تابعنا على

جور نار

أطال الله عمرك … يا جيورجيا ميلوني !

نشرت

في

سيدي الرئيس، صراحة لو كنت أعرف رقم هاتف صاحبة الشعر الأصفر “شقراء” روما جيورجيا ميلوني لهاتفتها لأشكرها…نعم لأشكرها سيدي الرئيس… وأقبّل يدها إن سمحت لي حتى وإن كنت على وضوء… (أتمنى ألا يتهمني أنصار الرئيس بالتحرّش بضيفته فوالله لا أريد شيئا غير شكرها) …

محمد الأطرش Mohamed Alatrash
محمد الأطرش

أقول، أتدري لماذا سيدي الرئيس؟ لأنها نجحت وفي اول لقاء بينكما في أن تضحكك…نعم نجحت حيث اخفقنا جميعا…أي نعم ضحكت سيدي الرئيس…ضحكت للحلوة جيورجيا في أول لقاء بينكما على أرض تونس الجميلة، نعم ضحكت وتسمّرنا جميعا أمام هواتفنا وتلفزاتنا وكل ما امتلكت ايادينا من وسائل إعلامية مستغربين الأمر…نعم مستغربين الأمر، لم نكن نعلم من طول انتظارنا لابتسامتك أو ضحكتك الأولى أنك مثلنا تضحك وتبتسم وتسعد…كنّا نقول لعلها هموم الوطن أبعدت عن رئيسنا الابتسامة…ولعلها الأزمة التي طالت جعلت رئيسنا رافضا للضحك…أو ربما صندوق النكد الدولي هو من أربك مزاج رئيسنا وأقضّ مضجعه فغابت عنه الابتسامة “يكب سعدك يا كريستالينا غورغييفا على زوز صوردي شردتينا”…

لكنك ضحكتَ سيدي الرئيس، نعم ضحكت أمام “جيورجيا” وردّت حلوة روما الضحكة والابتسامة بأحسن منها…أي نعم ضحكتَ لابنة “فرانسيسكو ميلوني” و”آنا باراتوري” وزعيمة “إخوة إيطاليا” ولم تضحك لنا نحن إخوة الأرض والوطن والوجع والمعاناة والصبر الطويل…لم تضحك لشعبك الذي انتظر طويلا ابتسامة أو ضحكة منك تبشرنا بخروجنا مما نحن وهذا البلد فيه…أتدري سيدي اننا حقّا اشتقنا إلى ضحكة منك لم نرها منذ وصولك قرطاج…ضحكة طال انتظارها ولم تأت من أجل عيون شعبك بل جاءت لعيون جيورجيا أطال الله عمرها وانفاسها وأظافرها…

أي نعم سيدي، ضحكت كثيرا و”كبيرا” ولا أحد منّا نحن الشعب يعلم لماذا؟ أتدري أن شعبك أصبح اليوم قليل الضحك ونادر الابتسامة، فحتى جيري لويس “رحمه الله وغفر له” لن ينجح في إضحاك هذا الشعب لو عاد حيّا…؟ وحتى “شوفلي حلّ” ما عاد يضحكنا ولم يجد حلاّ لكآبتنا… أتعلم لماذا سيدي الرئيس؟ أظنّك تعلم بكل ما يجعل شعبك قليل الضحك…قليل الابتسامة… طبعا لا أقصد كل شعبك فبعضه وهم قلّة يضحكون…كل الوقت…ويسعدون بما تفعل…كيف لا وهم يشاهدون خصومهم يتساقطون الواحد تلو الآخر…خصومهم الذين لم ينجحوا “ديمقراطيا” أو ما شابهه في ابعادهم عن طريقهم وافتكاك الحكم منهم عبر الصناديق…

ولم لا يسعدون…ولا يبتسمون…ولا يضحكون ملء اشداقهم وهم يشاهدونك وأنت تحقّق لهم ما عجزوا عنه منذ 14 جانفي من سنة النكسة والخديعة…وأنت تفسح لهم المجال ليحكموا غدا يوم يقولون لك “شكرا أكملت ما عليك”…فهم سيقبلون بكل ما تأتيه اليوم حتى وإن كان مخالفا لمبادئهم وفلسفاتهم السياسية وشعاراتهم التي يرفعونها منذ عرفناهم…فقط هم يريدونك ان تخدمهم خدمة لن ينسوها أو لنقل أنا على يقين أنهم سينكرون جميلك يوم يجلسون مكانك…إن جلسوا…هم يريدون فقط أن تقضي على كل من يمكنه الوقوف أمامهم غدا حين يحين موعد دخول مكاتب الاقتراع…إن حان طبعا…حينها ستعرف حقيقة ما قدمت لهم من خدمة لم ولن يحلموا بها لو لم تكن أنت جالسا على كرسي قرطاج…

وكأني بك لم تتفطّن لما يريدون وما يضمرون…هؤلاء الذين يضحكون ويسعدون لما تفعله لا يبالون بما تعيشه البلاد ولا يهمهم إن ساءت علاقتك بمن انتخبك وبالشعب…ولا يهمّهم إن توسعت الهوّة بينك وبين ناخبيك قبل الموعد الانتخابي القادم…ولا يهمّهم غدا إن قال لك الشعب “ماذا قدمت لنا في خمس سنوات؟” ولا يهمهم إن رفع الشعب صوته قائلا “اين وعودك؟ وأين انجازاتك؟” ولا يهمهم إن “حاسبك” الشعب غدا عبر الصناديق وقال لك “لم تفعل شيئا يستحق الذكر، فلن نختارك أنت رئيسا”…هم حوّلوا وجهتك إلى ما يريدونه منك حتى لا تلتفت إلى ما يهمّ الشعب فتنال رضاه …هم لم يساندوك في كل ما أتيته يوم 25 جويلية حبّا فيك أو دعما لمسارك بل هم يريدون أن تخلصهم من كل من افسد عليهم مخططاتهم وما يتمنون…

أعجبتهم لعبة تجفيف المنابع فصفقوا لك ورفعوا عقيرتهم بالصراخ “اضرب ما زال يتنفس”…وسيقولون يوم لا تكون جالسا في قرطاج عن دستورك ما لم يقله مالك في “السلتيا” (رحم الله سي حمادي بوصبيع)…وسيصفون عهدتك بالاستبداد والانفراد بالحكم…وسيعدون الشعب بإصلاح حاله والأوضاع…كيف لا وأنت أبعدت كل من كان يعترض طريقهم نحو الحكم من مطبات حزبية وسياسية…كيف لا وأنت خلصتهم ممن لم ينجحوا في تجاوزه عبر الصناديق…قد لا نتفق مع من أبعدتهم عن المشهد السياسي وقد لا نلتقي في أي من أفكارهم ومشاريعهم السياسية، لكن لا أحد منّا يقبل ان يقطع الطريق أمام خصومه دون تنافس نزيه لا تشوبه شائبة ليصل الحكم…

أتدري سيدي الرئيس أنهم سيُغرقون مسامعك بالتبجيل والتأليه والشكر والثناء والتصفيق والزغاريد وقد يرقصون إن لزم الامر (على وحدة ونصّ طبعا) … لن يتركوا لك لحظة واحدة تجالس فيها نفسك على انفراد وتفكّر فيها في وعن مآلات عهدتك التي شارفت على الانتهاء…عهدة حكمت أكثر من نصفها منفردا تفعل ما تريد متى تريد وكيف تريد…الآمر الناهي والحاكم بأمره…لا أحد يغامر بأن يقول لك أخطأت ليس خوفا من سطوتك لكن خوفا من سطوة من هم حولك…أتدري سيدي الرئيس لماذا لا يقولون لك: لا؟ لأنهم لا يريدونك أن تتفطّن لتبعات الوجهة التي حولوا دفّتك إليها…يريدون منك ان تنهي ما بدأته وتخلصهم من كل خصومهم بالإبعاد أو الاضعاف قبل موعد انتهاء عهدتك…

أتدري ماذا فعلت لصالح الشعب خلال عهدتك سيدي؟ لا شيء يذكر يهمّ الشعب، في حياته، ومعيشته، وتعليمه، وصحته، فقط حققت كل مطالب من ساندوك ودعموك دون أن تتفطّن بأنهم يخدعونك، ولم تلتفت لما ينفع الناس ويرفع عنهم البأس وينزع من طريقهم اليأس…عهدة ضاعفت فيها عدد معارضيك إلى أضعاف اضعاف من توحدوا بجميع الوانهم وقطعوا الطريق أمام خصمك وانتخبوك…عهدة أعلنت فيها الحرب على كل خصومك وخصوم من حوّلوا وجهتك مستأنسا بمزاج شعبي غير ثابت صنعته الازمات المتلاحقة بالبلاد منذ 14جانفي، وأجج ناره فشل كل من حكموا قبلك في إدارة شؤون البلاد واصطدامهم بواقع حكم كانوا يتصورونه “لعبة” أو “فسحة” سيصلحون خلالها حال البلاد والعباد دون عناء وفي أسرع وقت…ونسوا أن إدارة شؤون البلاد ليست فقط كرسيا تجلس عليه وتأمر لهذا بألف درهم وناقة وبعير…وتنهى الآخر وتأمر بسجنه وجلده مائة جلدة على قفاه…الحكم في زمن كالذي نعيش له واقعيته وحقيقته وأوجاعه وألمه ومشاكله التي لا يعلمها من لم يصارع أمواجه ويخرج منه سالما بأخفّ الاضرار…

أتدري سيدي الرئيس، هُمْ وأقصد من حوّلوا وجهتك نحو أهدافهم نجحوا في توسيع الهوّة بينك وبين معارضيك…وقالوا لك فيهم ما لم يقله تشرشل في “الفوهرر” أتعلم أشهر ما قاله تشرشل في السياسة…قال “ليس في السياسة عدو دائم، ولا صديق دائم، بل مصالح دائمة”…أتدري سيدي الرئيس أن من حاموا حولك ويحومون أوعزوا لك ضمنيا من خلال ما يروجونه عن معارضيك، ودون أن يتورطوا في ذلك علنا بتجفيف منابع معارضتك دون ان تدري بما كانوا يخططون ويريدون…ويضمرون…أتدري سيدي الرئيس ان عدوك الحقيقي هو من لا ينبهك لأخطائك…ومن لا يهتمّ لمآلات ما تأتيه وتقرره… عدوك الحقيقي هو ذلك الذي يصفق لك حين تأتي شيئا يوسّع الهوّة بينك وبين ناخبيك…عدوّك الحقيقي هو ذلك الذي ينصحك بمقابل…ويصفق لك بمقابل…وحين يغيب المقابل…يتحوّل إلى داعم ومساند لخصمك المقابل…عدوك الحقيقي هو ذلك الذي يزّين لك السيء من أعمالك، ويشوّه لك الجميل من أفعالك…

لذلك اسمح لي بأن أقول، علينا ان لا نغضب من ضجيج وصخب المعارضة وهرجها ومرجها، إن كنّا حقّا نريد من ينبّهنا لأخطائنا…فالاعتراف بالخطأ من اهمّ مكونات الفعل الديمقراطي…فلم نخاف المعارضة ونحن أصحاب رأي سديد وقوي وعاقل…فالرأي السديد العاقل لا يخاف الديمقراطية ولا تزعجه الحرية ولا الرأي المخالف…علينا أن نعترف أيضا ان اغلب المشاكل التي تعانيها دول العالم الثالث سببها الرئيسي غياب الديمقراطية…وان الفقر والخصاصة سببه أيضا غياب الديمقراطية…وان البطالة وتفشي الجريمة وانتشار المخدرات وتدني مستوى التعليم سببهم جميعا غياب الديمقراطية… ما حدث بعد 14 جانفي يعطينا درسًا ألا نظلم رجالنا سواء كانوا منا أو من معارضينا…فالاختلاف في الرأي ومعارضة مخططاتنا وبرامجنا وأولوياتنا لا يعنيان بالأساس ان من يأتي ذلك ليس وطنيا ويضمر بنا وبالوطن سوءا…وكما نحترم من يساندنا علينا ان نحترم من يعارضنا…فمن يساندنا قد يغفل عن أخطائنا ويزينها لنا تقرّبا منا وطمعا في غنيمة أو مقابل، ومن يعارضنا لن يغفل عن ذكر أخطائنا وسيساعدنا من خلال ذلك في إصلاح ما أخطأنا في تقديره…

ختاما سيدي الرئيس وأنت الذي ضحكت مع جيورجيا (أطال الله ضحكتها) كما لم تضحك سابقا معنا وأمامنا ابدا… أتدري متى نضحك نحن حقّا…متى نخرج من أزمتنا ونصلح حال البلاد والعباد…نضحك متى شعرنا بأننا في بلد ديمقراطي حقّا يسمح لنا فيه بأن نعبّر عن راينا بحرية دون خوف من الوشاة وامثالهم…نضحك متى نشعر بأننا نستطيع بأن نقول بصوت مرتفع ما كنّا نهمس به ونخنقه في حناجرنا…نضحك متى لا نُظلم ممن هم أقوى منّا ومن هم أقرب منّا للحاكم والسلطان…نضحك متى خرج علينا حاكمنا ليكشف لنا حقيقة أوضاعنا وإن كانت موجعة وإن كان وجعها سيزيد فالحقيقة هي ما نريد…نضحك متى جمعنا حاكمنا حول وطن واحد وإن اختلفنا في الرأي وفي التفكير…نضحك متى سمح للكاتب والمفكّر بأن يقول رأيه وإن كان موجعا دون أن يعتقل قلمه ويمنع من الكتابة…

نضحك متى استطاع كل واحد منّا أن ينتقد ويعارض السلطان دون ان يتعرّض للطرد من عمله وللعقاب…نضحك متى يختفي النفاق والحقد والكذب من مشهدنا السياسي…نضحك متى يعطى لقيصر ما لقيصر…نضحك متى عاد الشعب إلى العمل كما كان وأكثر…نضحك متى نفرغ السجون ممن نختلف معهم في الرأي والفكر…نضحك متى لا تغيب ضروريات الحياة من أسواقنا…نضحك متى يجلس الرجل المناسب في المكان المناسب…نضحك متى تغيب المحسوبية والانتهازية من حياتنا…نضحك متى قضينا على البطالة والتهميش …نضحك متى توحدنا في الحرب على الفقر والخصاصة …نضحك متى اعترفنا بأن أخطاء الماضي هي دروس للمستقبل ولسنا هنا لنحاكم الماضي بل لنجعله عبرة لنا حاضرا ومستقبلا… نضحك متى أدركنا جميعا أنه ليس من حق أحد أن يحتكر الماضي لنفسه…كما ليس من حقّ أحد أن يحتكر الحاضر لنفسه…فالحاضر لنا والماضي لأهلنا…والمستقبل لأبنائنا…

سيدي الرئيس، أتعلم أنا…اي نعم، أنا… متى اضحك؟ اضحك حين يصل كلامي هذا إلى من أعنيه بما جاء فيه، دون أن يخرج بعضهم ما جاء فيه من السياق الذي أبتغيه وأعنيه… فتعال نضحك جميعا، أنت، وأنا وكل الشعب ونثبت للعالم ونقول “الدنيا ما زال فيها الخير”…ألسنا أقرب إليك من جيورجيا ميلوني سيدي الرئيس !

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

الوضع الحالي (ج 2): الساحة الوطنية… مقترحات لدرء الخطر

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.

كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أو بعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.

هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:

أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،

ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.

ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.

ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.

المقنترحات العاجلة:

ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.

واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:

أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.

ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.

ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.

رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.

خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.

خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.

كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.

أكمل القراءة

جور نار

من الشبّاك

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.

فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت على مسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.

كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها

ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.

إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا

ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…

ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها

المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز

نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.

أكمل القراءة

جور نار

وقت مستقطع… للحبّ!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…

ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟

ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…

هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…

خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…

وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…

أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار