساومة ما كانت يوما منّا وما كنّا منها…

6 هذا الوجه الجاحد الذي يواجهون به عبدالكريم قطاطة ليس جديدا عليه و لا علينا ولا على الجمهور طالما ان الحزن والاغتصاب هو قدر المبدعين والموهوبين دوما… 7 ان نكن قد خسرنا وبايدينا كانت الخسارة، فاننا تعلمنا انّ الذي يعرف كيف يخسر يعرف ايضا كيف يربح على حدّ قول نجيب محفوظ .. احتفظوا بهذه المعلومة في كنّشاتكم فلعلّها تكون ذات بال في يوم من الايام…8 غدا نعود ونستعيد مصدحنا واشياءنا وتاريخنا تاريخ الجمال والحب والجنون … امّا اذا لم نعد فانّ عزاءنا انّه ما من صادق الاّ وسيقول بأنّه كان حبّ هنا وكانت ارادة صميمة وكان امل… وانّه كان صوت نشاز اسمه عبدالكريم قطاطة وليس عبدالكريم فتيات كما يردّد المعقّدون… شنقوا انفاسه وصلبوه على عتبة قرار بذات قرار 21 ماي…تاريخ ايقاف الكوكتيل” …

عبداللطيف يقول دائما عنّي اشياء كثيرة فيها وفاء وامتنان …ولو تدري يا صديقي كما انا سعيد بانّك تجاوز جدولي الصّغيّر لتصبح محيطا عميقا من الجمال والابداع … عبد اللطيف والآخرون لم يهدأ لهم بال وكان الاستفتاء السنوي الذي تنظمه جريدة “البيان” فرصة ليعبّروا بشكل آخر عن تشبثهم بالكوكتيل وبمنشّطه … وهنا لم يكن التتويج بالمرتبة الاولى الذي اعنيه بل خاصة بالفارق الكبير بين المرتبة الاولى والثانية في عدد الاصوات… المرتبة الأولى تجاوز المصوّتون لها المائة والثانية لم تتجاوز العشرة اصوات… وهذا يعني انّ الحملة كانت كبيرة و الضربة القاصمة كانت موجّهة للادارة اساسا وليست لزملائي …

ما حدث في اواخر 86 كان توقّف جريدة الايام عن الصدور …كنّا ننتظر مثل هذا الامر ولكن ليس بتلك السرعة …كنّا نشتمّ رائحة الحريق …لأنّنا وبكلّ غرور مرّة اخرى كنّا مختلفين عن السائد …كنّا كفريق رياضي يبدا التعاقد لأوّل مرّة في تاريخه مع جامعة كرة قدم (طبعا موش مع الجريء لأنّو وقتها مازال يلعب في الزرابط مع اقرانو ويهرتكو عليه وهاكة علاش توة يردّ في الفعل ويحبّ يهرتك على برشة … اما يا مهرتك يجي نهار وتتهرتك)… اذن فريق في بداية خطواته الكروية فاذا به في المنصّة لتسلّم الكأس والبطولة معا … الايام انذاك كانت الجريدة الاقرب الى عقول وقلوب القرّاء …لذلك حتما سيشتعل الحريق …وما لبثت ان عادت في جانفي 86 وكُلّفت وقتها بادارة مكتبها بالجنوب حرصا منّا على الاقتراب من قرّائنا بالجنوب عامة …

من الاشياء التي عملنا كذلك على سنّها في تعامل الجريدة مع قرائها اجتماعات دورية في مكتبها بتونس مع مجموعة من القراء الاصدقاء للتدارس معهم وبشكل مباشر في ما للجريدة وما عليها… وكانت تجربة رائدة ومثمرة جدا في الاستماع اليهم وخاصّة في التاكيد الفعلي انّ للقارئ نصيبا في دنيا الجريدة اي شراكة فعلية مع الحريف ان صحّت العبارة …

من الذكريات التي لم انسها ايضا في شهر جانفي 86 موقف الجمهور الرياضي في قاعة محمد علي عقيد والنادي الصفاقسي منظم للبطولة الافريقية للكرة الطائرة والتي فاز بها مع اروع جيل للكرة الطائرة انذاك (غازي المهيري، مصدق الأحمر، عبد العزيز بن عبدالله، حشيشة، صرصار، كرّاي كسكاس وبقيّة الفيلق)… لم انس استقبال الجمهورالحاضر لي وانا انشّط التظاهرة … اقسم لكم بكلّ المقدسات كنت خجِلا لحدّ انهمار الدموع والقاعة تهتف بصوت واحد عبدالكريم عبدالكريم .. انّه الحبّ الغامر الرهيب ….لكن ما حدث من قبل المستمعين بعد صمت الادارة وعدم الاستجابة لرغبتهم في عودة الكوكتيل لم يكن في الحسبان بتاتا… قام المستمعون بتشكيل لجان في كافة مناطق الجمهورية مهمتها تجميع امضاءات للمطالبة بعودة الكوكتيل …وتكفّل منسق كل لجنة بعد التجميع بارسال نسخة لي وثانية لرئيس المؤسسة وثالثة لوزير الاعلام ونسخا اخرى لبعض الجرائد …

وما لم يكن في الحسبان الذي اعنيه انّه ولاوّل مرّة في تاريخ الاعلام يصل عدد الممضين على عريضة للمستمعين الى 20 الف و247 امضاء (جريدة الرأي 16 ماي 86) ….من ناحية اخرى وبعد عودة جريدة الايام اصبحت قناعتنا تتشكّل يوما بعد يوم بأنّ الايام لم تعد تلك التي اردناها وعشقناها وانّ ضغوطا سُلّطت على مديرها كي يوجّه بوصلتها الى حيث يريدون …وكان الاتفاق على تقديم الاستقالة الجماعية لمديرها وكنت انا من كتبت نصّ الاستقالة… وانتهت تجربتنا مع الايام وبكلّ اسف وحرقة نعم ولكن بكلّ فخر وشموخ واعتزاز لم نخضع لايّ ابتزاز ولم نلبس جلباب ايّ حزب …

من احداث سنة 86 ايضا انّ فريق اذاعة صفاقس نظّم دورة في كرة القدم وفاز ببطولتها… وعند زيارة وزير الإعلام (عبدالرزاق الكافي) لاذاعة صفاقس حيث سيُسلّم الكأس لقائد الفريق، اصرّ زملائي وانا الغائب عن اذاعة صفاقس انذاك بأن يكون عبدالكريم هو من سيتسلّم الكأس كقائد فريق سابق لهم … هم اتّفقوا سرّا حتى لا تعترض الادارة على قرارهم وتعتبره تحدّيا لها … وبُهت الذي كفر… دُعيت الى الحدث وعندما همّ الوزير بتسليم الكأس جاء زملائي في الفريق وحملوني الى المنصّة وتسلّمت الكأس… سلّمها لي السيّد عبدالرزاق الكافي وهمس في أذني: انت هو سي عبدالكريم ؟؟ ايجاني نهار الاثنين مع الساعة الخامسة مساء في مكتبي بالوزارة… عندي ما نحكي معاك…

في الورقة القادمة انا زادة عندي ما نحكي معاكم…

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

من الشبّاك

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.

فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت على مسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.

كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها

ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.

إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا

ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…

ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها

المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز

نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.

أكمل القراءة

جور نار

وقت مستقطع… للحبّ!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…

ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟

ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…

هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…

خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…

وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…

أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟

أكمل القراءة

جور نار

الدنيا ليست بخير كما يزعمون…

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

سؤال يقلق راحتي: لماذا يحنّ أغلبنا إلى الماضي…؟؟ لماذا حاضرنا أصبح ثقيلا لا يطاق…؟؟ ولماذا نخاف المستقبل أيضا؟؟ والإجابة في غاية البساطة…

هل نحن اليوم ما كنّا عليه وفيه سابقا؟؟ لا…هل قبلنا ببعضنا البعض رغم اختلافنا؟؟ لا… هل اعترفنا بما أتيناه من أخطاء في حقّ بعضنا البعض؟؟ لا… هل قمنا بمراجعات في ما أخطأنا فيه وطلبنا الاعتذار ممن أخطأنا في حقّهم؟؟ لا…هل أصبحنا اليوم نقبل بأن يكون بعضنا أفضل منّا وأرفع درجة؟؟ لا… هل أصبحنا كما كنّا نسبيا سابقا نسعد لسعادة بعضنا؟؟ لا… هل نحزن لوجع بعضنا أو خصومنا إن نزلت بساحتهم مصيبة؟؟ لا…هل نتضامن مع المظلوم وأن كان خصمنا ونختلف معه؟؟ لا…هل نتمنى السلامة لمن نختلف معهم وننافسهم في شأن من شؤون الحياة؟؟ لا…إذن نحن لسنا نحن … ولا يمكن أن نكون نحن؟؟ فهل الدنيا اليوم بخير كما يزعم بعضهم ويفاخرون؟؟ لا ليست بخير أبدا…

فكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يُظلم ونحن لا نحرّك ساكنا وحتى السنتنا أصابها شلل الجبن والخوف من أن يقع معنا ما وقع معهم…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والعاطل لا يزال عاطلا والفقير لا يزال يئن تحت ثقل معاناة الفقر…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ونحن فرّطنا في ثقافة العمل ولا عاد يهمّنا أي شأن من شؤون البلاد…؟؟وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعض مرضانا لا يجدون في صيدلياتنا الدواء…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وكفاءاتنا تغادر البلاد بالآلاف؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ولا يزال بعضنا يكذب على بعضنا؟؟

وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يهتك عرض بعضنا ظلما وعدوانا؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يكره بعضنا دون سبب فقط لأنه ليس من القطيع؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يتّهم بعضنا فقط لأنه يختلف عنه ؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يضمر لبعضنا شرا فقط لأنه لا يتفق معه في بعض شؤون الوطن؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يختلق الأكاذيب على بعضنا فقط لأنه كان أجدر منه بالمقام والمكانة؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والنفاق أصبح جزءا من الهواءالذي نتنفس؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا لا همّ له غير الانتقام ممن سبقوه ؟؟؟ وكيف يمكن ان تكون الدنيا بخير وأغلبنا ممن لم يحترفوا التصفيق والهتاف يعيشون القلق والخوف والاحباط والياس؟؟

فهل أصبح شعبنا غير قادر على النسيان…غير قادر على المصالحة…غير قادر على تغليب خطاب التسامح…غير قادر على العيش مختلفا…وغير قادر على الحب…هل أصبح التسامح والحبّ للجبناء …وأصبح الحقد والانتقام للشجعان؟؟؟

هل يعلم بعض هذا الشعب أن الدنيا ليست بخير كما يزعمون…فإن كانوا يعلمون ويتظاهرون بأنهم لا يعلمون فهذه كارثة…وإن كانوا يعلمون ولا يهمّهم ما يعلمون فتلك مصيبة المصائب…

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار