عدت إلى منزلي بعد زيارة صحراوية أرهقتني…وقررت أن أنام حسب التدابير الاستثنائية ولم أكن أعلم أني سأكون على موعد مع المقامة “الزقفونية” …حلما…وليس واقعا…
<strong>محمد الأطرش<strong>
“هل أتاكم حديث انقلاب صاحب “الزقفونة”…الذي انتصر على صاحب “المكرونة” ومن يدعمونه ويساندونه…في جولة انتخابية مجنونة…تحالف معه فيها جميع من يعرفونه… ولا يعرفونه…ومن يُحبُّونه ولا يحبُّونه…ومن يهضمُونه ولا يهضمُونه…حتى بعض من أكلوا مع صاحب “المكرونة” ثم انقلبوا عليه ولم “يشكُرونه”…بعد أن استمتعوا باللحم المشوي والعقُدْ والمدفُونة…فأغلبهم جاؤوا فقط يبتزونه ويخدعُونه…ولقطع الطريق أمام من بالفساد وتبييض الأموال ينعتونه ويتهمونه…
جاءني وحدثني في المنام مولانا عالي المقام…عن حربه ضدّ خصومه من الأيتام والأزلام…يقول مولانا بعد التحية والسلام، والكثير من التهديد، والوعيد والايهام …والاتهام…هل اتاكم حديث شيخهم الهمام و”الفشلام”…وما وقع للبعض من نوابه وأعضاده اللئام… وكيف أغلقنا أمامهم المجلس من خلف ومن أمام…وجمّدناهم يوم عيد الجمهورية لنستحوذ على ما لتلك الذكرى من رمزية، وأعلناها ثورة “زقفونية” تنهي كل توافق وسلطة حزبية وبرلمانية… قبلها بسنة ونصف عقدنا النيّة، وقررنا أن نستولي على الجمهورية بطريقة دستورية…ثم بدأنا خلال حكم المشيشي نعدّ العدّة ونكتب الوصيّة… ونجمع السلاح والفصول الدستورية…ونشحن البنادق التشويهية ونجمع الذخيرة الحيّة…من أتباع وأنصار وقوّادة وزبانيّة…ثم وبعد أن وضعنا خطّتنا الجهنمية…حرّكنا منصاتنا الإعلامية والفايسبوكية…ومنصات دفاعاتنا وهجوماتنا الجويّة لتطلق الأعيرة النارية من الاشاعات الكيدية… والاتهامات العنقودية…ايذانا بالإبادة السياسية الجماعية… لكل من حكموا خلال العشرية من الشيوخ والذريّة…ومن تحالف معهم من الأحزاب والكتل النيابية…من ابن الناصفي والزغلامي إلى حليمة الهمّامية…
حدثني في المنام عالي المقام مولانا صاحب النظرية “الزقفونية” المقدام …حين سألوه ماذا ستفعل بالديمقراطية…قال سنستبدلها بالتدابير الاستثنائية…لنُنْسي الشعب خراب وفشل العشرية…ونبدأ في بناء دولة أو سلطنة أو مملكة أو حتى إمارة “زقفونية”… ينعم فيها الشعب بالحرية… والتعدّدية، فحتى العصافير، والأعشاب الطفيلية، ستنعم بالديمقراطية على الطريقة القاعدية…وسيتمتّع الجميع بالفضاءات الترفيهية… والرحلات السياحية… وسيلعب الجميع مساء السبت وصباح الأحد بالكرة الحديدية…وسنعلنها عبر حملات تفسيرية شفطرية لينينية دولة ذكية فتيّة ثورية قاعدية شعبية لا غربية لا شرقية تحكم بالمراسيم والتعليمات الفوقية دستورها التدابير الاستثنائية…وعصاها المراسيم التأديبية والشبهات الكيدية… وإعلامها الروايات الخيالية التلفيقية…وتعيش ببركة سيدي بلحسن الشاذلي، والسيّدة المنوبية، وإن لزم الأمر أم الزين الجمّالية…لا أحزاب فيها ولا كتل نيابية، ولا مخلوف ولا العفّاس ولا حتى البعض من الذريّة… لا هيئات فيها ولا رئيس دون صلاحية…وسندفع كل ديون دولتنا من أموال الرعية…وإن لزم الأمر سنخفّض في حجم “الشهرية” حتى نتخلّص من ديوننا الداخلية والخارجية…وستنتشر الشركات الأهلية من راس جدير إلى الهوارية… وسنملأ سجن المرناقية…بالفاسدين و”الكناترية” ونواب الحقبة