تابعنا على

جور نار

ورقا ت يتيم … الورقة رقم 2

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

مرت السنوات الاولى من طفولتي الاولى كأي طفل عادي نشأ في عائلة معوزة لا اتذكر منها اشياء كثيرة باستثناء اني كنت مغرما جدا باللعب مع كل من حولي …

عبد الكريم قطاطة

لا يهم ان كانت الالعاب مخصصة للذكور او الاناث، خاصة أنه ـ من سوء حظي او من حسنه ـ كان اختلاطي بالبنيّات (تصغير بنات) مفروضا بحكم قلة وجود الفتيان في محيطي …فكنت بارعا في كل العابهن: الخماس، البرتيتة، القفز على الحبال، بيت الحارة والغميضة … وكانت امي تستشيط غضبا من هذا السلوك لانه بالنسبة لها لا يعقل ان امارس تلك الالعاب الانثوية، باعتباري رجلا في نظرها … وكانت تحاول اثنائي عن مثل هذا السلوك، وذلك بقهري بعبارة (انت بهيم بنات) سعيا منها لردعي عن مخالطتهن ….الا انها ونظرا إلى قلة وعيها لم تكن تفهم ان الانسان ابن بيئته وانه من حق الطفل ان يمارس هواياته حسب الموجود …وحتى عندما كبرت وتنوعت علاقاتي مع الفتيات (مع فارق البراءة)، كانت تتنهد وتعاتبني بالقول “يا وليدي اشنوة بشيمتك مدفونة مع البنيات ؟؟؟” وعلى فكرة هي ادرى الناس بان مشيمتي فعلا مدفونة مع بنت لاني توأم لاخت لي ولدت ميتة ! ….

ومما اذكره في تلك المرحلة اننا كنا نلعب طيلة النهار لا نكل ولا نتعب صيفا او شتاء صحوا او مطرا لا اعرف للقيلولة معنى وكان الكبار في حوشنا زوجات عمومتي وبناتهن يتذمرن من عبثنا وهرجنا خاصة في قيلولة الصيف فتكثر تذمراتهن (لا ترقدوا ولا تخليو شكون يرقد . اللطف ..؟؟؟؟ ريحوا فخار ربي واتهدو) … وكن وفي نفس الوقت يهددننا بـ(عزوزة القايلة) حتى يضمنّ لعبنا في محيط الحوش كي لا نبتعد عن راداراتهن، رحمهن الله جميعا ….كنا لا نعرف للامراض اي تواجد معنا …حفاة عراة ..شتاء وصيفا… ومع ذلك قل ما يزورنا “الانجين” او “الڨريب” …وحتى ان حدث ذلك فالمستوصف المحلي بالساقية على ذمتنا بطابع اسبرين او طابع فيل ..كاكثر دواء مستعمل انذاك .وهذا المستوصف العجيب كلما زرناه وانا طفل صغير وجدناه مكتظا بالحريفات .. .

قلت حريفات ولم اقل مريضات …لاني فهمت عندما كبرت انه كان ملاذا لجل النساء والفتيات حتى يخرجن من كهفهن للقاءات شرعية مع الطبيب الڨاوري في غياب كلي ومحرم للقاء بين أية منهن واي رجل آو حبيب او صديق _(ده كلام ؟؟؟) … فينعمن بفحصه لهن …المرأة في الخمسينات كانت تخرج من منزل والديها مرتين الاولى لبيت زوجها والثانية للقبر …هكذا هي فلسفة ذلك المجتمع الذكوري في الوطن العربي عموما ولعل “سي السيد” في ثلاثية نجيب محفوظ اروع مثال على ذلك … لذلك كان الخروج الى المستوصف المحلي بالنسبة للمرأة نافذة لاكتشاف ما لا يحق لها اكتشافه …اكتشاف الرجل حتى بالنظر فقط اليه عن قرب (وبعين صحيحة) و النظر هن مزبهلات خاصة الى شنبه المفتول عنوان الرجولة انذاك رغم انهن كن يرغبن (ويتمنين حتى لا اقول يشتهين في الحقيقة) في فحص جسدي كامل باعتبارها من الفرص النادرة في حياتهن التي يتمتعن فيها بيد فظة تلمس أجسادهن …

وفي هذا الباب كان احد الممرضين (سي البحري رحمه الله) يصيح ويجلجل باعلى صوته فيهن: باللازمة تكذبوا ولاكم مرضى … بل ويقسم باغلظ الايمان ان واحدة من الحريفات التي تتردد بصفة دائمة على “نافذة الجنة” (المستوصف) كانت ترفض ان يناولها طابع فيل او مشروب كدواء وكانت تصر على ان (يدڨلها زريقة) … وتأكيدا لقناعته بانها تكذب يقسم بانه “دڨلها” ذات مرة زريقة ماء لا دواء فيها وانها عادت بعد اسبوع لتشكره على هذه الزريقة العجيبة التي قضت على جانب كبير من مرضها وانها تريد المزيد .. وكل عصر وزرارقو ….سي البحري كان يجسد المقولة __ميمونة تعرف ربي وربي يعرف ميمونة، وان الهدف لم يكن اصلا في الزريقة بل في اليد التي تبشبش وتدلك مكانها، الفخذ عادة…..

ما ان بلغت سن الخامسة من عمري حتى قرر والدي رحمه الله ان يرسمني بزاوية سيدي عبالقادر اليانڨي رحمه الله لتحفيظ القرآن … وكانت معارضة الوالدة شديدة فانا اقطن بين الساقيتين(الزيت والدائر ) وزاوية سيدي عبدالقادر بعيدة عنا …فكيف لهذا الولد النحيف ان يتحمل تعب الذهاب اليها كل يوم ؟؟؟ الا ان اصرار الوالد كان كبيرا وعادة كلمة سي السيد لا ترد وقبلت امي على مضض الامر الرئاسي …كانتا سنتين من عمري بصمتا بالمثابرة مني وبخوف رهيب من عصا سيدي عبالقادر الذي كان شديدا لحد الصلف …رغم اني لم اذق طعمها يوما الا اني كنت اتوقاه وارتعد مع اترابي العابثين طفولة في الزاوية او تاركي ومهملي السور التي يكلفنا بحفظها في ملف النسيان …كنت ارتعد وانا اراهم يعاقبون بـ “طريحة نباشة القبور” من سيدي المدب (هكذا كانوا ينادونه) وربما مثابرتي كانت متأتية من الخوف اكثر من وعيي بجدوى المثابرة …

كانت اختي الكبرى حفظها الله “سعيدة” وعندما كبرنا اصبحت اناديها باسم تراكي لشبه في شخصيتها بها عفريتة و دبايرية وحد ما يغبلها … كانت تصطحبني كل يوم صباحا الى الزاوية لحمل محفظتي وتعود مساء لنفس الاشغال الشاقة …وهي على حق في اعتبارها اشغالا شاقة لانها ومن اجلي حرمت نعمة التعليم …ويا ويلها عندما لا تتخفى في “قرصي ” ويكون ذلك الخطأ امام احد الجواسيس، وهو كل ما تقدر عليه عند مصاحبتي صباحا او مساء يا ويلها من غضب امي قبل ابي …انذاك تنزل عليها جبال من الدعاء ووصفها بشتى النعوت اما الوالد فهذا العقاب النسائي في نظره من نوع (كعك ما يطير جوع) وهو من المؤمنين بالقاعدة الذهبية في ذلك العصر (العصا لمن عصى) …

اختي الكبرى كانت لا تطيقني بتاتا وهي محقة في ذلك رغم انه لا ذنب لي ولكن (الظلم بعمل) ….وكانت الفرحة تغمرها عندما امرض وانقطع عن الذهاب الى الزاوية وبعدها المدرسة الابتدائية …او عندما تنزل الامطار بغزارة وتنقطع المواصلات مع ساقية الزيت بسبب فيضان الوادي الذي يربط بين الساقيتين والذي ياتي على الاخضر واليابس فيجرف معه كل ما يحلو في عينه من قمح وشعير ولوز واكباش …كان عنيفا في سطوته وهيجانه قبل ان يقوم الصينيون في السبعينات ببناء مجراه …وعلى ذكر الصينين لابد من الاشارة الى امور هامة في تواجدهم في محيطنا لتلك المهمة …اولا كنا نتعجب من سلوكياتهم في العمل …هم بمثابة خلايا النحل التي تعمل ليلا نهارا بشكل مبهر .. ولعل السياسي الفرنسي “الان بيرفيت” كان محقا حين كتب عنهم في السبعينات كتابه الشهير “عندما تستيقظ الصين سيرتعش العالم” … وهاهي الصين اليوم قوة عظمى قد تغير مجرى الاحداث وتقلب موازين القوى كما قال ذلك الكريفة ذات يوم في حوار رياضي حول فريقه المفضل النجم بصلف فرعوني رغم ان فريقه قاسى من فراعنة ماقبل 14 جانفي … والفراعنة عموما لا تنتهي حياتهم الا بالغرق ان لم يكن بعصا موسى فبعصا انتقام الاقدار وانتقام الزمن الدوار …

لنعد الى الصينيين …كنا نرمقهم بدهشة كبيرة هم متشابهون جدا خلقيا وكنا نندهش كيف يفرقون بين بعضهم بعضا …ولم اتخلص من هذه الفكرة الا زمن دراستي بفرنسا (اواسط السبعينات) عندما عشت معهم في مبيت بمنطقة فيلي بضواحي باريس الشرقية والذي كان مخصصا في جزء كبير منه للاجئين الفيتنامين … انذاك فقط اصبحت افرق بينهم والاغرب انهم هم تماما مثلنا يندهشون منا كيف نميز بين بعضنا البعض ..؟؟؟؟؟ أخر ما تبقى في ذاكرتي من تواجد الصينين بيننا انهم قضوا على نصيب كبير من ثروتنا الحيوانية في عالم القطط ؟؟؟؟ نعم هم من آكلي القطط وبشراهة …تماما كالافارقة الذين عشت معهم في فرنسا والذين من جملة ما يقومون بجلبه في عولتهم عند مقدمهم الى فرنسا “قديد” القردة مجففا ومملحا … ولا تسالوني عن تلك البرفانات التي تجتاح المبيت و هم يتفننون في تصنيفات ماكولاتهم بقديد القردة … ايف سان لوران على حالو …وعندما كنا نعبر لهم عن استغرابنا لمثل هذه المأكولات كانوا يجيبون بتهكم وسخرية …وكيف لكم ان تأكلوا لحم الارانب وهو من نفس فصيلة القطط …؟؟؟

علما بان ما يقولونه حول نفس الفصيلة علميا هو صح …في الاخير وبعد تجارب عديدة في فرنسا ادركت فعلا ان كل بلاد وارطالها، وان هواة ومحبي افخاذ الضفادع والتي تباع باثمان مشطة هم كثر، كدت اقول “بلحم اليهود” وانا اشير الى غلاء اطباقها الا اني كنت وسابقى ضد العنصرية حتى مع اليهود …الاكيد ان القرآن قال فيهم انهم اشد الناس بغضا وعداوة للذين آمنوا ولكن ودائما حسب معيارين اولهما اني عاشرت يهودا في فرنسا وكانوا على درجة عاية من الايجابية واقل وحشية من داعش ومشتقاتها وازلامها العلنيين ووالراكشين اما في خلايا نائمة او المتسربلين بـ “يسرون بعكس ما يضمرون” وثانيهما ايماني بأني ابن دم وحواء يجبرني على الاعتراف بالانسان اينما كان ووقتما كان انه اخي …اخي ورغما عنك وعني …

قضيت اذن سنتين بالزاوية تعلمت فيهما وحفظت القران حتى صورة عم يتساءلون …وكذلك ابجدية الحروف العربية وبعض العمليات البسيطة من الجمع والطرح، وهز ايدك من المرق لا تتحرق … وعند بلوغ السادسة من عمري ودائما باصرار لا يجادله احد فيه قرر الوالد رحمه الله ترسيمي بمدرسة “فرانك اراب” بساقية الزيت والتي اصبحت الان تحمل اسم مدرسة شارع الحبيب بورقيبة …كانت مدرسة فرنكوفونية يديرها مدير فرنسي ..وبعض المعلمين ايضا هم فرنسيون …ابي(طلعت في دماغو) _اني سادرس بمدرسة الكفار … انه عهد الاستعمار …لم يكن متفتحا ومتعلما حتى يرسمني بهذه المدرسة الفرنكوفونية بل كان بالكاد يكتب رسالة طمأنة للعائلة متى غاب عنها …ويبدؤها دوما بعد البسملة والحمدلة بجملته الشهيرة ـ ولست ادري هل هو فعلا يدرك معناها ـ (الى من نحبه ونرضاه والقلب شايش الي ملقاه)

هل كان ابي الغائب دوما عن عائلته بسبب عمله خارج المدينة يرسل لوالدتي تلك الجملة الشهيرة ويبثها مشاعره وحنينه واشتياقه للقياها بمثل هذه الجملة التي تتكرر في كل رسالة ؟؟؟؟ اشك بصدق في هذا الامر لان رجال ذلك الزمن يعتبرون التعبير عن مشاعرهم تجاه زوجاتهم ضربا من ضروب الضعف و (تطييح قدر) بل هم ربما اعتادوا باشياء فرددوها بشكل ببغائي دون حتى فهم محتواها ..و”الراجل” فيهم هو من يحمر عينيه منذ ليلة زفافه ولا ينسى ان يمعس رجل زوجته بكل عنف ليبرهن على عنتريته المريضة ….

الوالد اذن رسمني بتلك المدرسة التي مثلت بالنسبة لي نقلة اولى في حياتي كطفل ….ولا زلت لحد الان ازورها واتنسم فيها رائحة زمن رائع بكل المقاييس ….يااااااه كم احس باليتم وانا التفت الى زمن تساقطت فيه عديد ورقات شجرته …وغادرنا العديد ممن عرفناهم فتركونا يتامي …..ياااااااااااااه …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

الدنيا ليست بخير كما يزعمون…

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

سؤال يقلق راحتي: لماذا يحنّ أغلبنا إلى الماضي…؟؟ لماذا حاضرنا أصبح ثقيلا لا يطاق…؟؟ ولماذا نخاف المستقبل أيضا؟؟ والإجابة في غاية البساطة…

