يستغرب بعضهم كيف نواصل بعد أكثر من عقد من الزمن اجترار الماضي والحديث عنه بفخر وسعادة، كيف نتحدث عمّا أنجزناه سابقا…ونسعد ونحن نذكره؟ كيف نتحدّث عن بورقيبة ورجال بورقيبة…عن وزراء بورقيبة وفكر بورقيبة…عن بن علي وكفاءات بن علي…عن استقرار الدولة وأمنها…عن الإحساس والشعور بالأمن…عن كل ما عشناه رغم أننا لم نعش تعددية سياسية حقيقية ولا حرية تعبير كالتي عشناها منذ 14 جانفي…ويسألنا هذا البعض عن حاضرنا ولماذا لا نذكره ولا نفاخر به… وعن مستقبلنا ولماذا لا نتحدّث عنه؟
<strong>محمد الأطرش<strong>
الإجابة في غاية البساطة، حاضرنا أعرج أعمى وأصمّ …حاضرنا مرهق وموجع وأغلبنا لا يشعر فيه بالأمان، ولا أحد يأتمنه على نفسه وأطفاله ولا حتى ما يملك…ومستقبلنا، نخافه لأننا حُرمنا من التخطيط له… ومُنعنا من أن نفكّر كيف يجب أن يكون…مَن حرمنا يا ترى ومنعنا من أن نبني حاضرا يجمعنا رغم اختلافاتنا…ومن حرمنا من أن نطمح لمستقبل أفضل لأبنائنا؟ إنه السلطان يا سادة…نعم إنه السلطان “قيس الأول” أو كما يحلو لي أن أسميه في بعض ما أكتب…نعم ساكن قرطاج هو من تكفّل بحاضرنا فأوجعنا وتكفّل بصناعة مستقبلنا فأغضبنا، لذلك نحن اليوم أو لنقل أغلبنا رغم ما يدّعيه ويروّجه أتباع السلطان لا نثق في السلطان…السلطان الذي يريد أن يصنع مستقبلنا دون أن يكون لنا رأينا فيه…
مستقبلنا سيكون على مقاس مزاج مولانا، وسيكون حسب ما يريده مولانا…لذلك نرى أغلب سكان هذه البلاد يستمتعون باستحضار واستدعاء ماضيهم كأنه تراث أو إرث لا يمكن نسيانه …فماضينا رغم بعض “سواده” كان أجمل على الأقلّ لأغلبنا، وكان بالشعب رؤوفا رحيما…وحاضرنا ورغم ما اكتسبناه من حرية تعبير ورأي فإنه موجع حدّ البكاء…أما مستقبلنا فهو غامض، ولا نعرف في أي مستنقع أو بئر سنسقط في ظلّ ما نعيشه مع حكامنا اليوم، ساكن قرطاج وعدنا بالويل والثبور… وأذاقنا الألم والوجع بكل الألوان… القلق وجع …والانتظار وجع…والخوف وجع… والريبة وجع… واليأس وجع… والإحباط وجع…والغربة في وطننا وجع أشدّ…أي نعم نعيش الوجع، والألم، والموت بالتقسيط في وطن نسينا ملامحه بعد أن استحوذ ساكن قرطاج على كل مقاليد السلطة والحكم فيه، ومسك بكل مفاصل الدولة وكل السلط، ولم يأت شيئا واحدا يُصلح حال العباد والبلاد…فالرجل يريد أن يفكّر عوضا عنّا ولم يأت بفكرة واحدة يستفيد منها الشعب…كل الشعب…ويريد أن يقرّر عوضا عنّا ولم يقرّر يوما قرارا في صالح البلاد والعباد…كل العباد…ويريد ان يختار عوضا عنّا ولم يختر يوما أمرا يخرجنا مما نحن فيه…مولانا يتعامل معنا كالسلطان وينظر إلينا باستعلاء، وكأننا من عبيده وخدمه…أي نعم، أصبحنا نخاف مستقبلنا ونحن تحت حكم مولانا…فنحن نبحث عن سعادتنا وأمننا في أمسنا…ونبكي حاضرنا لأننا لسنا فيه ومنه…ونعجز عن التفكير في غدنا خوفا من مولانا، وعسس مولانا، وأتباع مولانا، ووشاة مولانا، فقد نتهم بالتآمر على البلاد إن غيّرنا وضعية نومنا وانقلبنا على جنبنا الأيمن…وقد تصدر صحف الغد بعنوان على الصفحة الأولى بالبنط العريض “الأمن يحبط محاولة الانقلاب على السلطان” ونحن لم نغادر غرف نومنا…نعم نبكي مستقبلنا لأنه لأولادنا وليس لنا، خوفا مما قد نكون ونصبح فيه…فلا يحقّ لنا أن نحلم ومولانا لا يعلم بما قد نحلم…فالحلم بمستقبل جميل في عهد السلطان ممنوع دون ترخيص مسبق من مولانا، وبعض ولاة مولانا…
اليوم سأكسر قيودي…كل قيودي لأقول …مولانا من انت حتى تفعل بنا ما تريد … لا ما نريد…؟؟ أتعلم أننا كرهنا العيش في هذه البلاد لأنها أصبحت وجعا وأنت سبب هذا الوجع… فنحن لم نعد نحب البلاد كما لا يحب البلاد أحد وكما تغنّى بها أولاد أحمد… سيقول جماعتك واتباعك ووُشاتك ومن يسترقون السمع أمام منازلنا وعبر هواتفنا ومن أعلنوا البيعة لك إنها خيانة…وإنها عمالة…عن أية خيانة يتحدثون؟ وعن أية عمالة يصرخون؟ فهل أمثالنا لأوطانهم يخونون…وهل من رضع حليب الوطن وأقسم بتراب الوطن يخون الوطن…؟؟ مولانا، أتدري أن الوطن الحقيقي هو الأرض التي يطيب لنا فيها العيش…الأرض التي لا نجوع فيها…ولا يجوع فيها صغارنا…الأرض التي لا نشعر فيها بالبرد شتاء…ولا نشعر فيها بالحرّ صيفا…الأرض التي نشتمّ ربيعا أزهارها…والأرض التي نأكل خريفا بعض ثمارها…الأرض التي طبيب من أهلها يوم نمرض يداوينا…الأرض التي رفاق فيها يوم نحزن يواسوننا…أي نعم مولاي…الوطن هو تلك الأرض التي تقبل بكل أهلها ومن وطئت اقدامهم ترابها…وطننا الحقيقي هو الذي يُسمح لنا فيه بالابتسامة…بالفرح…بحرية التعبير…وحرية الرفض…وحرية أن نقول لا…لا للرئيس ومن هم مع الرئيس…لا لأتباع الرئيس ولمن بايعوا الرئيس….لا لكل قرار لا يرضينا…لا لكل رأي لا نستسيغه…لا لكل أمر لا يؤخذ رأينا فيه… لا لكل ظلم…لا لكل تفرقة…لا لكل إقصاء…لا لكل محسوبية…أتريدنا أن نعتبر وطنا من يُحبط فيه أبناؤنا…ومن يُقهر فيه أطفالنا…ومن يُظلم فيه صغارنا…مولانا أتعلم أن انتخابك رئيسا لا يسمح لك بأن تفعل ما تريد كيف تريد ومتى تريد…فنحن لم ننتخبك لتكون ملكا…ولا سلطانا…لم ننتخبك لتنقلب على نظام أوصلك حيث أنت…لم ننتخبك لتقوّض اركان دولة ولدت فيها، وولدنا فيها…درست فيها، ودرسنا فيها…كبرت فيها، وكبرنا فيها…تزوجت فيها، وتزوجنا فيها…أنجبت الأبناء فيها، وأنجبنا الأبناء فيها…دولة لم تجع فيها، ولم نجع فيها…دولة لم تظلم فيها، ولم نُظلم فيها…دولة لم تعرقَل فيها، ولم نُعرقل فيها…دولة لم تُحبَط فيها، ولم نُحبط فيها…دولة سمحت لك بأن تترشح لرئاستها، وسمحت لنا بأن نختارك…وسمحت لك بأن تكون عليها رئيسا، لا سلطانا…فماذا فعلت مولانا بكل ما انتظرناه منك؟ لا شيء…غير…أنك تريد أن تختار عوضا عنّا…فمن أنت لتفعل ذلك؟ تريد أن تقرّر عوضا عنّا فمن أنت حتى تقرر دون أن نعلم بما تقرّر؟ تريد أن تفرض علينا نمطا سياسيا لا يعجبنا، فمن أنت لتفرض ما تريد علينا؟
مولانا…أنت اليوم تريد إقصاء أكثر من نصف هذا الشعب فقط لأنهم لم يعلنوا البيعة ولا الولاء لفخامتك، ولم يقبلوا بما تفعل وبما فعلت…أهذا دور رئيس جمهورية وعن أية جمهورية جديدة تتحدث، جمهورية للبعض دون الآخر…جمهورية على مقاس من أعلنوا لك البيعة والولاء…والبقيّة هل سنطردهم من أرضهم…من وطنهم…من منازلهم…فكيف تقصيهم ولا تناقشهم ما تريد…وما يريدون…هل يكون التفاوض والنقاش مع من نتفق معهم…أم مع من نختلف معهم لنقترب أكثر ونعمل سويا من اجل مصلحة واحدة…مصلحة شعب واحد لوطن واحد؟ أهذه ديمقراطيتكم التي تعدون بها الشعب في ما تفعلون وما فعلتم…؟؟ اهذه شوراكم إن كنتم من أهل الشورى…؟ أهذه شريعتكم إن كنتم من أهل الشريعة؟ أتدرى ما تعنيه جمهورية جديدة…؟ تعني أرضا واحدة لكل الشعب رغم اختلافاتهم…رغم اختلاف انتماءاتهم…رغم عقيدتهم…رغم ديانتهم…رغم اختلاف لون بشرتهم…جميعهم أبناء جمهورية واحدة ووطن واحد…هل جمعتهم حولك؟ لا…لأنك لست من الذين يبحثون عن التجميع…هل احتضنتهم رغم اختلاف رأيك وآرائهم؟ لا… أنت تريد شعبا يسبّح بحمدك…يصفّق لما تقوله…ولو شتمته أو شتمت بعضا منه…تريد أن تكون سلطانا…ولو كان على بعض الآلاف فقط من شعبك…والبقيّة ألم تفكّر في البقيةّ؟ أسَتُرسلهم إلى البحر تأكلهم حيتان المتوسط؟ أستشجعهم على “الحرقة” لتتخلّص منهم ومن وجعهم؟ أستسجنهم لأنهم رفضوا بيعتك والولاء؟ أستُـنكر عليهم أنهم من هذه الأرض وإلى هذه الأرض سيعودون؟ أستبيعهم في مزاد بيع الشعوب لمن يدفع أكثر؟
أتسمح مولاي أن أسألك…سأسألك وإن لم تسمح…من أوحى لك بكل ما تفعل…وبكل ما تريد؟ من ملأ صدرك حقدا على شعبك…وعلى البعض من شعبك؟ من كذب عليك وقال إن نصف شعبك فاسد ونصفه الآخر خائن…وبعضه عميل…وبعضه الآخر وشاة للسفارات…من وسوس لك أن بعض شعبك سيخونك…وسيتآمر عليك…؟ أتدري مولاي أنك وقعت في نفس الفخّ الذي وقع فيه من جاؤوا على جثة “البوعزيزي” يوم 14 جانفي…هم وقعوا في ما وقعت فيه…فخسروا رهانهم وصدموا بواقع كانوا يقولون عنه سوءا وكتبوا فيه ما لم يقله مالك في الويسكي أو فودكا بوتين…الوطن ليس كيس قمح تهدي بعضه لمن تشاء ومن تريد…الوطن حقل شاسع من الورود الأزهار…تعترضك أحيانا بعض الاشواك…فلا تدسها…فتندم…
أسألك فاسمع مولاي…من ملأ صدرك على كفاءات البلاد…من غيّر رأيك في رجالات البلاد…من ابعدك عمن صنعوا مجد البلاد وخدموا العباد…؟؟ أعرفت حقيقتهم…أعرفت لماذا ابعدوك عن الطريق التي توصلك إلى قلوب العباد؟ هم أوهموك بما يريدون فقط لأنهم يريدونك خادمهم دون أن تكون…هم ورطوك في وجهة ستجعلك سطرا يتيما في تاريخ أمة تاريخها ملايين الكتب…أسترضى أن تكون سطرا في تاريخ أمة بعض رجالاتها ملأت سيرهم عشرات الكتب؟ هم أرادوك وحيدا ليختلوا بك ويحققوا بك ما يريدون وما يضمرون…هم أرادوك وحيدا لتسهل عملية ترويضك لصالح أجنداتهم وما يخططون…هم وجهّوك إلى وجهة خطأ…وجهة استعديت فيها أكثر من ثلثي الشعب…أوهموك بأن الأحزاب خراب…فخسرت الأحزاب وقواعد الأحزاب ومناصري الأحزاب…فماذا أنت فاعل غدا يوم يقول الجميع “لا” لدستورك وجمهوريتك…؟
مولاي…اليوم سأعلنها عاليا “أكرهك”…ولا أقصد طبعا عنوان أغنية كاظم الساهر ولا مقطعا مما غنته وردة من ألحان العظيم بليغ…بل أقصد ما كتبت…نعم أنا اليوم “أكرهك” وغدا قد يكرهك أبنائي…وأحفادي وإخوتي وعائلتي …وغدا قد يكرهك غيري وغير عائلتي…غدا قد نكرهك جميعا…كل الشعب…وربما كل شعوب الدنيا…لذلك أقول…وأنا على يقين انك ستفعل هذه المرّة…ابحث في من هم حولك ومن عاشرتهم ومن عرفتهم طيلة فترة تفكيرك في الانقضاض على الحكم انتخابا ثم الاستحواذ عليه انقلابا…أقول ابحث في جميع من هم حولك من خدعك منهم وأوصلك إلى ما انت فيه اليوم…إنهم يخدعونك…وغدا سيتركونك لمصيرك…فعد إلى الشعب كل الشعب…فإن اخترت أن تكون رئيسا لاتباعك فقط…فتحمّل تبعات ما تريد…وما يريده شعبك الذي اخترت…وإن عدت إلى “وعيك” الذي كان فسنعود جميعنا نحبكّ…وسنحمل معك كل أتعاب السفر…وكل أثقاله…وسيبقى الوطن خيمتنا جميعا…
وأرجوك مولاي…لا تقل لي إن الدستور يمنعني من أن أكرهك، فكيف لدستور لم يمنعك أنت رئيس البلاد والوصي على كل العباد، والمطالب بحب كل الشعب الأحرار منهم والأوغاد … أقول كيف لدستور لم يمنعك أنت من الحقد على أكثر من نصف شعبك أن يمنعني انا المواطن الذي انتخبك، مِن كُرهك …فالدستور مات ودفن ونسينا أن نقرأ عليه الفاتحة…ولا تقل لي إن القانون يمنعني من أن أعلن كرهي لك…هات لي نصا واحدا يمنعني من كرهك…أكرهك وغدا يكرهك أحفادي …وغدا تعاد كتابة التاريخ دون ذكر اسمك وقد لا يقرأ احفاد أحفادي اسمك في تاريخ بلادي، إن عادوا يوما إليها…فهلاّ استفقت قبل فوات الأوان… فقط لتعلم قد أكرهك اليوم…وأعود لأحبك غدا يوم تستفيق من غفوة طالت بكيد بعضهم او بكيد من لا يعلم أن الأوطان لا تدار ولا تبنى بالأحقاد…فالأحقاد هي سلاح الأوغاد …وأنا على يقين مولاي أنك لست ولن تكون منهم…
مولاي…أتقرأ هذا…؟ لم أكتب ما كتبت طمعا في هدية أو منصب او خطّة وظيفية منك ومن حكومة “الخالة نجلاء” أو “العمّ مالك” الذي يحوم حول القصبة، لا لم أفعل ذلك في عهدي بورقيبة يوم كنت صديقا للجميع ولبعض وزراء الزعيم، ولم أطلب ذلك من بن علي ولا من وزراء بن علي فلا أحد منهم دفع لي ثمن فنجان قهوة “كابوسان” في مقهى محطّة سيارات اجرة ولايات الجنوب او حتى مقهى المحطّة المركزية للسكك الحديدية…تصوّر ان احد أقرب الناس لبن علي سألني يوما غاضبا ” شبيك ما تطلب شيء لروحك” …لا تظنّ ابدا أني ممن يطلبون هدية أو خدمة أو مصلحة لهم أو لأحد أبنائهم….لا أبدا أنا هكذا كنت وهكذا أبقى…فقط أنا أريد ان اضمن يوم يطلب الله أمانته، ويقول لي حان اجلك عبدي فتعال إلى خالقك، أن يكون كل أبنائي حولي غير ممنوعين من السفر ولا ممنوعين من دخول البلاد فقط لأن والدهم ضدّ السلطان ولا يحب السلطان ويكتب عن السلطان ما لا يعجب ويرضي وشاة السلطان وأتباع السلطان…أي نعم لا أريد ان تزر وازرة وزر أخرى فأحرم من أن أودّع أبنائي يوم تحين ساعة الوداع…أفكّرت أنت مولاي في يوم الوداع…أرجوك فكّر في ذلك اليوم فكلنا مغادرون…وكلنا إلى خالقنا راجعون …فكن عادلا…ولا تظلم فأنت بما فعلت وتفعله اليوم ظالم وقد تكون لا تعلم…وأتباعك يصفقون…فبعضهم للظلم يعشقون…سأكرهك حتى اشعار آخر…وأنا علي يقين أنه ليس ببعيد …مولاي…
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.