الإخوانية الدستورية، ولم لا من يناصرون بعض الحركات اليسارية…وستسعد الرعية بالحفلات والمهرجانات الصيفية…ولم لا صفيّة الشامية عبر الإذاعة الوطنية…وسيقع الترخيص في استيراد السيارات الشعبية بأسعار خيالية…وسندفع لكل عاطل منحة شهرية تكفيه سجائره، وجلساته الخمرية صحبة عشيقته فتحية أو حتى كاترين الأجنبية فنحن نؤمن بالحرية الجنّـ… سية القاعدية…حتى لا يختار طريق العصابات الاجرامية…ولا ينضمّ إلى الأحزاب الإخوانية…ولا حتى إلى الأحزاب الدستورية…فجميعهم من تلك البليّة…حسب وصفتي الطبيّة…
وماذا ستفعل بالانتخابات يا صاحب المراسيم الأميرية…قال: سنستبدلها بما هو آت…نظام قاعدي و”زقفونيات”…من نظام القذافي مستوحاة…وسنستحوذ على كل السلطات…لنعوّض ما خسرناه من أشهر دون صلاحيات…وسنستميل كل المكونات… فنحن من سيعلن مستقبلا عن تشكيلة كل الحكومات …وسنختار من الولاة من أعلن لمقامنا البيعة…والولاء…آت…وسنعيّن أتباعنا على رأس كل العمادات…والمعتمديات…والمصالح والإدارات…والدواوين والمؤسسات…والشركات والتعاضديات…حتى حافلاتنا وسيارات النقل والقطارات لن يسوقها من لا يقبلون بسياسة الأوامر والتعليمات، ومن لم يعلنوا لنا البيعة ولم يقسموا على الانصياع لأوامرنا والانضباط …
وحين سألوه عما فعله بالقضاة…قال سنفجّر كل الهيئات كما فعلنا مع من سبقهم من السلطات والهيئات والوزارات…وسنعلن نظام الولاءات…ونلزم القضاة…كل القضاة…بالانصياع لما نعلن ونقول ونأمر، والانضباط…في تطبيق الأوامر والتعليمات…ومن لا يقبل بهذه الإجراءات…سنصدر مرسوما فيه العشرات من الإعفاءات… والاقالات… والإحالات مرفوقا بأكداس من الشبهات والاتهامات بالارتشاء والوساطات…ويتكفّل بعض الاتباع ممن أعلنوا لنا البيعة والولاءات بإغراق كل الفضاءات ونشر نسخ من كل محاضر التهم الكيدية والشبهات …ليكون عبرة لبقية القضاة…وسلامات …سلامات…سلامات…
وماذا عن الاتحاد والطبوبي ومن معه من القيادات…إن رفضوا مراسيمكم والتعليمات…ولم يقبلوا بالتورّط معكم في إمضاء كل الاتفاقيات، مع صندوق النكد الدولي وبقيّة المنظمات…فهل سترضخون لما تريده النقابات…وتقبلون بسياسة “هات فلوسك هات” وتلبُون طلباتهم من الزيادات والحوافز والترضيات…أم ستتركون البلاد تغرق في وحل الإضرابات…بمجرّد ذكر اسم الطبوبي ومن معه من قيادات… ثار صاحب المقام وهاج… واضطرب له المزاج… وانتفخت له الأوداج…وصاح في وجهي كالعاتية من الأمواج…لست من النعاج…ولست كالحلاج…وسأعرف كيف أجد العلاج…وأصلح الاعوجاج…
وكيف ذلك يا من جئتني في المنام…ويا عالي المقام؟ قال إقرأ ما هو آت… سأفعل ما فعلته بالهيئات…وما قررته للقضاة …وهيهات هيهات أن يفلت الطبوبي والقيادات، مما قررت وما هو آت…سأريهم الويلات…وسيعيشون الغصرات تلو الغصرات…وسيعانون من الغثيان…وانحباس البول…وكثرة الضراط…
كيف ذلك يا صاحب المقامات…أستعلن حلّ جميع النقابات؟ أستتعامل مع بقية الاتحادات وتفرض التعددية في كل النقابات بجميع القطاعات؟ قال: لا لا…لن أرضخ لما يطلبون…ولن ادعهم يضربون…ولن أقبل بما يقترحون…وسأعرف كيف اجعلهم ينضبطون لما أريد وسيقبلون بما كانوا له يرفضون…
وماذا عن الاستفتاء يا عالي المقام…يا من جاءني دون موعد في المنام…قال…يا أتباعي…وأبناء ديني ومذهبي ويقيني…أنتم تعلمون كم جبت طولا وعرضا… البلاد…وكم التقيت من العباد…وكم عانيت من هذا الجهاد…وكم حاولت أن أهرب من أعين الأوغاد…وكم دخنت من سجائر تحرق الأكباد فأنا لست من هواة “الشيشة والجبّاد”…أتعلمون أني جئتكم فقط من أجل إعادة الأمجاد…لكم وللبلاد…فلم تخافونني وتتهمونني بالاستبداد…أنا يا أتباعي مبعوث من السماء…كأني ذلك الغيث الذي ينزل على أرض بلا ماء…ألم تكثروا قبل مجيئي الدعاء…ألم تصلوا صلاة الاستخارة فأعلنت عليكم الاستشارة…ألا يمكن أن يكون ربّي وربّكم استجاب لما طلبتم…وحقّق لكم ما رغبتم…ألا يمكن أن أكون أنا الدواء …بعد كل ما عشتموه من عناء…وشقاء…
يا أتباعي، وأنصاري…أتعلمون أن هذه البلاد لي مدينة…ولمشيئتي سجينة…وأن اصواتكم لما أريده رهينة…ألم أخلصكم من الأوغاد…دون أن ألزمكم بالجهاد…ألم أجلب لكم التلاقيح…يوم ترككم الشيخ ومن معه في عداد “التلاويح”…فكيف ترفضون تعليماتي…ولا تقبلون بقراراتي…ألم أعدكم بدستور جديد… وعهد مجيد…سعيد…وحكم لازدهاركم يعيد…فكيف تتهموني بالاستبداد…وأنا من خدم البلاد والعباد…يا اتباعي لا تستمعوا للأصوات الكاذبة…ولا تنتبهوا للمسيرات الصاخبة…ولا تأخذوا بنصائح من لا يمتلكون نظرة ثاقبة…فتندمون يوم العاقبة…يا أنصاري لا تلتفتوا إلى الأشرار ومن ينتحلون صفة الثوار…ومن يعارضونني ليلا نهار…ومن يتمنون لكم الخراب والدمار…ومن يستقوون بقوى الاستعمار…ومن ينصحونكم بالاستنفار…ومن يسيئون للأجوار…ومن يرسلون إلى أعداء البلاد مكاتيب الاستنكار…يا أتباعي أدعوكم للاستغفار…فنحن وجدنا البلاد في حالة خراب ودمار…وأنتم الشعب الذي يجب أن يختار…بين الاستقرار معي أو الاندثار مع الاشرار…
أتباعي الاعزاء، إذا حل يوم الاستفتاء، وقد عرفتم اليوم من جاءكم بالبلاء والوباء، وعرفتم من أنجدكم بالدواء وجاءكم بالشفاء، أنا أم من كنتم معهم تعساء؟ لا تنسوني من اصواتكم…وصوّتوا لي دون حساب، فأنا من أنقذكم من جور واستبداد الأحزاب…”
هكذا كما جاءني غاب…وعن أسئلتي أجاب…قمت من نومي مذعورا…أطلب النجدة من الأجوار ونطقت طويلا لفظ الاستغفار…يا ويلتي كنت مع مولانا…والناس نيام…فهل أنا في يقظة أم في منام…وهل كل ما عشته كان فقط…مجرّد أحلام…أم كانت حقيقة والسلام…
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.
في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…
عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟
في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…
مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…
تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…
اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…
إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…
قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…
الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟
موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…
قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …
كنتُ بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مقالي الأسبوعي في جلنار، حين بلغ مسامعي صراخ وألم ووجع عائلات من قضَوْا تحت أكوام حجارة سور معهد المزونة، رحمهم الله.
تمرّد القلم بين أصابعي، ورفض إتمام ما بدأه والانصياع لأوامري، وما أكتب، معلنًا الحداد على من ماتوا، ووُئدت أحلامهم تحت حجارة سور جريح ينزف دم سنوات الإهمال والتخلي.
سور أصابته لعنة “باركينسون” تشريعاتنا المهترئة، فارتعش وجعًا. سور لم يرأف بحاله أحد من القائمين على شؤون ترميمه، وترميم ما يحيط به. سور سال دم جراحه، وأسال دم من مرّوا بجانبه وأمّنوه على أرواحهم. سور توجّع وتألم طويلًا، وبكى… ولم يسمع بكاءه أحد، حتى أبكى أمهات بعض من اعتادوا المرور بجانبه… سور تآكل، وبانت عورته، فغضب وانهار على من كانوا يمرّون بجانبه، يتكئون عليه، ويستظلون به من غضب الشمس وثورة الأحوال الجوية، وهم في طريقهم لطلب العلم.
الغريب ما قرأته بعد الفاجعة، وما سمعته من صراخ من خرجوا يهددون بالويل والثبور وعظائم الأمور. أغلب من خرجوا علينا يولولون، يطالبون بمحاسبة من تسبب في الفاجعة، ويطالبون بتحميل المسؤولية لكل من قصّر في أداء واجبه أو غفل عنه.
هكذا نقفز على كل وجع ومأساة، لنواصل الدعوة إلى الانتقام من كل ما سبق، ومن كل من سبقونا في تحمّل مسؤولية خدمة هذا الشعب… هل يجب أن ننتقم ونثأر بعد كل فاجعة أو فشل ممن سبقونا في تسيير شؤون مؤسسات البلاد؟ هل يجب أن نشيْطن كل من سبقونا في خدمة الوطن بعد كل وجع يشعر به جسد هذه الأمة؟ ألا يجدر بنا أن نعتبر مما حدث، ونبدأ بإصلاح حالنا وأحوالنا؟
أتساءل: ألا يتساءل أحدكم لماذا كل هذا العزوف عن تحمّل المسؤولية؟ أليس للفصل السادس والتسعين من المجلة الجزائية دور كبير في هذا العزوف، الذي أفرغ مؤسساتنا من كفاءات كنّا نفاخر بها، ونطمئن بوجودها على حالنا وحال مؤسساتنا وحال البلاد؟ ثم، أليس للفصل الرابع والعشرين من المرسوم عدد 54 نصيب مما نحن فيه، ومما عشناه ونعيشه؟ فمن كان يرى في السور عيبًا وخطرًا، لن يكتب عن الأمر، ولن يُنبّه لخطورته، خوفًا من أن يُتهم بنشر أخبار زائفة وإشاعات كاذبة…
ألم نغرق اليوم في وحل الفصل السادس والتسعين، ورعب المرسوم الرابع والخمسين؟ لماذا تنشر تشريعاتنا وبعض قوانيننا الخوف والرعب في نفوس كفاءاتنا، ومن يملكون القدرة على تحسين أوضاعنا؟ أيمكن للأمم أن ترتقي وهي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب من قوانينها؟ كيف نطلب من بعضنا خدمة الوطن وهم يعيشون رعب القانون، ورعب الحقد، ودعوات الإقصاء والثأر والانتقام من كل قديم، وكل مخالف في الرأي، وكل من لا يعلن لنا البيعة، ولا يقف صارخًا “مزغردًا”، مصفقًا لأخطائنا، ملمّعًا لفشلنا، داعيًا لنا بطول العمر وجزيل الثواب؟
يا من تستمتعون بوجع خصومكم، ومن لا تتفقون معهم، ومن تركوا أثرًا طيبًا وانتصروا عليكم بما حققوه وأنجزوه…الوطن أمانة بين أيادينا جميعًا، فجنّبوه الفتنة، وجنّبوه الأحقاد، وحافظوا على سور الوطن…ولا تخربوا سقفه، فإن انهار سقف الوطن، فنحن، نحن الشعب، من سيدفع الثمن… نعم… نحن الشعب من سيدفع الثمن.