عاش الشاعر والفيلسوف الألماني فريديريش هُولدرْلين من 1770 إلى 1843 وكان قد قسّم حياته إلى نصفيْن متساوييْن : نصف للحبّ ونصفٌ للعزلة والجنون.
منصف الخميري
لا أدينُ شخصيا لمدرستنا التونسية بفرصة التعرّف على هذا الشاعر والفيلسوف المتميّز الذي يُعتبر من الرياديّين في انبعاث التيار الرومانسي الألماني، عاصر كلّ من كانط وغوتة وبيتهوفن وشوبنهاور وهيغل وشيلينغ… ربّما لأن واضعي برامجنا المدرسية على مرّ التاريخ ظلوا سُجناء صناديق تقليدية حازت على توافق عام ضمن العائلة التربوية في لحظة تاريخية ما، على مسار تطور الوجدان الثقافي العام في مجتمعنا التونسي، حيث ظلت تُرافقنا أسماء بعينها طيلة عقود بأكملها ولا نعرف شيئا عن أسماء أخرى في مجالات الشعر والأدب والفلسفة رغم عالميّتها وإسهامها الثابت في تاريخ الفكر الانساني…. بل أدينُ إلى الصّدفة فقط التي وضعت أمامي جملة قالها هُولْدرلين وأوقدت شغفي بالبحث قليلا في مسيرته، وهي :
“هناك حيث يتعاظم الخطر المحدق، تنمو كذلك فرص النجاة”
وهي فكرة موغلة حسب رأيي في تغذية روح المقاومة الجماعية والفردية حتى يتسنّى “الاستمرار في قرع جدران الخزّان” كما في رواية “رجال في الشمس” لغسّان كنفاني، وهي نفس الفكرة “المُقاوِمة” تقريبا التي أكّدها في رواية الأعمي والأطرش، حيث يقول “إن المعجزة ليست أكثر من الجنين الغريب الذي ينمو في رحم اليأس، ثم يولد على غير توقّع من أحد ليضحى جزء من الأشياء تبدو ناقصة من دونه“.
هذا التفاؤل الفجائعي المُنبعث من أعماق صهريج أبو الخيزران الحارق (رواية رجال في الشمس) تؤكده مقولة هولدرلين “تستمر الشمس في إضاءة الكون حتى وإن كُنّا لا نُبصرها“.
شدّني في الملامسة العفوية الأولى لمسيرة هولدرلين عنوانان كبيران : الأفكار المجدّدة التي عمل على تطويرها من ناحية وعلاقته بمُلهِمته وروح قلبه سوزيت غونتار من ناحية أخرى.
أولا : أفكار هولدرلين المُجدّدة
تصوَّرَ هولدرلين الفن بكونه وسيلة لكشف حقيقة الانسان بحيث يكون الفنان وسيطا بين ذات الانسان والذات الإلهية، وكأنه يقول فيالبدء كان الشّعر، لأنه يشكّل لغة البدايات، اللغة الأصلية للإنسانية التي تسمح باستعادة الوحدة الأساسية بين الانسان والطبيعة. فالشعر وسيلة لاسترداد معنى الحياة وإعادة ربط الصلة بالانسجام التّالف بين الانسان والعالم. كذلك انتقد هولدرلين بصفة جذريّة الحداثة والعقلانية اللتين سلبتا الانسان جوهره العميق وعلاقته بالعالم، وبالتالي لا بد من العودة إلى الطبيعة وإلى التقاليد والدين باعتبار ذلك مصدرا للمعنى والحقيقة. يعتبر أيضا أن الانسان كائن متناه ولا متناه في نفس الوقت أي محدودا في شرطه الانساني ولكن مفتوحا على اللامحدود في علاقة بالذّهن، مُطوّرا بذلك تصورا مبدعا للانسان باعتباره كائنا على قيد التحقّق والتطوّر قادرا على التجاوز والتحرّر من مكبّلاته بفضل الشعر والفن. وبشكل عام فإن إسهام هولدرلين الفلسفي يتميز بعمق في الرؤية وتجديد في التفكير أثّر كثيرا في عديد المفكرين خاصة في مجالات الجماليات وفلسفة الفن وفلسفة الثقافة والتأويلية.
ثانيا : هولدرلين يقع في حبّ أمّ تلاميذه وزوجة غونتار أشهر العائلات البنكيّة في فرانكفورت
في رسالة إلى صديقته، يكتب هولدرلين ” يوجد في هذا العالم كائن من الممكن أن يظل قربه كياني آلاف السنين . الحُسنُ والعظمة، السّكينة والحياة والذهن المتّقد، الروح والجسد يشكلان لديه وحدة طروبا”.
كان حبا متبادلا بينهما، ويذهب أغلب النقّاد إلى اعتباره حبّا عذريّا صرفا ولا جزئية واحدة في مبادلاتهما البريدية المثيرة يشي بأية أبعاد شهوانية في علاقتهما.
المؤكّد أن حبّهما كان متبادلا تماما رغم “استحالته” ودقّة المكانة التي كان يحتلّها هولدرلين صلب العائلة الغونتارية والمخاطر التي تهدّدهما في حالة انكشاف علاقتهما. والرسالتان التاليتان تؤكدان هذا.
رسالة سوزيت غونتار (يُطلق عليها الشرقيون العرب إسم زوزيتّة) إلى هولدرلين – ديسمبر 1798 مساءً
“هل من الممكن أن تكون رسالتي إليك قد آلمتك وأحزنتك يا صديقي، بينما رسالتك أمتعتني وأسعدتني بشكل لا يُتصوّر. كانت مُفعمة بالحب، وكم كان قلبي يُجيب بكل الأصوات أثناء قراءتها عن منسوب الحرقة التي بها روحي تنجذب إلى روحك. وأنتَ ! أيمكن أن تشكّ بحبّي ؟ أحزنتْك النبرة الباردة والجافة في رسالتي ؟ كم أنت مخطئٌ ! لو وقفت على وجعي ودموعي إزاء فكرة كهذه، لما فكّرتَ بهكذا شكل. لكن ربما ليس هذا ما أزعجك وأضناك، أنت تخشى دون شك أن ينطفئ قلبي وعندئذ لن يكون بمستطاعي الاستمرار في حبّك. لا أتوصل إلى تخيّل وقع كلماتي عليك، لكنني رأيتك باكيا ودموعك كانت تنزل مشتعلة على قلبي دون التمكن من إطفائها ! ظللتُ طوال السهرة صامتة ومصعوقة، وبحكم أنني وحيدة، جعلت من هذه اللحظة فرصة للترويح عن قلبي الملتاع. آآه، ليتني أسارع إليك لأواسيك ! لا أحتفظ بأي سرّ نحوك، يا روحي… عندما أبدو صامتة وجافة، بالله عليك لا تشك بي، ذلك يعني أن النار تسري في الأعماق، وأنا، مثلك أنت تماما، يجب أن أحترز من الهُيام… ما يؤلمني ليس سوى استحالة أن أكون إلى جانبك الآن.”
وهذه رسالة من رسائل هولدرلين إلى “ديوتيمته” :
“ذهني ممتلئ بك عزيزتي “ديوتيما” (الإسم اليوناني للكاهنة التي علّمت سقراط الحكمة) إلى درجة أنني لا أستطيع الامتناع عن الكتابة إليك مرة أخرى في نفس اليوم. تفكيري بكِ يتابعني حيث أذهب، وحتى في لحظاتي الأكثر انعزالا أشعر بحضورك معي. أنت منبع إبداعي وملهمتي وحبي المكين والأثمن. لا أستطيع تخيّل الحياة من دونكم (في النص الفرنسي يتوجه هولدرلين إلى سوزيت غونتار باستعمال جمع التقدير VOUS) و لا أريد أن أفعل ذلك. أنت التي بها أحيا وأتنفس، وكم أنا مدين لوجودك في حياتي.”
ثم يقول في رسالة أخرى :
“ديوتيما العزيزة، أنا سعيد جدا بأنك كتبتِ إليّ. رسائلك شعاع شمس في حياتي ومصدر فرح وارتياح. أنت حاضرة باستمرار في تفكيري حتى عندما أكون بصدد العمل أو منهمكا في أشياء أخرى. مفتون دائما بجمالك وذكائك وبهائك. أدرك أن حبَّنا محظور، لكن لا يمكنني الامتناع عن التعلق به أكثر من أي شيء آخر في العالم. أنت ملاكي، ملهمتي وإلهامي. أحبك أكثر مما تستطيع أن تقوله الكلمات.”
يتضح من خلال بعض هذه المقتطفات أن الحب الذي جمع هولدرلين بسوزيت غونتار لم يكن في اتجاه واحد بل كان حبّا متبادَلا تقاسمه كائنان عاشقان بكل ما فيه من عذوبة وعذاب ومن حضور وغياب. كما يتبيّن أنه مهما كانت حدود المسافات التي قرّبتهما وأبعدتهما الواحد عن الآخر، فالقارئ يلمس حرصا شديدا من الجانبين على توليد خطاب عاطفي رصين لا يترجم بالضرورة حِمم الحبّ البركاني الذي كان يأسرهما (على عكس رسائل سيمون دي بوفوار على سبيل المثال – أكثر من 300 رسالة- إلى صديقها الروائي الأمريكي نيلسون ألغران خلال السنوات الخمسين من القرن الماضي والتي كانت تنضح إشارات إلى الأبعاد الجسدية في العلاقة تصريحا وتلميحا) وذلك خوفا من التداعيات المدمّرة لو تنكشف العلاقة بينهما وخوفا كذلك من إمكانية نشر رسائلهما بعد وفاتهما. وهي خاصيّة تنسحب كذلك على رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمّان.
ما يُلاحظ أيضا هو أن لغة الرسائل التي يتبادلها هولدرلين وسوزيت غونتار للتعبير عن عشقهما المتبادل وتعلق كل منهما بالآخر، تكاد تكون لغة عادية لا شيء يشير فيها (خاصة من جهة هولدرلين) إلى عظمة فكرية أو جاه معرفي أو استثناء اجتماعي ما… في تأكيد على أن الإنسان واحد في هذا العالم وأن المعاجم التي يستدعيها المُغرمون هي واحدة أينما ولّيت وجهك.
يَعتبرُ هولدرلين أن “الحبّ أكثر عمقا من العقل” بما يؤكد أن تدهور حالته العقلية والنفسية وحالة العزلة التي فرضها على نفسه بعد رحيل سوزيت غونتار في جوان 1802 حتى توفي سنة 1843 كانت مؤشرا على أن مسيرته العاطفية أهم وأثمن بالنسبة إليه من مسيرته الشعرية والفلسفية.
كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.
كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أوبعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.
هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:
أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،
ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.
ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.
ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.
المقنترحات العاجلة:
ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.
واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:
أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.
ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.
ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.
رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.
خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.
خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.
كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.
لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.
فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت علىمسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.
كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها
ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.
إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا
ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…
ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها
المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز
نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.
علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…
ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟
ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…
هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…
خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…
وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…
أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