هل نحن اليوم ما كنّا عليه وفيه سابقا؟؟ لا…هل قبلنا ببعضنا البعض رغم اختلافنا؟؟ لا… هل اعترفنا بما أتيناه من أخطاء في حقّ بعضنا البعض؟؟ لا… هل قمنا بمراجعات في ما أخطأنا فيه وطلبنا الاعتذار ممن أخطأنا في حقّهم؟؟ لا…هل أصبحنا اليوم نقبل بأن يكون بعضنا أفضل منّا وأرفع درجة؟؟ لا… هل أصبحنا كما كنّا نسبيا سابقا نسعد لسعادة بعضنا؟؟ لا… هل نحزن لوجع بعضنا أو خصومنا إن نزلت بساحتهم مصيبة؟؟ لا…هل نتضامن مع المظلوم وأن كان خصمنا ونختلف معه؟؟ لا…هل نتمنى السلامة لمن نختلف معهم وننافسهم في شأن من شؤون الحياة؟؟ لا…إذن نحن لسنا نحن … ولا يمكن أن نكون نحن؟؟ فهل الدنيا اليوم بخير كما يزعم بعضهم ويفاخرون؟؟ لا ليست بخير أبدا…

فكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يُظلم ونحن لا نحرّك ساكنا وحتى السنتنا أصابها شلل الجبن والخوف من أن يقع معنا ما وقع معهم…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والعاطل لا يزال عاطلا والفقير لا يزال يئن تحت ثقل معاناة الفقر…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ونحن فرّطنا في ثقافة العمل ولا عاد يهمّنا أي شأن من شؤون البلاد…؟؟وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعض مرضانا لا يجدون في صيدلياتنا الدواء…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وكفاءاتنا تغادر البلاد بالآلاف؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ولا يزال بعضنا يكذب على بعضنا؟؟

وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يهتك عرض بعضنا ظلما وعدوانا؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يكره بعضنا دون سبب فقط لأنه ليس من القطيع؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يتّهم بعضنا فقط لأنه يختلف عنه ؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يضمر لبعضنا شرا فقط لأنه لا يتفق معه في بعض شؤون الوطن؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يختلق الأكاذيب على بعضنا فقط لأنه كان أجدر منه بالمقام والمكانة؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والنفاق أصبح جزءا من الهواءالذي نتنفس؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا لا همّ له غير الانتقام ممن سبقوه ؟؟؟ وكيف يمكن ان تكون الدنيا بخير وأغلبنا ممن لم يحترفوا التصفيق والهتاف يعيشون القلق والخوف والاحباط والياس؟؟

فهل أصبح شعبنا غير قادر على النسيان…غير قادر على المصالحة…غير قادر على تغليب خطاب التسامح…غير قادر على العيش مختلفا…وغير قادر على الحب…هل أصبح التسامح والحبّ للجبناء …وأصبح الحقد والانتقام للشجعان؟؟؟

هل يعلم بعض هذا الشعب أن الدنيا ليست بخير كما يزعمون…فإن كانوا يعلمون ويتظاهرون بأنهم لا يعلمون فهذه كارثة…وإن كانوا يعلمون ولا يهمّهم ما يعلمون فتلك مصيبة المصائب…

أكمل القراءة

جور نار

ملاّ ليلة كلبة!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

عشت البارحة خصومة طويلة مع النوم، ولم أنجح في مراودته للبقاء معي حتى سويعات الفجر الأولى… خرجت أمام المنزل بحثا عن نسمات صيفية تُصالح بيني وبين النوم فلم أجدها…

سمعت حشرجة قرب السور الخارجي للمنزل لم أعهدها سابقا، فاقتربت من مصدرها لأعرف مَن هناك، وكأني بقطة وكلب يتهامسان ويتحاوران في مشهد لم أعشه سابقا أبدا، فبين القطط والكلاب معارك دامية عشتها في منزلي السابق وكنت شاهدا على العديد من الأحداث بينها ونجحت في الكثير من الأحيان في رأب الصدع بين الفصيلين، وأجبرتهما على الهدنة والمصالحة الشاملة وتقاسم الموارد من سكن وغذاء، لكن أن يصل الأمر أن أجدهما في جلسة ودية أو ما شابه خلف السور الخارجي للمنزل فهذا أمر أول مرّة أعيشه، يذكرني هذا المشهد بالتوافق الذي عاشته تونس أيام الباجي رحمه الله والنهضة وقياداتها…

جلست غير بعيد عنهما لأستمع إلى ما يدور بينهما من حديث… فالقطّة الرقطاء هي قطة الكوني ابن عمتي أما الكلب فهو من الكلاب الضالة والسائبة  ولم أعرف أن بين قطة الكوني وهذا الكلب علاقة وديّة كالتي أعيش بعض أحداثها “هل أذنبنا في حقّهم يا صديقتي …لم كل هذا الحقد علينا…؟؟؟” هكذا قال الكلب مخاطبا القطّة…”هذا ويحاولون ايهامنا بأنهم سيعاملوننا حسب تعاليم الإسلام وما تركته السنّة…أي دين هذا الذي يأمرهم بمنع الغذاء عنّا؟ أيريدون قتلنا وابادتنا؟؟ هل تآمرنا عليهم؟؟ هل أضربنا عن القيام بواجباتنا؟؟ هل زاحمناهم في المناصب والمكاسب والوظائف العليا؟؟ هل أفسدنا في الأرض؟؟ نحن لم نسرق ولم ننهب ولم نظلم أحدا في حياتنا من البشر فلم كل هذا الحقد علينا؟؟؟” هكذا أجابت قطّة الكوني…

نظر إليها الكلب وقال “أتذكرين مواقفنا قبل 14 جانفي؟ ألم نبق على الحياد وحاولنا مساعدة الجميع على التعامل بهدوء مع ما وقع من أحداث؟ ألم نحرس ديارهم لأشهر طويلة حين كان الانفلات عنوان المرحلة؟؟ ألم تنقذ الكلاب الآلاف من المنازل من السرقة ؟؟ لماذا يعاملوننا هكذا ونحن الذين مات منّا الآلاف ولم نخرج حتى لنندّد بالأمر كما هم فعلوا ويفعلون، ألم يسجلوا بعض قتلاهم ضمن قائمة الشهداء وكأنّ الله لا يعلم شيئا عن الشهداء الحقّ وشهداء الفضاءات التجارية الكبرى؟؟ أمَسَكوا قطا او كلبا وهو يقنص من أعلى عمارات السكن؟؟؟”

ضحكت القطّة وقالت “نحن مختلفون عنهم يا صديقي… هم يحقدون على بعضهم البعض… هم يبحثون عن السلطة… جميعهم يريدون حكم البلاد فتراهم كأحزاب يخطبون ودّ الشعب بوعود وبرامج سياسية لا يحققون منها شيئا… ويوهمون الشعب بنجاحات وانجازات لم يحققوها… أنحن مثلهم؟؟ لا… نحن لم نبحث يوما عن سلطة أو جاه أو حكم… نحن لا أحد منا يخون الآخر… ولا أحد منّا يحقد على الآخر… ولا أحد منّا يعتدي على أملاك الآخر… هل سمعت يوما في صحفهم عن اتهام قطّ أو كلب بالفساد وتبييض الأموال ؟؟؟ لا أبدا ولن تسمع بالأمر أبدا…وهل سمعت يوما في نشرة أخبارهم التلفزية عن اغتصاب كلب لقطّة؟؟ لا لن تقرأ ذلك في صحفهم… فأخلاقنا ليست كأخلاق بعضهم… وعاداتنا ليست كعادات بعضهم… هم يشربون الخمر ويعودون إلى ديارهم يتمايلون ونحن لا نتمايل إلا حين يسممون أكلنا ظلما وعدوانا للتخلّص منّا”

نظر إليها الكلب ونبح صارخا في وجه كلب آخر اقترب منهما (كأنه يقول له روح لداركم ما الذي أتى بك هنا ؟؟؟) ونهره وأبعده عنهما ثم قال ملتفتا إلى القطّة الرقطاء: “أولا نحن لم يقبلوا بنا بينهم فكيف تريد منّا أن نطمح لسلطة أو حكم أو حتى للمشاركة في انتخابات ديمقراطية نزيهة وشفافة…” هنا قاطعته قطّة الكوني ابن عمّتي وقالت “نزيهة؟… أتقصد نزيهة صاحبة منزلنا سابقا محلاااااها تعطيني في السردينة كل يوم؟؟” نظر إليها الكلب غاضبا وقال ” أنت كصاحبك الكوني ساذجة وغبية… نزيهة من النزاهة أقصد وماذا تعرفين انت عن النزاهة؟؟” وأضاف قائلا “أتركيني أكمل كلامي ثم قولي ما تريدين يا حمقاء!!!… نحن لم نطلب يوما أن نكون ضمن الناخبين ولا ضمن المترشحين… أنا مثلا يا عزيزتي (هنا همست القطة قائلة: عزيزتي  منذ متى أنا عزيزتك يا كلب يا زوفري؟!…) لم أرغب يوما في شيء منهم غير مساعدتنا على تأمين الغذاء والسكن وهي اتفاقية قديمة بيننا منذ آلاف السنين…فأنا لست مثل بعضهم أبدا ولن أكون… أنا كلب طيب ومواطن صالح وشريف لم أسرق أو أنهب ولم أعضّ أو أظلم أحدا في حياتي… وأنا كلب ملتزم ومنضبط في شغلي وأعرف ربنا… فلمَ يخرج علينا أئمّتهم يهددوننا بالويل والثبور ويفتون بمنعنا من الأكل والماء؟ أهذا من الحقّ بشيء يا قطّتي العزيزة؟…”

هنا نظرت إليه القطّة وهي في حالة هستيرية وقالت صارخة: “أولا لست قطّتك و(يكب سعدك)… ثانيا أنت تكذب، أنت أكبر عضّاض في الحيّ… لكن أنا متعلمة ومثقّفة وأعشق بلادي وأحب أهلها ولا ولن أخون وطني اأدا ولن أكون من الوشاة لأخبر عنك وعن أفعالك يا (بوناب) وتقصد ان للكلب نابا طويلا خارجا عن الصفّ…” ثم ضحكت ونظرت في اتجاهي وقالت “كيف حالك عمّي…؟؟؟” نظرت إليها ضاحكا وقلت “عمّك … منين يا كبدي ؟؟؟” ضحكت ونظرت إلي وقالت “أتعرف يا ابن خال الكوني أني أنا القطّة الرقطاء ورغم أنى لست مشهورة أو شخصية عامة لكني والحمد لله وطنية وواعِية بكل ما يدور حولي. ولم أكن سلبية أو عميلة أو خائنة أبدا في حياتي… شاركت في العديد من المظاهرات في عهد المغفور له بن علي وحتى في عهد الترويكا وتوافق الباجي مع الغنوشي… وتظاهرت ضد التعذيب والتزوير والفساد والتوريث والتمديد… لكن ذلك الكلب الضال لم يفعل ذلك أبدا… كان دائم البحث عن الأكل والنباح والصعلكة بين الأزقة ومراودة كلبة عمّ الصادق الحوانتي وكلبة جارنا الذي يعمل بأوروبا، تصوّر أن له من كلبة سائح إيطالي سبعة جراء تركها دون تأمين الغذاء في الخلاء فماتت من الجوع والبرد…أتعلم أيضا انه أكل من كل الصحون منذ عهد الأمين باي أصدقني القول وقد قلت ذلك للكوني ابن عمتك”

نظرت إليها وضحكت وقلت “لم أتحدث عنك مع الكوني أبدا”… اقترب الكلب منّي وقال “لا تصدقها يا صديقي أتعلم أني بعد نجاح الثورة اجتمعت أنا وبقية كلاب المدينة بعد أن عرفنا أن الأمور قد تتغيّر وأن الأمل قائم في دولة ديمقراطية يكون فيها للكلاب والقطط موطأ قدم، وقررنا أن نساعدكم أنتم البشر في دمقرطة البلاد والخروج بها مما كانت عليه… وقررنا أن نكون لكم عبرة وأسوة من خلال تنظيم حياتنا السياسية والاجتماعية ومشاركتكم صنع مجد هذه البلاد… وشخصيا استشرت اهلي وناسي وأصحابي من الكلاب طبعا، فنصحوني بترشيح نفسي في انتخابات مجلس حي للكلاب يكون نواة لحياة سياسية منظمة للكلاب والقطط بجميع أصنافها وطوائفها وعائلاتهم نجمع فيه شمل بعضنا البعض… ويكون لنا ممثلنا الرسمي لدى البشر لنطالب بحقوقنا كمخلوقات ذات كبد رطبة وأمم مثلكم، فأنا أحب الجميع قططا وكلابا وبشرا وحتى ثعابين لم لا؟ وأنا على يقين انهم أيضا يحبونني فأنا واحد منهم ومولود هنا بينهم، مشاكلهم هي مشاكلي وهمومهم هي همومي… أما عن مشاكل هذا الوطن فهي أيضا مشاكلي فأنا كلب ابن كلب وهنا ولدت وهنا أعيش وهنا أبقى لأموت، ولعلمك سيدي أنا أتابع اوضاع البلاد منذ أطردني جدي الكلب الأكبر ولي برامجي وأفكاري واضحة، وقادر على إيجاد الحلول الممكنة والواقعية لأغلب مشاكلنا جميعا…”

همست لي قطّة الكوني وقالت: “لا تصدقه صديقي فقد طالبناهم منذ أكثر من عشر سنوات نحن معشر القطط بأن ننظّم مؤتمرا وطنيا للمصالحة الشاملة خدمة للمصالح العليا للبلاد، فرفض وحاول فرض إرادته من خلال ميليشيات فايسبوكية تشتم وتهتك أعراضنا وأعراض عائلاتنا ونحن الليلة هنا لنتفق في أولويات المرحلة… فالمرحلة التي نعيشها وتهديدات المنع من الغذاء والإبادة التي تتهددنا والحملة التي تشنها بعض وسائل التواصل أرهقتنا وأجبرت العديد منّا للهروب إلى بعض المناطق المجاورة التي يطيب فيها العيش وتكثر فيها الفضلات المنزلية…

نظرت إلى القطة والكلب وقلت لهما: “من الأفضل أن تتصالحا فالتعايش هو الأمر الوحيد الذي سيخرجكما مما آلت إليه الأمور وقد تتعقّد أكثر لو اتفق عليكما الجميع ومنعوكم من الغذاء والماء وقد يمنعونكم إن واصلتم تعنتكم من الهبهبة للكلاب والمواء للقطط …” نظر إلي الكلب وقال بصوت عال” صاحبك كلب ابن كلب…سألتزم بما تريدون…” ونظرت إليّ القطة وأقصد قطّة الكوني ابن عمتي وقالت وهي تبكي “حسبي الله…حسبي الله…”….

شعرت باصطدام على جمجمتي كأنه مطرقة وسمعت صوت زوجتي وهي تقول : “تي قوم اشبيك راقد قدام الحوش… يخي ما تخافش مالهوش وشبيك تهبهب من بكري؟؟؟” وعرفت أني لم أكن كسليمان لأتحدث مع كلب وقطة ولم أجتمع أصلا بها … ولم أذكر مما دار بيني وبينهما إلا “كلب ابن كلب…وهب هب”…

ملا ليلة كلبة…

أكمل القراءة

جور نار

محمد الأطرش يعود: نحن… ولعنة “الخوف الديمقراطي”!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

التقيت صديقا من مشاكسي أيام زمان فاقترح علي مجالسته لبعض الوقت في أحد مقاهي المدينة فقبلت بالأمر… جلس وأشعل سيجارته وقال “حين تسأل اليوم من يعترضك من المارة أو أحد الأصدقاء كيف حالك؟؟ غالبا ما تكون الإجابة (الأمور ليست كما هي… جميعنا نعيش تحت غطاء الخوف)… تسأله مم الخوف؟ يجيبك (لا نعلم…)

هكذا جميعنا اليوم أو أغلبنا، هل ورثنا ثقافة الخوف عن أبائنا أم هي ثقافة كسبناها مما عشناه ونعيشه، ما رأيك يا صديقي في هذا الأمر؟؟” قلت: “في العهود التي مرّت بها البلاد وعشناها كنّا نخاف كل شيء، فحين كنّا صغارا كان خوفنا كبيرا من أمّنا ومن إخوتنا الكبار، وكنّا نعيش الرعب مع والدنا خوفا من عقاب شديد لا نعلم لماذا ومن فرضه علينا وبأي قانون وقع فرضه…ثم حين كبرنا وكان ذلك في عهد بورقيبة رحمه الله أصبح الخوف أوسع واشمل…وأخذ طابعا آخر فعشنا الخوف من مكاتب الشُعب ومن يعمل فيها ومن رئيسها فكان أغلبنا يمرّ أمام مكتب الشعبة مطأطئ الرأس صامتا يلقي التحيّة دون أن يلتفت إلى على من ألقى التحية… وقد يصل الخوف ببعضنا بأن يرفع عقيرته بالصراخ (نموت نموت ويحيا الوطن…) وقد يرفع عقيرته بالنشيد الوطني وكأنه في تحية العلم الصباحية،

كبرنا وبدأنا نفاخر ببعض الشعيرات التي غزت ذقوننا ولم يغادرنا الخوف بل أقسم أن لا يفارقنا ويتركنا في حالنا، فاصبحنا نخاف عون الأمن وأقاربه واصهاره ومن يجالسه…ثم عرفنا دور العمدة ومدى قربه من السلطة والحكم فأصبحنا نخافه ونخاف من يعمل معه ومن يجالسه ومن يرافقه ونخاف أهله وأصهاره وحتى أصدقاء صغاره…ولم تسلم المدرسة ومن يعمل فيها من خوفنا… فكنّا نخاف حين نمرّ أمام بوّاب المدرسة من وشاية تسبقنا إلى مدير المدرسة… معلمنا أيضا لم يسلم من خوفنا…فكنّا أيضا نخاف من وشاة القسم، فبعض من هم أقرب منّا إلى المعلم ويلاطفهم بتوصية من زميل له يعمل بالمدرسة التي لا تبعد عن مدرستنا كثيرا، كانوا يقرؤون في حصة القرآن “قل أعوذ برب الناس” ثم يذهبون ليوسوسوا في أذن المعلم عمّا يفعله بعضنا خارج القسم والمدرسة، فتنزل ببعضنا أشدّ العقوبات فيغلق في وجهنا مضيق هرمز… عفوا باب القسم فنمنع من الدخول…

هكذا كان لكل من مرّوا بحياتنا وشاة ينشرون الرعب والخوف… فمدير المدرسة وحارس المدرسة وبوابها… والأستاذ… وابن الأستاذ وابن أخت الأستاذ… والعمدة وجار العمدة وقوّاد العمدة… ومخبر قوّاد العمدة… والمعتمد وابن المعتمد… وصديقة ابن العمدة وابن المعتمد وابن شقيق الوالي وحارس الولاية وقوّاد الوالي ومن يجالسهم ومن يتعاملون معه في السرّ والعلن… جميعهم أذاقونا وجع الشكّ في القوادة فكنّا نخافهم بسبب ودون سبب ولا نعرف حتى لِمَ وجب علينا أن نخافهم ونخاف وشاتهم …ث

م كبرنا…وحين أصبحنا في عمر يسمح لنا بالوقوع في حبّ ابنة جارتنا فتحية أو زميلتنا في القسم كنّا نخاف أبناء الحي والأحياء المجاورة… فالوقوع في الحبّ ليس في متناول الجميع في أيامنا تلك… وابن الفقير لا يسمح له بالتقرّب من ابنة العمدة أو رئيس الشعبة أو ابنة مدير المدرسة وقد يعيش الرعب لو عاكس ابنة المعتمد أو ابنة رئيس مركز الشرطة، ففي أيامنا تلك حتى الوقوع في الحبّ بالأكتاف…فـــ”مها” لا يمكن لــ”خليفة” ان يقترب منها ويعاكسها… و”الشعلاء” أيضا فليس لها الحق في أن تعشق أو تعجب بــ”نوفل” و”كمال”… فـــ”نوفل” هو ابن المعتمد و”كمال” هو صاحبه ابن العمدة… لـ”خليفة” لالحقّ كاملا في معاكسة “برنية” و”أم الخير” لكن لا حقّ له في الاقتراب من “ابتسام”…فالاقتراب حينها يصبح سامّا وقد يعرّضه لعقوبات وتتبعات ومضايقات وملاحقات و”شفطات” وويل وثبور وعظائم أمور…

وهكذا كان أيضا عهد بن علي رحمه الله… فتواصلت معنا لعنة أو لنقل ثقافة الخوف … الخوف مما سبق الى ما لحق… فكنّا نخاف بن علي رحمه الله ومدير ديوانه وأعضاء ديوانه وأقاربهم وعائلاتهم وأصهارهم ومعارفهم ومن يجالسهم من له أرقام هواتفهم… كما عرفنا الخوف من كل الوزارات ومن يعمل فيها ومن يديرها ومن يدخلها ومن يجالس من فيها وعائلاتهم وأصهارهم وأبناء عمومتهم… ودبّ الخوف أيضا في قلوبنا من أعضاء مجلس النواب واللجنة المركزية والديوان السياسي وكل من له علاقة أو صلة بهم وبأحد أقاربهم وأتباعهم ومن يجالسهم ومن يصاهرهم ومن يعرف أرقام هواتفهم … دون أن ننسى خوفنا الدائم من الوالي والمعتمد الأول والمعتمد والعمدة وصديق العمدة وعمّ العمدة وخال زوجة العمدة وابن أخت العمدة وسائق الوالي والمعتمد والخ الخ الخ….

ثم وقع إضافة بند آخر في قائمة الرعب، فتوسعت القائمة لتشمل ليلى وأخواتها ومن يجالسها ومن يصاهرها ومن يعرف رقمها ورقم إخوتها… ثم سافر بن علي رحمه الله لأداء مناسك الحج والعمرة والموت في البقاع المقدسة… واستوطن التتار والمغول والفيكينغ أرضنا وجاء جنكيز خان على حصانه المخطط رافعا سيف العدالة والديمقراطية والحرية فلا خوف بعد اليوم لا من ليلى ولا من فتحية ولا حتى من “مولاة الخلة الخمرية”…فأصبح الخوف الديمقراطي أكبر واستوطنت الأحزاب التي خرجت علينا كالفقاقيع كل مقرّات المغفور له التجمّع الدستوري الديمقراطي… فأصبح الخوف ديمقراطيا شموليا… فالولد يخاف من أمه ومن والده ومن إخوته ومن جاره وأصهاره وأبناء عمومته ومن كلبه ومن قطته…

فخرج علينا اليسار يهددنا بالويل والثبور والكثير من الجاوي والبخور… وخرج علينا شيوخ الدين يولولون ويكفّرون ويهددون بجهنم وبئس المصير والمسير… ثم جاء بعض من هم في الاتحاد فأصبحنا جميعا في نظرهم من الأوغاد فخرّبوا الكثير من البناء وأرهقوا البلاد والعباد…فحلّ الرعب والخوف والاستبداد… وحكم بعض رجال الاتحاد البلاد … فأصبحنا جميعا نخاف الأمين العام والكاتب العام ورفيق الأمين العام وصديق الأمين العام وجار الأمين العام وابن عم الأمين العام ومن يجالس الأمين العام ومن يصاهر الكاتب العام وقوّاد الأمين العام… فقط السؤال اليوم هل لخوفنا هذا ما يبرره؟؟؟”

ثم نظرت إلى ساعتي فضحكت وسكتُّ…فقال صديقي لِم ضحكت ولم سكتَّ أكمل؟ قلتُ: الساعة الآن منتصف الليل يعني الساعة صفر وبلغتك أنت صديقي الساعة الصفر هي ذاتها الساعة الرابعة والعشرون وأنا وعدت زوجتي ألا أكون خارج المنزل بعد الساعة صفر… ضحك وقال: “الخوف يدير الجوف يا صاحبي …”

Motif étoiles

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار