تابعنا على

جور نار

أحلام تربوية لا يكلّف ترميمها شيئا

نشرت

في

أعتقد جازما أن كُلفة جميع الندوات والملتقيات واللقاءات والمؤتمرات والفعاليات والموائد المستديرة والورشات والمسامرات والمحاضرات والبحوث والدراسات التي كانت يافطتتها الرئيسية “إصلاح المنظومة التربوية التونسية”… والتي دفعناها من اللحمة الحيّة على امتداد عقود كانت تكفي وحدها لتشييد المخابر وبناء القاعات وانتداب المختصّين في المجالات المختلفة والارتقاء بمستوى الرفاه البيداغوجي وأداء مدرستنا عموما.

ولكن الإفراط في التنظير حول الفكرة يقتل الفكرة ويُدميها أحيانا.

منصف الخميري Moncef Khemiri
منصف الخميري

هذا لا يعني بطبيعة الحال أن التأصيل النظري والتفصيل المفاهيمي والتحديد الفلسفي واستدعاء المقاربات … لا قيمة له خاصة عندما يتعلق الأمر ببناء البرامج وتحديد المرجعيات … وإنما هناك جملة من مواطن الخلل والإنهاك المُتّفق حول تشخيصها وكذلك بالنسبة إلى المعالجات الكفيلة بتجاوزها ودكّ أركانها. مع التأكيد على أن عددا كبيرا من الحلول لا يتطلب أكثر من بعض القدرة على “مغادرة مُربّعات التخطيط البيروقراطي” والقطع مع “عقلية المْساسية الدولية والبحث عن الاعتمادات اللازمة لتمويل المشاريع الغائمة، من قبيل “إرساء الجودة” و “دعم اللامركزية” و “اعتماد المنهاج” … إلى غير ذلك من عناوين البرْكة (بدون إشباع حرف الباء) وقلّة الحرْكة.

وهذه عيّنة تلقائية من الإجراءات الفورية المقدور عليها تماما والتي من شأنها أن تعطي نتائج ميدانية مؤكدة في ظرف زمني وجيز :

وحدات للطاقة الشمسيّة بكل المؤسسات التربوية (حوالي 6000 مؤسسة في الابتدائي والإعدادي والثانوي)

يؤكد غيوم فوند الطبيب النفساني الفرنسي المعروف أنه “أصبح من الثابت لدينا علميا أن الحالات المناخية القصوى حرّا وبردا تؤثّر على الحالة الذهنية العامة للفرد وتقوّي من منسوب العدوانية والاندفاعية لديه”. بما يعني أن المناخات الدراسية في ربوعنا والحالة الذهنية لدى أطفالنا تتأثر بشكل مباشر بالبرد الضّاري شتاءً والحرّ الشديد ربيعا وصيفا.

إن تدفئة قاعات دروسنا خاصة في المناطق الجبليّة وتكييفها خاصة في جهات الوسط والجنوب يُمكّن ـ علاوة على تليين الطباع وإتاحة مناخ يطيب فيه التعلم والتعليم ـ من ربح وقت ثمين أقدّره شخصيا بشهر دراسي إضافي على الأقل أو أكثر لأن تلاميذنا عادة ما يغادرون مدارسهم أو معاهدهم منذ نهاية شهر أفريل لضُعف دافعيّتهم نعم ولكن أيضا بسبب الظروف القاسية داخل قاعات مكتظة تتقلص فيها كميات الأوكسيجين بشكل يُعيق المتعلم في تحفّزه والمعلّم في قدرته على الرّكض وراء استكمال البرنامج وإعداد جمهوره لخوض غمار الاستحقاقات الدراسية اللاحقة.

هناك حسب تقديري ثلاثة اعتبارات أساسية تُشجّع على تحقيق هذه القفزة الشمسية الواعدة :

أولا : تحت تأثير الضغوط الفعالة التي يمارسها المجتمع المدني الدولي على أصحاب القرار السياسي والانهيارات المناخية الكبرى التي يشهدها العالم اليوم، تطورت خلال السنوات الأخيرة وبشكل لافت التكنولوجيا المستخدمة في إنتاج الطاقات البديلة، وجامعتنا التونسية ليست ببعيدة عن هذه الهندسة الحديثة، فلنا مراكز ومخابر بحث ومؤسسات جامعية متخصصة في تكنولوجيات البيئة التي أصبحت لها تجربة بفضل خبرة مدرّسيها وباحثيها، يمكن أن تساهم بشكل فعال في تخريج الكفاءات والتقنيين والفنيين ـ تصورا وتصنيعا وتركيبا وتعهدا ـ بالشكل الذي يعفينا من اللجوء إلى استقدام كفاءات أجنبية… بل ويمكن أن يجعل من تونس مصدّرا كبيرا في المجال أمام حاجة الغرب الكبيرة إلى الطاقة والاستفادة من 300 يوم مشمس في السنة بالنظر إلى الموقع الجغرافي للبلاد التونسية.

ثانيا : وجود عديد الأطراف الأوروبية التي يمكن أن نبني معها شراكات حقيقيّة عادلة يتمّ بموجبها تكفّل الطرف الأجنبي بتوفير الألواح والمعدّات المختلفة وتتكفّل بلادنا بتوفير الخبرات واليد العاملة وتزويد البلد الشريك بالطاقة مجانا لمدّة تُضبط في ضوء تقدير حجم المساهمة لكل طرف.

ثالثا : إمكانية توظيف هذه الفضاءات المكيّفة مجانا خلال فصل الصيف لاحتضان أطفال وشباب متروكين لحالهم لمدة طويلة تزيد عن ثلاثة، اشهر دون المشاركة في أي نشاط ذي علاقة بالمعرفة والعلم والذّهن عموما … بما يجعلهم مهدّدين جديّا بالانحدار إلى الأميّة. كأن تحتضن هذه الفضاءات أنشطة حرّة ومسلّية ومُضيفة في المسرح والفنون والتعبير والتواصل والتدريب على وسائل الإعلام والمطالعة والثقافة العامة وورشات للكتابة والرسم والسيراميك وصنع الأكسسوارات والغناء الجماعي…. وغيرها من الأنشطة الدّاعمة لتكوين الأطفال والترفيه عليهم في آن.

ويظل الحلم التربوي قائما بأن نسمع يوما خبرا رئيسيا في نشرة الثامنة مساءً مفاده أن وزارة التربية تُعلن انطلاق أشغال تجهيز جميع المؤسسات التربوية التونسية بالطاقة الشمسية وذلك على امتداد ثلاث سنوات !!! وسيتمّ الانطلاق من مدرسة أولاد بركة بفوسانة بالقصرين والمدرسة الابتدائية “المناخ” بفرنانة من ولاية جندوبة.

هذا واحد من الإجراءات غير المُكلفة التي من الممكن جدا أن تنفّذها وزارة التربية ويكون لها انعكاس مؤكّد على الاحتباس البيداغوجي في مدارسنا العمومية المتهرّمة.

لكنّه إجراء قابل لأن يتمّ استبداله بإجراءات كثيرة أخرى في نفس مستوى الكُلفة الزهيدة ونفس القيمة البيداغوجية المُضافة وضمان عدم اعتراض أيّ كان (من أصحاب العقول السويّة على الأقل) عليها باعتبار جدواها الثابتة وفاعليّتها المؤكّدة. ولِم لا وضع تصوّر لحِزمة متكاملة من الإجراءات الفورية المتزامنة التي تنهض بمدرستنا وتجعل منها فضاءات حاضنة ووِجهات فاتنة تُقبل عليها الناشئة في غِبطة وتهلّل وابتهاج… مثل :

بعث قاعات متعددة الاختصاصات في كل المؤسسات التربوية يتمّ اللجوء إليها لتنظيم كل الأنشطة الموازية وتتحوّل حينا إلى قاعة للمراجعة حتى لا يظل تلميذ واحد خارج أسوار المدرسة، وحينا آخر إلى مخابر صغيرة في الإعلامية وتطبيقاتها والملتميديا والروبوتيك والإلكترونيك (يُذكر في هذا الخصوص أن تجربة “ضع اليد في العجين” التي أسّسها جورج شارباك صاحب جائزة نوبل للفيزياء في 1992 المتمثلة في تشريك طلبة الأقسام العلمية والهندسية الجامعية في تحسيس الأطفال واليافعين بأهمية العلوم ودفعهم للانخراط فيها ومعايشة إشكاليات العلوم والتجريب والبحث العلمي… كانت تجربة ناجحة جدا إذ شارك فيها سنة 2013 ما لا يقلّ عن 18 من كبريات مدارس المهندسين و1300 طالب و30 جامعة لفائدة  1200 قسم من الابتدائي…في نوع من التدريب العلمي المبسّط).

أو

بعث دار ضيافة بمواصفات سياحية دنيا في كل ولاية تستقبل المتطوّعين من بين آلاف الكفاءات التونسية في المخابر والجامعات العالمية في المهجر، في عشرات اختصاصات العلوم التكنولوجية والعلوم الانسانية لتقديم محاضرات وتنشيط ورشات وتقاسم تجاربهم وبثّ روح المبادرة والبحث والتحصيل …. وهم لا يطلبون في العادة أكثر من تأمين نقلهم وإقامتهم وإعاشتهم في ظروف لائقة… لكونهم يعودون بشكل طبيعي ومنتظم إلى عائلاتهم عديد المرات في السنة ويكفي برمجة تدخلاتهم خلال فترة كافية قبل مجيئهم. 

أو

إقرار جوائز تحفيزية حقيقية  لفائدة الأساتذة والمتفقدين في المواد التي بات من المؤكد أنها هي التي تُعيق تقدّم عدد كبير من التلاميذ في السلم الدراسي وهي بصورة أساسية الرياضيات واللغات، في الجهات التي تحقّق نتائج أدنى من المعدّل الوطني للنجاح في الباكالوريا …وذلك كلّما وُضعت برامج وخطط ميدانية تؤدّي إلى تحسّن فعلي  في النتائج…في سياق خطّة وطنية جديّة توضع للغرض.

…وسيظلّ الحلم قائما مهما ادلهمّ ظلامنا ولم نعد نرى أملا. 

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

الوضع الحالي (ج 2): الساحة الوطنية… مقترحات لدرء الخطر

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.

كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أو بعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.

هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:

أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،

ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.

ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.

ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.

المقنترحات العاجلة:

ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.

واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:

أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.

ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.

ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.

رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.

خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.

خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.

كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.

أكمل القراءة

جور نار

من الشبّاك

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.

فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت على مسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.

كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها

ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.

إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا

ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…

ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها

المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز

نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.

أكمل القراءة

جور نار

وقت مستقطع… للحبّ!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…

ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟

ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…

هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…

خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…

وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…

أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار