يتم التحقيق هذه الأيام مع وزير و نائب و رجل أعمال و رئيس ناد رياضي … أربعة في واحد و كلها مشفوعة بنعت “السابق” في انتظار ما سيسفر عنه البحث، احتراما للقضاء و للشخص معا … و يبدو أن القضية قد تطال مواطنا رباعي الصفات هو الآخر و لكن من فئة مختلفة قليلا … و يمكن أن تتفرع إلى قضايا و وجوه أخرى و أسماء ما أكثر ما يقال عنها و فيها …
<strong>عبد القادر المقري<strong>
و في ذات الوقت، يوجد رهن الإيقاف مسؤولون في الجهات عن مقادير التعليم و الفلاحة … يعني أكثر وزاراتنا إنفاقا مع أكثرها إنتاجا … و قد لا تنتهي القصة هنا فمن أفسد وزارتين يمكن أن يفسد عشرة و عشرين، و من تلاعب بحقوق ولاية ما الذي يمنعه من نهش الأربع و العشرين كليّة؟ … قد يخرج الممسوكون حاليا أبرياء أو “مبرّئين” الله أعلم، و لكن الثابت أن ماليتنا العمومية و جسم البلاد بكامله تعرّضا طيلة العشرية الأخيرة إلى عمليات عضّ و سلخ بلا مثيل … و الدليل تراه بعينك و تلمسه بيدك و تسمعه زفرة حرّى من ملايين الرئات أينما ولّيت وجهك و صممت أذنيك عن فقهاء الانتخابات التي مضت …
الشامتون في تجدد نزول ترقيمنا السيادي مؤخرا إنما كانوا كمن يسعى إلى حتفه بظلفه … فقد كان ذلك أبلغ محاكمة لعشرية 2011 ـ 2021 لا للإثني عشر أسبوعا التي تلت 25 جويلية … و رغم كل الحيل و الطلاءات التي استُعملت فقد بات ميسورا التعرف على الجناة السياسيين ريثما نتوصل إلى جناة السجن و المشنقة … إذ أنه من فضائل نخبتنا اللصّة، أنها أخرجت كل ما جعبتها من فنون المكر و خفة الأصابع دفعة واحدة خلال العقد الماضي … و بقدر ما كانوا يستعرضون و ينجحون و يكررون الاستعراض و النجاح، كنّا نتعلّم أسلوب عملهم و طرائق ابتزازهم و نتوقع “نمرات” ألعابهم السحرية … قطرة فقطرة … إلى درجة أنه صار عندك في البلاد مليون قاض على الأقلّ، و مثلهم مفتشو شرطة …
لصوصنا من ذوي الكرافات و البابيون، هم بالفطرة أشنع أنواع اللصوص … أي أولئك الجوعى الذين يأكلون الفريسة و صاحبها و قاتل صاحبها، و لا يسلم منهم حتى وتر القوس التي اصطادت كل هذا … فأصابت المقتل من حلوقهم فماتوا، كما حصل لذئب كليلة و دمنة … جماعتنا من هذا الرهط المغولي الذي غريزته الأكل و الشفط و خراب العمران، على عكس ساسة آخرين من بلدان أخرى فيهم الصالح الذي لا يهون عليه مال شعبه، و فيهم الفاسد و لكن الذكي الذي لا ينفرد بكل الغنيمة بل يترك منها ما تعيش به أمّة و يمكن حتى تُزهر و تثمر …
ليس كل الزعماء على شاكلة بورقيبة و عبد الناصر و بومدين و توماس سنكارا، هؤلاء استثناء يلامس زهد النبوّة و علوّ نفسها … و لكن لننزل على الأرض قليلا، و نحاول أن “لا نتفهّم” بؤس قادتنا الجدد بالمقارنة مع قيادات أجنبية من ضعاف النفوس… و نستنتج أنه حتى في عالم الفساد الرسمي، هناك طبقة راقية و طبقة دنيئة، و هناك نافعون و ضارّون، و هناك سادة و عبيد … أمثلة قليلة:
1) الإيطالي “بتينو كراكسي” ترأس الحكومة لأربع سنوات (1983 ـ 1987) ثم استقال بعد أن وجّهت إليه 12 تهمة فساد و تمويل غير مشروع إلخ مما أفضى إلى الحكم عليه بالسجن و فراره إلى تونس قبل تنفيذ الحكم … و مع ذلك، فقد ازدهر الاقتصاد الإيطالي في عهده و تحولت بلاده إلى سادس قوة عالمية، متخطية دولا غنية أو عظمى كبريطانيا و كندا و سويسرا و السويد …
2) خوان كارلوس الأول، ملك إسبانيا (1975 ـ 2014) تنازل عن العرش إثر فضيحة مالية ضخمة تورّط فيها بعض أقربائه، ثم فرّ إلى الإمارات العربية المتحدة حين اكتُشفت عمليات اختلاس و تبييض أموال باسمه الشخصي، و توفي هناك … و لكن يبقى في ذاكرة الإسبان ارتباط عهده بالخروج من استبداد الجنرال فرانكو، و صموده أمام محاولة انقلاب عسكري، ثم إرساء نظام ديمقراطي، و الدخول في مرحلة نمو قياسية أهلت البلاد للدخول عن جدارة ضمن السوق الأوروبية المشتركة …
3) الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك، أدين في عدد من القضايا أهمها تمويل حزبه و الاستفادة من مواطن شغل وهمية … و في آخر حكم ثبتت عليه تهمتا (اختلاس أموال عمومية) و (خيانة مؤتمن) و كاد يدخل السجن لولا مرضه الأخير الذي انتهى بوفاته … و لكن معظم مواطنيه يحفظون له أفضالا على مدينة باريس حين كان رئيس بلديتها لعقدين، و حرصا كبيرا على استقلال قرار بلاده خاصة أثناء الحرب الأمريكية على العراق في 2003.
مقابل هذه الأمثلة الثلاثة، يمكن اختصار حُكّام تونس الجدد بطريقة الكوميديان الراحل سعيد صالح: “الأوّل أكّلنا المشّ، و الثاني علّمنا الغشّ، و الثالث لا يهشّ و لا ينشّ” … و خاصة الصنف الثاني، آه كم عانينا منه، آه …