تابعنا على

جلـ ... منار

الحق فى حرية الصحافة

نشرت

في

لم تكن الحريات الصحفية والإعلامية المتسعة نسبيا في السنوات الأخيرة للرئيس الأسبق حسني مبارك منحة من أحد، ولا هدية مجانية هبطت على صالات التحرير واستوديوهات الفضائيات.

عبد الله السنّاوي

كما لم تكن هي من أطاحت بالنظام، فقد لقي مصيره الحتمي بانسداد القنوات السياسية والاجتماعية وتفشي الفساد وزواج السلطة بالثروة و “سيناريو التوريث” وإغلاق أبواب الأمل في أي إصلاح سياسي من داخله.
الحق في
حرية الصحافة تعبير عن قدرة المجتمع، أي مجتمع، أن ينظر في أزماته ومشاكله باستقصاء المعلومات دون زيف وتبادل الرأي بكل حرية.
حرية الصحافة درة الحريات العامة التي تضفي على البلد، كل بلد، انتسابا إلى العصر الذي يحيا فيه.
بتعبير لافت لمراسلة صحفية إيطالية طلبت من رؤسائها إنهاء عملها في القاهرة، ونقلها إلى موقع آخر في آسيا: “لا يوجد عمل صحفي حقيقي في القاهرة الآن، لم تعد العاصمة المصرية منتجة للأخبار التي تهم العالم، والخبر الوحيد الذي ننتظره هو من يخلف مبارك”.

كان ذلك التعبير في توقيته ورسالته انعكاسا لما كانت عليه الأوضاع في مصر، رغم الحرية النسبية التي كانت تتمتع بها الصحف الحزبية والخاصة والتراكم التاريخي في الدفاع عنها.
لم يخترع أحد حرية الصحافة، كل جيل يساهم بما يقدر عليه وتحتمله ظروفه، التراكم هو الأساس مهما بدا التجريف فادحا.
في تلك السنوات جرت معارك ومناوشات واحتجابات صحف وتواترت دعوات تلح على توسيع الهامش المتاح.
انتقلت عدوى الحرية من صحف المعارضة إلى كتاب الرأي فى الصحف القومية، واستوديوهات التحليل السياسي في الفضائيات الخاصة واصلة إلى تلفزيون الدولة.
كانت أهم معارك حرية الصحافة إلغاء العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر.

في عام (1995 ــ 1996) جرت احتجاجات لا مثيل لزخمها اعتراضا على قانونين يغلظان العقوبات في جرائم النشر.
لاحت دعوات لاحتجاب الصحف احتجاجا على تغول السلطة التنفيذية وعدوانها، لكنها لم تتجاوز حدود التلويح.
في خطوة مفاجئة صبيحة افتتاح المؤتمر العام الرابع للصحفيين يوم الاثنين (23) فبراير (2004) وعد مبارك بإلغاء العقوبات السجنية في قضايا النشر.
كانت تلك محاولة لامتصاص الاحتقان وسط الصحفيين من تنامي معدلات الحبس في قضايا نشر.
عند إعلان الوعد الرئاسي لاح في الأفق أملا في توسيع الحريات الصحفية ورفع سيف الحبس عن رقاب الصحفيين، غير أنه تعرض لضربات متتالية شككت في المدى الذي يمكن أن يذهب إليه فى تحسين البيئة العامة المأزومة.
بعد عام بالضبط على الوعد الرئاسي صدرت أحكام جديدة بحبس صحفيين في قضايا نشر، كان طرفها الآخر وزير الإسكان الأسبق الدكتور محمد إبراهيم سليمان.
بدا ذلك إحراجا بالغا لهيبة الرئاسة حيث تقوض وعده واهتزت صورته.
إثر الغضب الذي اجتاح الصحفيين اضطر الرئيس إلى التدخل لإجبار “سليمان” على التنازل عن كل القضايا التي رفعها على الصحفيين.
وفي عام (2005) أقدمت صحف المعارضة على تسويد بعض صفحاتها تعبيرا عن رفض ما جرى من تحرش بإحدى الصحفيات على سلالم نقابة الصحفيين أثناء دخولها فيما كانت هناك وقفة احتجاجية على ما جرى من تزوير فيى الاستفتاء على تعديل الدستور.
في (9) يوليو (2006) احتجبت الصحف الحزبية والخاصة احتجاجا على مشروع قانون استحدث نصا يوجب حبس الصحفي إذا طعن فى الذمة المالية للموظفين العموميين وأعضاء المجالس النيابية المنتخبة والمكلفين بخدمة عامة.
كان ذلك النص المستحدث انعكاسا لتوحش الفساد فى البلد.
جرى استخفاف مفرط في مراكز السلطة بفكرة الاحتجاب وما قرره رؤساء تحرير الصحف الحزبية والخاصة من إجراءات.
قيل: “لن يشعر بهم أحد”.. “فى غيابهم راحة بال”.. “إنهم يعاقبون أنفسهم”.. غير أن الاحتجاب نجح بصورة فائقة هزت النظام من أعماقه.
قاطع القراء شراء أية صحيفة قومية لم تشارك ـ بتعليمات السلطة ـ في الاحتجاب.
عكس نجاح الاحتجاب جوا عاما جديدا يرى في الصحافة الحرة مستقبل البلد.
وجرى احتجاب ثان في (7) أكتوبر (2007) على خلفية عودة الحبس في قضايا النشر نال هذه المرة من عشرة صحفيين مرة واحدة بينهم رؤساء تحرير.
صادف ذلك الاحتجاب عكس ما جرى في المرة الأولى مقاومة شرسة، جرت ضغوط على بعض رؤساء التحرير، حاول بعضهم أن يتملص من تعهداته، غير أن قوة الإرادة العامة أجبرت الأطراف جميعها على المشاركة فى الاحتجاب.
كان ذلك الاحتجاب رسالة جديدة بأن مصر تتغير.
لسنوات طويلة كان النظام مستعدا لدفع فاتورة حرية الصحافة واحتمال تكاليفها، باعتقاد أنها تساعد على تحسين صورته وتخفف الضغوط الدولية عليه.
سرى اعتقاد واسع في أوساط السلطة أن النظام هو أكثر المستفيدين من الحريات الصحفية، بظن أنها محدودة في صحف بعينها، وأن الصحافة القومية يمكن أن تضبط الإيقاع، غير أن تلك الصورة تبددت، فالصحافة القومية بدت كأفيال تذهب إلى مقابرها، العوالم اختلفت مع ثورة المعلومات، واحتياجات المجتمع توسعت وتعقدت، ولم يعد ممكنا السيطرة عليها بالطرق القديمة.
فى خريف (2010) تبدت نذر ومخاوف من انقضاض واسع محتمل على هامش الحريات الصحفية والإعلامية في مصر، فرغت منابر صحفية من أدوارها المعارضة بصفقات رجال أعمال، وأغلقت برامج على فضائيات.
كان ذلك تطورا خطيرا افتقد الحد الأدنى من الرشد السياسي.. فالحريات الصحفية والإعلامية ضمانة عامة تحصن المجتمع ضد العنف والانخراط فيه، وتعطيه أملا في التغيير السلمي الآمن.
الحوار ــ مهما كان صاخبا ــ يجري فى العلن، لغته التغيير السلمي وقضيته الإصلاح السياسي والدستوري، ومادته قضايا الناس الحياتية.
عندما تقلصت الحريات الصحفية بقبضة السلطة، غامت الرؤية فى البلد، وافتقد المجتمع أي بصيص أمل، وبدأت السيناريوهات الأخرى تتفاعل في المجهول.
في حيرة نظام “مبارك” بين الانفتاح على الحريات الصحفية والتلويح في البرلمان بضرب الصحفيين بالأحذية داهمته العواصف في يناير (2011).

ـ عن “الشروق” القاهرية ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جلـ ... منار

في البدء… كانت الأمومة

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفاء سلطان

وصلتني رسالة من شابة مقهورة، وكعادة أغلب الشابات اللواتي تعرضن لمعاملة ظالمة، قالت في رسالتها: (أمي كانت عدوتي الأولى)، لذلك آثرت أن أعيد نشر هذا البوست

وفاء سلطان

يحكى أن قبيلة كانت تعيش على قمة جبل، وتتحكم بقبيلة أخرى ضعيفة تعيش في أسفل الوادي. أحد الأيام، وانطلاقا من غطرستها، قامت عصابة من القبيلة القوية بالهجوم على القبيلة الضعيفة لتنهبها، ومن ضمن الغنائم سرقت طفلا رضيعا. كادت الأم تفقد أعصابها، وراحت ترجو القائمين على شؤون قبيلتها، أن يحاربوا القبيلة المتغطرسة أملا في استرجاع الطفل. بعد عدة أيام قرر الرجال، بعد أن جهزوا جيشا، أن يغزو القبيلة المعتدية، وراحت أرتالهم تتسلق الهضاب المحيطة بالقمة أثناء الليل، وإذا بهم يُفاجؤون بالأم وهي تركض من القمة باتجاه الوادي وقد احتضنت رضيعها.

صاح بها قائد الجيش: ويحك، كيف فعلت ذلك؟

تابعت مسيرها، وهي تقول: لو كنتَ أُمّا لعرفتَ كيف

…….

سمعت سيدة أمريكية أن استعراضا عسكريا سيتم في ساحة مدينتها، وسيشارك به ابنها المتطوع. شعرت بالفخر وأرادت أن ترافقها جارتها، كي تنفش ريشها أمامها مزهوة بآدائه. وقفت السيدتان على الرصيف يراقبن العرض الجميل، فلاحظت الأم إن كل حركة يقوم بها الجنود يعمل ابنها عكسها!

إذا خبطوا أقدامهم اليسرى يخبط هو اليمنى، وإذا لفوا إلى اليسار يلف هو إلى اليمين، وما شابه ذلك.

صاحت عندها مزهوة:

انظري…انظري إلى ابني، باركه الله، هو وحده الذي أتقن مراسيم الاستعراض

…….

للغراب رقبة تلمع من شدة السواد، فتبدو أحيانا تحت أشعة الشمس وكأنها زرقاء. كانت ستي أم علي تقص علينا حكاية تلك الرقبة، يسربلها يقين أقوى من إيمان أنشتاين بنظريته “النسبية”:

– ياعين ستك، النبي سليمان عليه السلام أعطى أنثى الغراب عقدا أزرق، وقال لها:

اذهبي وضعيه في رقبة أجمل المخلوقات”

لفّت الكرة الأرضية، ثم عادت لتعلقه برقبة ابنها،

ومن يومها ورقبة الغراب تبدو زرقاء، بعد أن اختارته أمه كأجمل المخلوقات، رغم قباحته وشدة سواده!

…….

تلك هي الأمومة قصة سرمدية وعلاقة لغزية،

لا أحد يعرف كنهها وسر قوتها،

باستثناء قول أفريقي مأثور:

أراد الله أن يتواجد في كل مكان فخلق الأمهات

…….

اغفروا للأمهات انحيازهن لأولادهن، فهو الإنحياز الوحيد العادل، لأنه يحافظ على استمرار الحياة

عندما تنحاز لك أمك تمسّك بما انحازت له من جميل وصدّقه، سواء كان وهما أم حقيقة،

فوَهْم الأمهات يصبح حقيقة في حياة الأولاد!

وأنت أيتها الأم آمني بكل ماهو جيد لدى أطفالك،

لأن ايمانك يصبح مع الزمن ايمانهم،

وإيّاك أن تري فيهم سوءا أو شرّا كي لا يصبحوا مع الزمن سيئين وأشرارا.

…….

ليست كل والدة أما، وليست كل أم والدة!

لا تُمنح الأنثى تاج الأمومة بمجرد أن تنجب، وليس من العدل أن تحرم منه لأنها لم تنجب، فكل أنثى قادرة على أن تكون أمّا، بشكل أو بآخر…

لقد كانت جدتي (أم علي) أما لي أكثر مما كانت أمي. لا أنسى في حياتي، كيف وبعد أن رويت لها حلما، وكنت مازلت طفلة، حملقت في عينيّ مليا، ثم أطرقت رأسها بعد تفكير، وتمتمت:

ستكونين يا عين ستك… ستكونين…

ستكونين… الله أعلم!

وتابعت: ياله من حلم غريب وجميل

ولقد صرتُ ماقالته جدتي بين عباراتها، والذي لم تبح به خوفا من أن تتعدى على مهنة الله في معرفة الغيب!

…….

كل الأمهات يعرفن الغيب عندما يتعلق الأمر بمستقبل أطفالهن، ولكي تتأكدوا اسألوا بيكاسو، فعلى ذمته

قالت له أمه:

إذا كبرت وانتسبت إلى الجيش ستصبح جنرالا…

وإذا عملت في الكنيسة ستصبح البابا….

وإذا تاجرت ستملك أكبر شركة…

يتابع بيكاسو:

ولكنني اتّخذت من الرسم طريقا، وأصبحت بيكاسو!

كانت امه تدرك أنه سيبدع أينما كان،

وكانت جدتي تعرف من سأكون…

كل عيد أم أطبع قبلة على صورة أم علي، وأتحسس روحها في سماء بيتي

…….

يبارك الإله للأمّهات المهمة المقدسة التي يقمن بها،

والتي من خلالها يجسدن ألوهيته،

ويعوّضن عن تواجده!

…….

لكن الحقيقة الموجعة:

ولأن الأم خلقت لتبني إنسانا،

تبقى قوتها المدمّرة هي الأكثر خرابا لو فشلت في تلك المهمة.

نعم، أزمتنا أزمة أمهات

أكمل القراءة

جلـ ... منار

الكتب… بين الاقتراض والقوارض

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أحمد خالد توفيق

لا أعتقد أن أبي يرحمه الله قد أقرض أي كتاب في حياته، ولو فعل فلأنه كان يحتفظ بنسختين من ذات الكتاب.. كان يؤمن أن الكتب أشياء خصوصية جدا مثل الثياب الداخلية والزوجة وبطاقة الهوية.. لا تصلح إلا لصاحبها ولا يمكن أن تقرضها إلا لو كنت مجنونا..

كان كذلك يؤمن بأن الأبناء يأتون العالم كي يبددوا الثروات التي تعب الآباء في جمعها، ومن ضمن هذه الثروات الكتب..

لم آخذ كلامه بجدية إلا عندما وقفت أمام مكتبتي التي هي مكتبته مع إضافات قليلة مني، فوجدت أرففًا بأكملها قد خلت من محتوياتها بسبب الإقراض..

معظم الناس يعتبرون أن كلمتي (استعارة) و(أخذ) كلمة واحدة، والتفرقة بينهما نوع من التزيد اللغوي لا مجال له؛ لهذا يقف الواحد من هؤلاء أمام مكتبتي – إذا قرر زيارتي – وتلتمع عيناه بالخاطر الجديد: لقد قرر أن يكون مثقفًا فجأة!. هكذا ينقب بين صفوف الكتب وينتقي هذا الكتاب.. وهذا.. وذاك.. فجأة صار مهتما بأدب أمريكا اللاتينية وتاريخ جائزة نوبل والتركيب الإداري لجهاز الموساد وفنون زراعة الأرز في الملايو وعلم السيبرنية.. في النهاية يضطر إلى أن يستخدم کیسًا من البلاستيك، لدرجة أشعر معها أن الأمر يتعلق بشراء طماطم من السوق لا اقتراض کتب..

ـ”لا تقلق.. أنا أحافظ على الكتب جيدا.. “

يكررها في كل مرة وهو يتجه لاهثا إلى الباب حاملا هذا الكنز ثقيل الوزن..

الآن مر شهر وشهران دون أن يعود أي كتاب.. أتصل به لأقول في خجل إنني أطمئن فقط على كون الكتب راقت له. يتساءل في حيرة: أية كتب؟

في النهاية يتذكر فيبدأ في الرثاء لنفسه لأنه كائن مشغول لا يجد الوقت الكافي ليأكل فما بالك بالقراءة؟.. سوف تعود كتبك.. لا تخف.. أنا أحافظ على الكتب جيدا.. .

شهر.. ثلاثة أشهر.. الآن صارت الكتب حقا مكتسبا له بحكم القدم، وصرت أنا سمجا كالبراغيث.. أسأله وأنا أجفف العرق على جبهتي عن مصير الكتب فيهتز ضحكًا، وينظر لي نظرة طويلة ساخرة قاسية.. لقد تغيرت النفوس.. لم يعد الإنسان قادرًا على تحمل أخيه الإنسان..

أشعر بخجل شديد من نفسي لأنني جرحت سلامه النفسي ولأنني متلهف على كتبي إلى هذا الحد، بينما لديه مشاكل لا تنتهي ولا وقت عنده لهذا السخف..

في النهاية يتحول الأمر إلى وغد لحوح – هو أنا – لا يكف عن تسول شيء ليس من حقه. ويحاول صديقي النبيل أن يعاملني بالحسنى وألا يجرح مشاعري لكنني بصراحة اضغط عليه أكثر من اللازم.. في النهاية ينفجر فيّ:

ـ”هي مجرد کتب.. وأنت لن تفسد صداقتنا من أجل بضعة كتب.. بصراحة لا أذكر أنني أخذت أية كتب منك ولا أذكر مكانها، لكن هذا لا يكفي كي تجعل حياتي جحيما!”

هكذا أتلقي درسًا قاسيًا.. لا تضغط على أعصاب الحليم أكثر من اللازم.. الحق إنني سعيد الحظ لكون هؤلاء العقلاء شديدي الحلم أصدقائي..

مؤخرًا جاءني صديق تم انتدابه للعمل في منطقة صحراوية نائية. صديقي هذا طراز آخر من المقترضين.. هؤلاء الذين يقسمون أغلظ الإيمان على أنهم أعادوا لك الكتب التي اقترضوها وأنت تؤكد العكس.. وبما أنه لا يوجد إثبات وأنت لم تستكتبهم إيصالا فإنك تبتلع غيظك وتصمت..|

قال لي صاحبي متوسلا:

ـ”سواء كنت تقبل إقراض الكتب أم لا، فعليك أن تقرضني مجموعة محترمة وإلا قتلني الملل.. أريد مجموعة ممتعة من الروايات.. “

رققت لحاله من ثم انتقيت من مكتبتی رواية (إيفانهو) للسير (والتر سکوت)، وحجمها يقرب من حجم دليل هاتف الصين ، وقلت له إنها رواية ممتعة وسوف يقضي معها أسعد الأوقات.

عندما عاد بعد ستة أشهر أخرج لي الرواية من حقيبته، ونظر لي بعينين جاحظتين وقال:

“إليك روايتك الكابوس !.. لقد قضيت أسود ساعات حياتي معها.. مالي أنا والفارس النبيل فلان الذي ينتظر في الغابة قدوم الفارس علان ليختبر ولاءه للملك و.. هذه قصة لا تنتهي .. “

قلت له:

.”بالضبط .. هذا ما قصدته.. لو أقرضتك رواية مسلية الانتهت خلال ثلاثة أيام، بينما هذه الرواية المملة اللعينة تحتاج إلى حكم بالمؤبد کي تنتهي منها.. عرفت أن ستة الأشهر ستنتهي وأنت لم تفرغ من أول مائة صفحة بعد. أضف لهذا أنني أمقتها ولن يشكل فقدها أية خسارة بالنسبة لي…”

على كل حال لم يبق في مكتبتي إلا الكتب المملة والكئيبة وخامدة الذكر مثل إيفانهو وسواها، لهذا وصلت إلى حالة السلام النفسي ولم يعد أحد يقترض أية كتب مني على الإطلاق..

هل ترغب في اقتراض مجموعة كتب تشرح بالتفصيل تطور صناعة المطاط في فيتنام؟.. لا مشكلة عندي.. خذها متى شئت فأنت صديقي.. أنت أخي..

أكمل القراءة

جلـ ... منار

للحياة أوّلا

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفاء سلطان:

كنت أراقب مرّة فيلما وثائقيا عن حياة الإرهابي أبو مصعب الزرقاوي.

الفيلم صوّر البيت الذي ولد وتربى فيه،

وجاء في التقرير المرافق:

شرفة البيت كانت تطلّ على مقبرة!

ويتابع: ماذا تتوقعون من طفل قضى طفولته كلها لا يرى من شرفته إلا القبور!

***

يبدو أنه محكوم على السوريين أن يعيشوا داخل مقبرة

القاتل والمقتول فقد سلامه، ولا يمكن لأحد منهم أن يكون سعيدا، فالسعادة لا تنبع من روح مضطربة،

والقتل والإنتقام هما عوامل الإضطراب

كنت في الصف الثامن عندما راحت معلمة العربي تتغزل بقول الشاعر محمود درويش:

للطلقة في صدر فاشستي سأغني

فانتصبت وقلت برباطة جأش:

قد اضطرّ أن أقتل فاشستيا، لكنني لن أغنّي للطلقة في صدره، فستموت الأغنية في قلبي في اللحظة التي أقتله !

لم نعد نسمع أغنية سوريّة، فلقد اختنق الصوت في صدر الجميع قاتلا ومقتولا.

لا أذكر من قال:

The world is beautiful outside when there is stability inside

(العالم الخارجي سيكون جميلا عندما يكون عالمك الداخلي مستقرأ)

لكنني أذكر أن شاعرة الحب الإنكليزية Percy Best Shelley هي من قالت:

Nor peace within nor calm around

(مالم يوجد سلام في داخلك لا يمكن أن توجد سكينة حولك)

الواقع المعيش في أي بلد على سطح الأرض هو انعكاس لطبيعة الروح “الجمعيّة” لذلك البلد!

فما بالك عندما تكون تلك الروح وليدة لثقافة: نعشق الموت كما يعشق عدونا الحياة؟

***

منذ أنا وعيت تلك الحقائق وأنا أغني للحياة..

وللسلام…

وأذرف في الوقت نفسه دمعة على القاتل

قبل المقتول

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار