تابعنا على

جور نار

بعد عودة القروي إلى السجن: هل يريد ساكن قرطاج تفجير كتلة قلب تونس؟؟

… و هل تعيش البلاد حرب استنزاف سياسية بين القصور؟؟

نشرت

في

الآن و قد عاد نبيل القروي إلى السجن لفترة قد تكون وجيزة، بحجة إساءة تفعيل أحد فصول المجلة الجزائية، أو لفترة قد تطول إلى أجل غير مسمى لأسباب لا يعلمها الجميع، فما الذي سيحدث في المشهد السياسي؟؟ و هل يمكن فعلا اعتبار عودة القروي إلى السجن بمثابة الزلزال السياسي الذي قد يخلط كل الأوراق و ربما يعيدنا إلى مربّع لم نكن نريد العودة إليه؟؟ لن نبحث في حيثيات التهمة الموجّهة لنبيل القروي فالأمر من اختصاص القضاء لكن سنبحث عن تبعات هذا الإيقاف على مشهد سياسي يعيش على أرض رخوة منذ انتخابات 2019…

أين ساكن قرطاج مما وقع؟

محمد الأطرش Mohamed Alatrash
محمد الأطرش

يشتمُّ بعضهم رائحة ساكن قرطاج في ما وقع للقروي لكن هل يمكن فعلا لساكن قرطاج أن يتدخّل في إجراء قضائي كالذي حدث لغريمه؟ و ما فائدة ذلك إن تمّ فعلا؟؟ جميعنا يعلم أن ساكن قرطاج خسر معركة القصبة بعد أن افتكت منه النهضة و من معها من اختاره للجلوس على كرسي القصبة، فساكن قرطاج خرج على الجميع نافخا صدره متباهيا باختياره لرجل اعتبره إلى حدود بعض السويعات قبل الإعلان عن تشكيلة حكومته الرجل الأمين و الوفي، ثم حين عرف أن من اختاره اختار الابتعاد عن ظلّه ليستظل بظلّ الأحزاب أعلن عليه و على الأحزاب حربا قد تطول رحاها إلى آخر هذه العهدة السياسية، إن لم يقع فضّ الاشتباك بحلّ المجلس…فما الذي جعل البعض إذن يشتَمُّ رائحة قرطاج في ما جرى للقروي؟؟ أخطاء ساكن القصر و عدم قراءته لأبسط جزئيات نشاطه و تبعاتها هي من أوقعت به في دائرة الشكّ عند بعض الملاحظين و المتابعين للشأن السياسي بالبلاد، فمجرّد لقاء محمد عبو أحد أكثر الرافضين لنبيل القروي و حزبه وأحد أكبر الرافعين للواء مقاومة الفساد ساعات قبل إصدار بطاقة الإيداع للقروي يعتبر خطأ اتصاليا غير مدروس و غير محمود العواقب، في شكله و في محتواه، لكن يمكن أن يعتبره البعض أيضا دليلا على أن ساكن قرطاج لا يعلم بما سيقع للقروي، فلو كان على بينة مما سيقع للقروي لأجَلَ لقاء عبو إلى موعد لاحق تجنبا للشبهات… فما حقيقة لقاء عبو بساكن قرطاج يا ترى…هل ذهب لمدّ الرئيس ببعض ملفات فساد لضرب بعض خصومه أو بعض من كانوا سببا في خروجه المذلّ من حكومة الفخفاخ أم ذهب فقط لغاية لا نعلمها و لهدف لا يعلمه غير ساكن قرطاج؟ فالرجل لم يعد له أي دور في الحياة السياسية و أعلن انسحابه منها فهل أصبح اليوم يلعب دور الوسيط في بعض القضايا؟؟ أم أصبح مُخْبرا عالي المقام برتبة وزير “مطرود”؟؟… و ما حقيقة بعض الأخبار التي تقول إن ساكن قرطاج قد يكون التقى بعض الأطراف الأخرى التي لها علاقة مباشرة بملف نبيل القروي و إنه على علم بما سيقع له ؟؟

و يشتَمُّ البعض الآخر رائحة ساكن قرطاج في ما وقع لرئيس قلب تونس بسبب موقفه من مبادرة الاتحاد أيضا، و قد سبق أن عبر سعيد عن رفضه الجلوس حول طاولة الحوار مع من أسماهم بــ”الفاسدين” و جميعنا يعلم أنه يقصد قلب تونس و رئيسه بما قاله، فهل وصل الأمر بساكن قرطاج إلى البحث عن طريقة يُبعد بها حجر العثرة أمام تبنيه لمبادرة الاتحاد؟؟ هذا ما عبّر عنه بعض الفاعلين في المشهد السياسي مباشرة بعد إيقاف نبيل القروي، خاصة أن الجميع على علم بأن التيار الديمقراطي و حركة الشعب يؤيدان مبادرة الاتحاد على أن يكون ساكن قرطاج راعيا لها و حاضنها الأول. و قد يكون عرض الاتحاد لمبادرته على ساكن باردو و استجداؤه العلني لرئيس المجلس لتبنيها و إعلان المجلس حاضنا لها سببا في غضب ساكن قرطاج و إرباكه. فإشراف مجلس النواب على الحوار الوطني، سيخرج ساكن قرطاج نهائيا من المشهد، و سيفقده زمام المبادرة نهائيا، وفرصة العودة إلى صدارة القرار السياسي في البلاد… هذا ما دار في خلد بعض الفاعلين الكبار في مشهد سياسي متأزم و قابل في كل لحظة للانفجار، فهم يعلمون بأن ساكن قرطاج لن يهدأ قبل استعادة ما افتكّ منه، فوضع يده على القصبة سيكون هدفه الأكبر خلال قادم الأشهر، و قد يعمل أيضا على عدم استئثار ساكن باردو بأية مبادرة للخروج من الأزمة دون أن يكون هو راعيها و حاضنها الأول و الأكبر لكن بشروطه …خلاصة ما قد يضمره ساكن قرطاج ” لن تخرجوا من الأزمة دون رعايتي و دون اشرافي على ما تفعلون و بشروطي”…إذن لا أمل في مبادرة لا يكون ساكن قرطاج حاضنا و مشرفا عليها بشروطه، و قد يعمل على وأد كل المبادرات التي قد تضمن لهذه الحكومة و التحالف الداعم لها البقاء طويلا على كراسيهم. و قد يكون ما وقع للقروي إحدى آليات إرباك جسد خصوم ساكن قرطاج السياسي و قد يكون ما وقع للقروي صاروخا أطلقته منصات ساكن قرطاج بهدف خلط الأوراق من جديد و إعادة الإبن الضال إلى حضن والده…و إلغاء كل احتمال لتبني رئيس مجلس باردو مبادرة الحوار الوطني التي حوّل وجهتها الطبوبي من قصر قرطاج إلى باردو بعد أن شعر بلامبالاة ساكن القصر الأكبر…

هل يقع خلط الأوراق من جديد في قادم الأيام؟؟

لسائل أن يسأل هل أن مجرّد إيقاف نبيل القروي سيلغي حجم حزبه السياسي في المشهد؟؟ و هل سيتسبب في انفجار الحزام السياسي لرئيس الحكومة ؟؟ و هل يكون هذا هو الهدف الأكبر وراء إيقاف نبيل القروي؟؟ كما أن البعض يتساءل هل أن المشيشي على علم بما وقع قبل وقوعه، خاصة أن تبعات ما وقع قد تذهب بحكومة المشيشي و تعيد خلط الأوراق من جديد، فالكتلة النيابية خرجت لتُطَمئن المشيشي على أنها ستواصل دعمها و وقوفها خلف حكومته دون أن نستمع لموقف واحد من هذا الأخير حول ما وقع…و دون أن تنتظر موقفا داعما لرئيسها من ساكن القصبة و كأني بالمشيشي لا يبالي بسقوط حزامه السياسي أو تفجيره.

يؤكّد تمسك كتلة قلب تونس بمواصلة دعم حكومة المشيشي إدراك نوابها لخطورة ما جرى عليها، و على تماسكها و على حزب قلب تونس عموما … فهم يعلمون أن جرحى حكومة الفخفاخ تأبطوا شرا بحكومة المشيشي و حزامها السياسي، و يعلمون جيدا أن الحرب ستكون على أشدّها بين من كانوا يمثلون نواة حكومة الفخفاخ (التيار الديمقراطي و حركة الشعب) و حكومة المشيشي بحزامها السياسي و البرلماني الحالي، فهؤلاء يعلمون جيدا أن قلب تونس هو من كان سببا وراء كل ما جرى لحكومة الفخفاخ، لذلك خيّروا التريّث في التعامل مع ما وقع و انتظار تطورات القضية في الأيام القادمة.

فنواب كتلة قلب تونس يعلمون أن الكتلة الديمقراطية  لن تنضمّ أبدا للحزام السياسي لحكومة المشيشي و لن تنجح في ذلك قبل إبعاد قلب تونس من الحزام، و كتلة الدستوري الحر لن تغامر بذلك أيضا حتى و إن خرجت النهضة من الحزام، و أن حكومة المشيشي قد تسقط في أول امتحان لها دون دعم نواب كتلة قلب تونس، و قد يكون هذا ما يبحث عنه خصومها من “جرحى” حكومة الفخفاخ و ساكن قرطاج في صورة عدم تمكنهم من إعادة المشيشي إلى حضن ساكن قرطاج، كما يدركون خطورة التخلي عن دعم هذه الحكومة على مستقبل الحزب و مستقبل نواب الكتلة في قادم الأشهر…خلاصة موقف كتلة قلب تونس سحب للبساط من تحت أقدام الراغبين في تفجيرها لغاية خلط الأوراق من جديد لصالح بعض الأطراف الأخرى، و قد يكون ساكن قرطاج أحد أهمّ أطرافها، و قد يكون محمّد عبّو أحد أهم مهندسي هذا الخلط المرتقب في صورة النجاح في إبعاد كتلة قلب تونس عن التواجد ضمن الحزام السياسي لحكومة المشيشي.

نواب كتلة قلب تونس و أطماع البعض؟؟

أسعدت بطاقة إيداع نبيل القروي بعض الساكنين تحت قبّة مجلس باردو و خارجه و أغضبت البعض الآخر، فبعض الأطراف خارج المجلس و بعض النواب المستقلين أو من الذين استقلوا عن أحزابهم بعد فوزهم بمقاعد تحت قبة باردو يبحثون عن بعث ثقل سياسي تحت قبّة باردو من خلال مضاعفة حجم كتلهم، و يأملون دعمها خلال قادم الأيام ببعض نواب كتلة قلب تونس لذلك هم يعملون جدّيا على تفجير هذه الأخيرة ليستأثروا بنصيب الأسد من نوابها، و ليكونوا جزءا من الحزام الداعم لحكومة المشيشي عوضا عنها و جزءا من سلطة القرار في البلاد، فالجميع يبحث عن تواجد هام بهذا الحزام لضمان العديد من المكاسب على مستوى التعيينات في مفاصل الدولة و ضمان وصول آمن للموعد الانتخابي القادم.

النهضة و الخوف على موقعها في الحكم و مصير رئيسها…

لسائل أن يسأل ما دخل النهضة في ما يجري، و هل لغياب كتلة قلب تونس لو اختلطت الأوراق و انفجرت الكتلة، التأثير الكبير على حركة النهضة و حجمها بالبرلمان؟؟ نعم سيكون التأثير كبيرا و سيكون خطيرا على كرسي رئاسة المجلس…فالنهضة لن تستفيد أبدا من انفجار كتلة قلب تونس، و لن تتمكن من الحفاظ على كرسي رئاسة المجلس دون دعم الحزام الحالي لحكومة المشيشي، فانقلاب المشهد البرلماني و خسارة الأغلبية الداعمة للمشيشي و لرئيس المجلس سيقلب المشهد رأسا على عقب و قد يعود الحديث عن حلّ المجلس إلى صدارة عناوين الصحف و أخبار القنوات و نقاشات منابر الحوارات… لذلك لن تغامر كتلة النهضة أبدا بالخروج عن دائرة الحكم و لن تنسحب من الحزام البرلماني و السياسي لرئيس الحكومة فهذا الحزام هو أيضا حزام الأمان لموقع رئيسها في رئاسة المجلس؟ و قد يسعى  المشيشي في قادم الأيام إلى ضمان دعمها من خلال تحقيق بعض مطالبها و تعيين مرشحيها على رأس بعض مفاصل الدولة جهويا و محليا، و ربما ضمن تشكيلته الحكومية المنتظر تحويرها في قادم الأسابيع بغاية الحفاظ على كرسي القصبة و قطع الطريق نهائيا أمام أطماع ساكن قرطاج في إعادته إلى حضنه. خلاصة القول لن تقبل النهضة بانفجار كتلة قلب تونس دون ضمانات بالإبقاء على شيخها جالسا على كرسي رئاسة المجلس كلفها ذلك ما كلّفها، لأن في ذلك خسارتها لمكانتها و موقعها في الحكم، و خسارتها لرمزية شيخها في رئاسة المجلس و إسقاطات ذلك على قادم المحطّات الانتخابية… فالواضح أن ما وقع و يقع لا يخرج عن نطاق الحرب الدائرة بين القصرين، و جرحى حكومة الفخفاخ يبحثون عن أمر يُرغم المشيشي و يدفعه إلى العودة إلى حضن ساكن قرطاج من خلال تفجير كتلة قلب تونس، و إرغام النهضة و بقية الحزام الداعم للمشيشي دون قلب تونس و دون ائتلاف الكرامة على التعامل من جديد مع التيار و حركة الشعب و محاولة إيجاد أرضية توافق جديدة بدعم و مساندة من ساكن ساحة محمد علي و ذلك من خلال تبني مبادرته للحوار الوطني…و تعيينه في موقع متقدّم مع المشرفين عليها…

خلاصة ما يجري…

من الواضح اليوم أن ساكن قرطاج بدأ في تحريك منصات صواريخه نحو خصومه…و من الواضح أن كتلة قلب تونس تفطنت لما يخطّط له هذا الأخير صحبة جرحى حكومة الفخفاخ فخيّرت التعامل بلامبالاة مع ما وقع لرئيس حزبها في انتظار ما قد تشهده الساحة السياسية في قادم الأسابيع. و الأكيد أن ساكن قرطاج لم يقرأ حسابا للعداء الكبير الذي أصبح عنوان العلاقة بين من خيروا البقاء في حضنه (التيار و حركة الشعب) و بقية الأحزاب الممثلة تحت قبة باردو فمحمد عبو و من معه أعلنوا الحرب على كل من صوتوا لحكومة المشيشي و أغرقوا المشهد الإعلامي بالأخبار المفبركة و الإشاعات التي لا أساس لها من الصحة و لم يتركوا بابا واحدا مفتوحا للمصالحة، كما لم يقرأ حسابا لتجربة الغنوشي خلال العهدة السياسية الماضية فالشيخ تعلّم عن ساكن قرطاج السابق كيف يناور و كيف يعبر حقل الألغام التي زرعت في طريقه، و الغنوشي يدرك أن ضربه و ضرب حركة النهضة و إرغامه على الرضوخ لما يريده ساكن قرطاج، يمرّ عبر ضرب قلب تونس و كتلته، فإضعاف الحزام السياسي الداعم لحكومة المشيشي هو الحلّ الوحيد أمام ساكن قرطاج لتحويل وجهة المشيشي من جديد و إرغامه على العودة إلى حضنه “ذليلا”…و هذا ما يفسّر موقف كتلة قلب تونس و خيارها التريّث و عدم التسرّع في أخذ موقف متهوّر و معاد لحكومة المشيشي من خلال إعلانها البقاء ضمن مكونات الحزام السياسي لهذه الحكومة و مواصلة دعمها …و قد يكون للقاء بعض نواب كتلة قلب تونس ببعض قيادات حركة النهضة بعد إعلان إصدار بطاقة الإيداع في حقّ نبيل القروي الدور الكبير في كبح جماح غضب كتلة القروي… فهل فشلت صواريخ ساكن قرطاج في الوصول إلى أهدافها المعلنة و غير المعلنة، أم أن بطاريات الصواريخ المضادة التي سلمتها النهضة لكتلة قلب تونس كانت أكثر دقّة من صواريخه…و السؤال اليوم هل يطلق ساكن قرطاج دفعة جديدة من صواريخه العابرة للقصور على أهداف أخرى في قادم الأيام، أم يترك الأمر في يد وحداته الخاصة بقيادة محمد عبو و من معه، فهؤلاء يتقنون جيدا القصف العشوائي…؟؟؟

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

الدنيا ليست بخير كما يزعمون…

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

سؤال يقلق راحتي: لماذا يحنّ أغلبنا إلى الماضي…؟؟ لماذا حاضرنا أصبح ثقيلا لا يطاق…؟؟ ولماذا نخاف المستقبل أيضا؟؟ والإجابة في غاية البساطة…

هل نحن اليوم ما كنّا عليه وفيه سابقا؟؟ لا…هل قبلنا ببعضنا البعض رغم اختلافنا؟؟ لا… هل اعترفنا بما أتيناه من أخطاء في حقّ بعضنا البعض؟؟ لا… هل قمنا بمراجعات في ما أخطأنا فيه وطلبنا الاعتذار ممن أخطأنا في حقّهم؟؟ لا…هل أصبحنا اليوم نقبل بأن يكون بعضنا أفضل منّا وأرفع درجة؟؟ لا… هل أصبحنا كما كنّا نسبيا سابقا نسعد لسعادة بعضنا؟؟ لا… هل نحزن لوجع بعضنا أو خصومنا إن نزلت بساحتهم مصيبة؟؟ لا…هل نتضامن مع المظلوم وأن كان خصمنا ونختلف معه؟؟ لا…هل نتمنى السلامة لمن نختلف معهم وننافسهم في شأن من شؤون الحياة؟؟ لا…إذن نحن لسنا نحن … ولا يمكن أن نكون نحن؟؟ فهل الدنيا اليوم بخير كما يزعم بعضهم ويفاخرون؟؟ لا ليست بخير أبدا…

فكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يُظلم ونحن لا نحرّك ساكنا وحتى السنتنا أصابها شلل الجبن والخوف من أن يقع معنا ما وقع معهم…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والعاطل لا يزال عاطلا والفقير لا يزال يئن تحت ثقل معاناة الفقر…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ونحن فرّطنا في ثقافة العمل ولا عاد يهمّنا أي شأن من شؤون البلاد…؟؟وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعض مرضانا لا يجدون في صيدلياتنا الدواء…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وكفاءاتنا تغادر البلاد بالآلاف؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ولا يزال بعضنا يكذب على بعضنا؟؟

وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يهتك عرض بعضنا ظلما وعدوانا؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يكره بعضنا دون سبب فقط لأنه ليس من القطيع؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يتّهم بعضنا فقط لأنه يختلف عنه ؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يضمر لبعضنا شرا فقط لأنه لا يتفق معه في بعض شؤون الوطن؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يختلق الأكاذيب على بعضنا فقط لأنه كان أجدر منه بالمقام والمكانة؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والنفاق أصبح جزءا من الهواءالذي نتنفس؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا لا همّ له غير الانتقام ممن سبقوه ؟؟؟ وكيف يمكن ان تكون الدنيا بخير وأغلبنا ممن لم يحترفوا التصفيق والهتاف يعيشون القلق والخوف والاحباط والياس؟؟

فهل أصبح شعبنا غير قادر على النسيان…غير قادر على المصالحة…غير قادر على تغليب خطاب التسامح…غير قادر على العيش مختلفا…وغير قادر على الحب…هل أصبح التسامح والحبّ للجبناء …وأصبح الحقد والانتقام للشجعان؟؟؟

هل يعلم بعض هذا الشعب أن الدنيا ليست بخير كما يزعمون…فإن كانوا يعلمون ويتظاهرون بأنهم لا يعلمون فهذه كارثة…وإن كانوا يعلمون ولا يهمّهم ما يعلمون فتلك مصيبة المصائب…

أكمل القراءة

جور نار

ملاّ ليلة كلبة!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

عشت البارحة خصومة طويلة مع النوم، ولم أنجح في مراودته للبقاء معي حتى سويعات الفجر الأولى… خرجت أمام المنزل بحثا عن نسمات صيفية تُصالح بيني وبين النوم فلم أجدها…

سمعت حشرجة قرب السور الخارجي للمنزل لم أعهدها سابقا، فاقتربت من مصدرها لأعرف مَن هناك، وكأني بقطة وكلب يتهامسان ويتحاوران في مشهد لم أعشه سابقا أبدا، فبين القطط والكلاب معارك دامية عشتها في منزلي السابق وكنت شاهدا على العديد من الأحداث بينها ونجحت في الكثير من الأحيان في رأب الصدع بين الفصيلين، وأجبرتهما على الهدنة والمصالحة الشاملة وتقاسم الموارد من سكن وغذاء، لكن أن يصل الأمر أن أجدهما في جلسة ودية أو ما شابه خلف السور الخارجي للمنزل فهذا أمر أول مرّة أعيشه، يذكرني هذا المشهد بالتوافق الذي عاشته تونس أيام الباجي رحمه الله والنهضة وقياداتها…

جلست غير بعيد عنهما لأستمع إلى ما يدور بينهما من حديث… فالقطّة الرقطاء هي قطة الكوني ابن عمتي أما الكلب فهو من الكلاب الضالة والسائبة  ولم أعرف أن بين قطة الكوني وهذا الكلب علاقة وديّة كالتي أعيش بعض أحداثها “هل أذنبنا في حقّهم يا صديقتي …لم كل هذا الحقد علينا…؟؟؟” هكذا قال الكلب مخاطبا القطّة…”هذا ويحاولون ايهامنا بأنهم سيعاملوننا حسب تعاليم الإسلام وما تركته السنّة…أي دين هذا الذي يأمرهم بمنع الغذاء عنّا؟ أيريدون قتلنا وابادتنا؟؟ هل تآمرنا عليهم؟؟ هل أضربنا عن القيام بواجباتنا؟؟ هل زاحمناهم في المناصب والمكاسب والوظائف العليا؟؟ هل أفسدنا في الأرض؟؟ نحن لم نسرق ولم ننهب ولم نظلم أحدا في حياتنا من البشر فلم كل هذا الحقد علينا؟؟؟” هكذا أجابت قطّة الكوني…

نظر إليها الكلب وقال “أتذكرين مواقفنا قبل 14 جانفي؟ ألم نبق على الحياد وحاولنا مساعدة الجميع على التعامل بهدوء مع ما وقع من أحداث؟ ألم نحرس ديارهم لأشهر طويلة حين كان الانفلات عنوان المرحلة؟؟ ألم تنقذ الكلاب الآلاف من المنازل من السرقة ؟؟ لماذا يعاملوننا هكذا ونحن الذين مات منّا الآلاف ولم نخرج حتى لنندّد بالأمر كما هم فعلوا ويفعلون، ألم يسجلوا بعض قتلاهم ضمن قائمة الشهداء وكأنّ الله لا يعلم شيئا عن الشهداء الحقّ وشهداء الفضاءات التجارية الكبرى؟؟ أمَسَكوا قطا او كلبا وهو يقنص من أعلى عمارات السكن؟؟؟”

ضحكت القطّة وقالت “نحن مختلفون عنهم يا صديقي… هم يحقدون على بعضهم البعض… هم يبحثون عن السلطة… جميعهم يريدون حكم البلاد فتراهم كأحزاب يخطبون ودّ الشعب بوعود وبرامج سياسية لا يحققون منها شيئا… ويوهمون الشعب بنجاحات وانجازات لم يحققوها… أنحن مثلهم؟؟ لا… نحن لم نبحث يوما عن سلطة أو جاه أو حكم… نحن لا أحد منا يخون الآخر… ولا أحد منّا يحقد على الآخر… ولا أحد منّا يعتدي على أملاك الآخر… هل سمعت يوما في صحفهم عن اتهام قطّ أو كلب بالفساد وتبييض الأموال ؟؟؟ لا أبدا ولن تسمع بالأمر أبدا…وهل سمعت يوما في نشرة أخبارهم التلفزية عن اغتصاب كلب لقطّة؟؟ لا لن تقرأ ذلك في صحفهم… فأخلاقنا ليست كأخلاق بعضهم… وعاداتنا ليست كعادات بعضهم… هم يشربون الخمر ويعودون إلى ديارهم يتمايلون ونحن لا نتمايل إلا حين يسممون أكلنا ظلما وعدوانا للتخلّص منّا”

نظر إليها الكلب ونبح صارخا في وجه كلب آخر اقترب منهما (كأنه يقول له روح لداركم ما الذي أتى بك هنا ؟؟؟) ونهره وأبعده عنهما ثم قال ملتفتا إلى القطّة الرقطاء: “أولا نحن لم يقبلوا بنا بينهم فكيف تريد منّا أن نطمح لسلطة أو حكم أو حتى للمشاركة في انتخابات ديمقراطية نزيهة وشفافة…” هنا قاطعته قطّة الكوني ابن عمّتي وقالت “نزيهة؟… أتقصد نزيهة صاحبة منزلنا سابقا محلاااااها تعطيني في السردينة كل يوم؟؟” نظر إليها الكلب غاضبا وقال ” أنت كصاحبك الكوني ساذجة وغبية… نزيهة من النزاهة أقصد وماذا تعرفين انت عن النزاهة؟؟” وأضاف قائلا “أتركيني أكمل كلامي ثم قولي ما تريدين يا حمقاء!!!… نحن لم نطلب يوما أن نكون ضمن الناخبين ولا ضمن المترشحين… أنا مثلا يا عزيزتي (هنا همست القطة قائلة: عزيزتي  منذ متى أنا عزيزتك يا كلب يا زوفري؟!…) لم أرغب يوما في شيء منهم غير مساعدتنا على تأمين الغذاء والسكن وهي اتفاقية قديمة بيننا منذ آلاف السنين…فأنا لست مثل بعضهم أبدا ولن أكون… أنا كلب طيب ومواطن صالح وشريف لم أسرق أو أنهب ولم أعضّ أو أظلم أحدا في حياتي… وأنا كلب ملتزم ومنضبط في شغلي وأعرف ربنا… فلمَ يخرج علينا أئمّتهم يهددوننا بالويل والثبور ويفتون بمنعنا من الأكل والماء؟ أهذا من الحقّ بشيء يا قطّتي العزيزة؟…”

هنا نظرت إليه القطّة وهي في حالة هستيرية وقالت صارخة: “أولا لست قطّتك و(يكب سعدك)… ثانيا أنت تكذب، أنت أكبر عضّاض في الحيّ… لكن أنا متعلمة ومثقّفة وأعشق بلادي وأحب أهلها ولا ولن أخون وطني اأدا ولن أكون من الوشاة لأخبر عنك وعن أفعالك يا (بوناب) وتقصد ان للكلب نابا طويلا خارجا عن الصفّ…” ثم ضحكت ونظرت في اتجاهي وقالت “كيف حالك عمّي…؟؟؟” نظرت إليها ضاحكا وقلت “عمّك … منين يا كبدي ؟؟؟” ضحكت ونظرت إلي وقالت “أتعرف يا ابن خال الكوني أني أنا القطّة الرقطاء ورغم أنى لست مشهورة أو شخصية عامة لكني والحمد لله وطنية وواعِية بكل ما يدور حولي. ولم أكن سلبية أو عميلة أو خائنة أبدا في حياتي… شاركت في العديد من المظاهرات في عهد المغفور له بن علي وحتى في عهد الترويكا وتوافق الباجي مع الغنوشي… وتظاهرت ضد التعذيب والتزوير والفساد والتوريث والتمديد… لكن ذلك الكلب الضال لم يفعل ذلك أبدا… كان دائم البحث عن الأكل والنباح والصعلكة بين الأزقة ومراودة كلبة عمّ الصادق الحوانتي وكلبة جارنا الذي يعمل بأوروبا، تصوّر أن له من كلبة سائح إيطالي سبعة جراء تركها دون تأمين الغذاء في الخلاء فماتت من الجوع والبرد…أتعلم أيضا انه أكل من كل الصحون منذ عهد الأمين باي أصدقني القول وقد قلت ذلك للكوني ابن عمتك”

نظرت إليها وضحكت وقلت “لم أتحدث عنك مع الكوني أبدا”… اقترب الكلب منّي وقال “لا تصدقها يا صديقي أتعلم أني بعد نجاح الثورة اجتمعت أنا وبقية كلاب المدينة بعد أن عرفنا أن الأمور قد تتغيّر وأن الأمل قائم في دولة ديمقراطية يكون فيها للكلاب والقطط موطأ قدم، وقررنا أن نساعدكم أنتم البشر في دمقرطة البلاد والخروج بها مما كانت عليه… وقررنا أن نكون لكم عبرة وأسوة من خلال تنظيم حياتنا السياسية والاجتماعية ومشاركتكم صنع مجد هذه البلاد… وشخصيا استشرت اهلي وناسي وأصحابي من الكلاب طبعا، فنصحوني بترشيح نفسي في انتخابات مجلس حي للكلاب يكون نواة لحياة سياسية منظمة للكلاب والقطط بجميع أصنافها وطوائفها وعائلاتهم نجمع فيه شمل بعضنا البعض… ويكون لنا ممثلنا الرسمي لدى البشر لنطالب بحقوقنا كمخلوقات ذات كبد رطبة وأمم مثلكم، فأنا أحب الجميع قططا وكلابا وبشرا وحتى ثعابين لم لا؟ وأنا على يقين انهم أيضا يحبونني فأنا واحد منهم ومولود هنا بينهم، مشاكلهم هي مشاكلي وهمومهم هي همومي… أما عن مشاكل هذا الوطن فهي أيضا مشاكلي فأنا كلب ابن كلب وهنا ولدت وهنا أعيش وهنا أبقى لأموت، ولعلمك سيدي أنا أتابع اوضاع البلاد منذ أطردني جدي الكلب الأكبر ولي برامجي وأفكاري واضحة، وقادر على إيجاد الحلول الممكنة والواقعية لأغلب مشاكلنا جميعا…”

همست لي قطّة الكوني وقالت: “لا تصدقه صديقي فقد طالبناهم منذ أكثر من عشر سنوات نحن معشر القطط بأن ننظّم مؤتمرا وطنيا للمصالحة الشاملة خدمة للمصالح العليا للبلاد، فرفض وحاول فرض إرادته من خلال ميليشيات فايسبوكية تشتم وتهتك أعراضنا وأعراض عائلاتنا ونحن الليلة هنا لنتفق في أولويات المرحلة… فالمرحلة التي نعيشها وتهديدات المنع من الغذاء والإبادة التي تتهددنا والحملة التي تشنها بعض وسائل التواصل أرهقتنا وأجبرت العديد منّا للهروب إلى بعض المناطق المجاورة التي يطيب فيها العيش وتكثر فيها الفضلات المنزلية…

نظرت إلى القطة والكلب وقلت لهما: “من الأفضل أن تتصالحا فالتعايش هو الأمر الوحيد الذي سيخرجكما مما آلت إليه الأمور وقد تتعقّد أكثر لو اتفق عليكما الجميع ومنعوكم من الغذاء والماء وقد يمنعونكم إن واصلتم تعنتكم من الهبهبة للكلاب والمواء للقطط …” نظر إلي الكلب وقال بصوت عال” صاحبك كلب ابن كلب…سألتزم بما تريدون…” ونظرت إليّ القطة وأقصد قطّة الكوني ابن عمتي وقالت وهي تبكي “حسبي الله…حسبي الله…”….

شعرت باصطدام على جمجمتي كأنه مطرقة وسمعت صوت زوجتي وهي تقول : “تي قوم اشبيك راقد قدام الحوش… يخي ما تخافش مالهوش وشبيك تهبهب من بكري؟؟؟” وعرفت أني لم أكن كسليمان لأتحدث مع كلب وقطة ولم أجتمع أصلا بها … ولم أذكر مما دار بيني وبينهما إلا “كلب ابن كلب…وهب هب”…

ملا ليلة كلبة…

أكمل القراءة

جور نار

محمد الأطرش يعود: نحن… ولعنة “الخوف الديمقراطي”!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

التقيت صديقا من مشاكسي أيام زمان فاقترح علي مجالسته لبعض الوقت في أحد مقاهي المدينة فقبلت بالأمر… جلس وأشعل سيجارته وقال “حين تسأل اليوم من يعترضك من المارة أو أحد الأصدقاء كيف حالك؟؟ غالبا ما تكون الإجابة (الأمور ليست كما هي… جميعنا نعيش تحت غطاء الخوف)… تسأله مم الخوف؟ يجيبك (لا نعلم…)

هكذا جميعنا اليوم أو أغلبنا، هل ورثنا ثقافة الخوف عن أبائنا أم هي ثقافة كسبناها مما عشناه ونعيشه، ما رأيك يا صديقي في هذا الأمر؟؟” قلت: “في العهود التي مرّت بها البلاد وعشناها كنّا نخاف كل شيء، فحين كنّا صغارا كان خوفنا كبيرا من أمّنا ومن إخوتنا الكبار، وكنّا نعيش الرعب مع والدنا خوفا من عقاب شديد لا نعلم لماذا ومن فرضه علينا وبأي قانون وقع فرضه…ثم حين كبرنا وكان ذلك في عهد بورقيبة رحمه الله أصبح الخوف أوسع واشمل…وأخذ طابعا آخر فعشنا الخوف من مكاتب الشُعب ومن يعمل فيها ومن رئيسها فكان أغلبنا يمرّ أمام مكتب الشعبة مطأطئ الرأس صامتا يلقي التحيّة دون أن يلتفت إلى على من ألقى التحية… وقد يصل الخوف ببعضنا بأن يرفع عقيرته بالصراخ (نموت نموت ويحيا الوطن…) وقد يرفع عقيرته بالنشيد الوطني وكأنه في تحية العلم الصباحية،

كبرنا وبدأنا نفاخر ببعض الشعيرات التي غزت ذقوننا ولم يغادرنا الخوف بل أقسم أن لا يفارقنا ويتركنا في حالنا، فاصبحنا نخاف عون الأمن وأقاربه واصهاره ومن يجالسه…ثم عرفنا دور العمدة ومدى قربه من السلطة والحكم فأصبحنا نخافه ونخاف من يعمل معه ومن يجالسه ومن يرافقه ونخاف أهله وأصهاره وحتى أصدقاء صغاره…ولم تسلم المدرسة ومن يعمل فيها من خوفنا… فكنّا نخاف حين نمرّ أمام بوّاب المدرسة من وشاية تسبقنا إلى مدير المدرسة… معلمنا أيضا لم يسلم من خوفنا…فكنّا أيضا نخاف من وشاة القسم، فبعض من هم أقرب منّا إلى المعلم ويلاطفهم بتوصية من زميل له يعمل بالمدرسة التي لا تبعد عن مدرستنا كثيرا، كانوا يقرؤون في حصة القرآن “قل أعوذ برب الناس” ثم يذهبون ليوسوسوا في أذن المعلم عمّا يفعله بعضنا خارج القسم والمدرسة، فتنزل ببعضنا أشدّ العقوبات فيغلق في وجهنا مضيق هرمز… عفوا باب القسم فنمنع من الدخول…

هكذا كان لكل من مرّوا بحياتنا وشاة ينشرون الرعب والخوف… فمدير المدرسة وحارس المدرسة وبوابها… والأستاذ… وابن الأستاذ وابن أخت الأستاذ… والعمدة وجار العمدة وقوّاد العمدة… ومخبر قوّاد العمدة… والمعتمد وابن المعتمد… وصديقة ابن العمدة وابن المعتمد وابن شقيق الوالي وحارس الولاية وقوّاد الوالي ومن يجالسهم ومن يتعاملون معه في السرّ والعلن… جميعهم أذاقونا وجع الشكّ في القوادة فكنّا نخافهم بسبب ودون سبب ولا نعرف حتى لِمَ وجب علينا أن نخافهم ونخاف وشاتهم …ث

م كبرنا…وحين أصبحنا في عمر يسمح لنا بالوقوع في حبّ ابنة جارتنا فتحية أو زميلتنا في القسم كنّا نخاف أبناء الحي والأحياء المجاورة… فالوقوع في الحبّ ليس في متناول الجميع في أيامنا تلك… وابن الفقير لا يسمح له بالتقرّب من ابنة العمدة أو رئيس الشعبة أو ابنة مدير المدرسة وقد يعيش الرعب لو عاكس ابنة المعتمد أو ابنة رئيس مركز الشرطة، ففي أيامنا تلك حتى الوقوع في الحبّ بالأكتاف…فـــ”مها” لا يمكن لــ”خليفة” ان يقترب منها ويعاكسها… و”الشعلاء” أيضا فليس لها الحق في أن تعشق أو تعجب بــ”نوفل” و”كمال”… فـــ”نوفل” هو ابن المعتمد و”كمال” هو صاحبه ابن العمدة… لـ”خليفة” لالحقّ كاملا في معاكسة “برنية” و”أم الخير” لكن لا حقّ له في الاقتراب من “ابتسام”…فالاقتراب حينها يصبح سامّا وقد يعرّضه لعقوبات وتتبعات ومضايقات وملاحقات و”شفطات” وويل وثبور وعظائم أمور…

وهكذا كان أيضا عهد بن علي رحمه الله… فتواصلت معنا لعنة أو لنقل ثقافة الخوف … الخوف مما سبق الى ما لحق… فكنّا نخاف بن علي رحمه الله ومدير ديوانه وأعضاء ديوانه وأقاربهم وعائلاتهم وأصهارهم ومعارفهم ومن يجالسهم من له أرقام هواتفهم… كما عرفنا الخوف من كل الوزارات ومن يعمل فيها ومن يديرها ومن يدخلها ومن يجالس من فيها وعائلاتهم وأصهارهم وأبناء عمومتهم… ودبّ الخوف أيضا في قلوبنا من أعضاء مجلس النواب واللجنة المركزية والديوان السياسي وكل من له علاقة أو صلة بهم وبأحد أقاربهم وأتباعهم ومن يجالسهم ومن يصاهرهم ومن يعرف أرقام هواتفهم … دون أن ننسى خوفنا الدائم من الوالي والمعتمد الأول والمعتمد والعمدة وصديق العمدة وعمّ العمدة وخال زوجة العمدة وابن أخت العمدة وسائق الوالي والمعتمد والخ الخ الخ….

ثم وقع إضافة بند آخر في قائمة الرعب، فتوسعت القائمة لتشمل ليلى وأخواتها ومن يجالسها ومن يصاهرها ومن يعرف رقمها ورقم إخوتها… ثم سافر بن علي رحمه الله لأداء مناسك الحج والعمرة والموت في البقاع المقدسة… واستوطن التتار والمغول والفيكينغ أرضنا وجاء جنكيز خان على حصانه المخطط رافعا سيف العدالة والديمقراطية والحرية فلا خوف بعد اليوم لا من ليلى ولا من فتحية ولا حتى من “مولاة الخلة الخمرية”…فأصبح الخوف الديمقراطي أكبر واستوطنت الأحزاب التي خرجت علينا كالفقاقيع كل مقرّات المغفور له التجمّع الدستوري الديمقراطي… فأصبح الخوف ديمقراطيا شموليا… فالولد يخاف من أمه ومن والده ومن إخوته ومن جاره وأصهاره وأبناء عمومته ومن كلبه ومن قطته…

فخرج علينا اليسار يهددنا بالويل والثبور والكثير من الجاوي والبخور… وخرج علينا شيوخ الدين يولولون ويكفّرون ويهددون بجهنم وبئس المصير والمسير… ثم جاء بعض من هم في الاتحاد فأصبحنا جميعا في نظرهم من الأوغاد فخرّبوا الكثير من البناء وأرهقوا البلاد والعباد…فحلّ الرعب والخوف والاستبداد… وحكم بعض رجال الاتحاد البلاد … فأصبحنا جميعا نخاف الأمين العام والكاتب العام ورفيق الأمين العام وصديق الأمين العام وجار الأمين العام وابن عم الأمين العام ومن يجالس الأمين العام ومن يصاهر الكاتب العام وقوّاد الأمين العام… فقط السؤال اليوم هل لخوفنا هذا ما يبرره؟؟؟”

ثم نظرت إلى ساعتي فضحكت وسكتُّ…فقال صديقي لِم ضحكت ولم سكتَّ أكمل؟ قلتُ: الساعة الآن منتصف الليل يعني الساعة صفر وبلغتك أنت صديقي الساعة الصفر هي ذاتها الساعة الرابعة والعشرون وأنا وعدت زوجتي ألا أكون خارج المنزل بعد الساعة صفر… ضحك وقال: “الخوف يدير الجوف يا صاحبي …”

Motif étoiles

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار