الانحراف الخطير الذي أخذته الحرب المشتعلة بين أصحاب الأرض في غزّة والكيان المحتلّ جعلني أسأل نفسي ما الحكاية، ما الذي وقع؟
<strong>محمد الأطرش<strong>
فاليوم يُباد سكان قطاع غزّة من الرضيع إلى الشيخ دون شفقة ولا رحمة، وكل العالم يشاهد ولا يحرّك ساكنا لإيقاف المذبحة وإيقاف المأساة…فالمعركة انقلبت من ردّ على هجوم تجاوز الخطوط الحمراء من الحركة الغزّاوية، إلى إعلان حرب إبادة شاملة على الأرض ومن عليها وعلى البناء ومن بداخله وانقلبت إلى إعلان شبه علني للبدء في تغيير خارطة الشرق الأوسط والتنصّل من كل الاتفاقيات السابقة بين دولة فلسطين ودولة الكيان…
تعالوا لنتحدث بعقل ومنطق، ما هي الضمانات التي أعطيت للحركة الغزّاوية قبل أن تجتاز حدود القطاع وتعلنها حربا على الكيان بطريقة لم تخطر على بال أحد لم نعرفها ولم تغامر بها جيوش العرب سابقا أبدا، فما بالك بأن تفعلها حركة لا تمتلك من الأسلحة غير بعض الرشاشات والصواريخ محلية الصنع؟؟ هل نسيت او تناست الحركة الغزّاوية أنها ستكون في مواجهة جيش مدجّج بكل وأخطر أنواع الأسلحة، وأنها قد تجد نفسها وحيدة في مواجهة الموت؟ هل كانت على بيّنة من الخطر الذي يحدق باهلها سكان غزّة وأطفالها ونسائها وبناتها ورجالها وشيوخها ومرضاها وحتى كلابها وقططها لو أعلن الكيان حرب إبادة شاملة عليها؟ هل كانت على بيّنة من أنه لا يمكن أن تعوّل على العرب ولا جيوش العرب في معركتها هذه…؟
تعودنا سابقا ببعض المناوشات وإطلاق لصواريخ هنا وهناك في اتجاه بعض المستوطنات، لكن لم ننتظر أبدا حربا شبه شاملة وتجاوزا لكل الخطوط الحمراء من رجال الحركة الغزّاوية؟ فمن أوعز لهذه الأخيرة التحرّك بذلك الشكل الواسع والخطير وهي التي تعلم حجمها العسكري وحجم جيش الكيان المغتصب جيّدا، هل ضمنت حماية أهلها إن تحركت نحوهم آلة القتل التي يمتلكها الكيان، هل ثمة من أوعز لها بأن “افعلي وسنكون معك”، أم هل ثمة من أوقعها في فخّ أخر أكبر حجما من مجرّد مناوشات بين صاحب أرض ومحتلّ أو مجرّد إطلاق لبعض الصواريخ على مستوطنة لا تبعد أكثر من عشرين كيلومترا عن وسط غزّة؟
هل من العقل والمنطق أن تعرّض الحركة الغزّاوية أهلها وأطفالها وكبارها وشيوخها ونسائها لكل هذه الإبادة وهذا التنكيل الذي لم نعرفه سابقا ابدا؟ هل وصل “الغباء” أو لنقل “السذاجة” والتهوّر بالحركة الغزّاوية للتورط في حرب غير متكافئة وهي تعلم خيانة دول المواجهة العربية ورغبة أغلب دول المنطقة في الارتماء بحضن تل أبيب في إطار اتفاقية “ابراهام” التي أدارت رقاب أغلب دول المنطقة؟ وهل “أعدّت للعدو” وهنا أقصد الكيان ما استطاعت له من قوّة؟ فإن فعلت فكيف تسمح بإبادة شعبها بتلك الصورة التي لم ير العالم أبشع وأفظع منها في تاريخ الحروب؟
شخصيا أصبحت وبعد ثلاثة أسابيع من الإبادة أرى وأقرأ أمورا أخرى قد تكون بالنسبة للبعض غير منطقية ولا يقبلها العقل وقد يكون من الجنون التفكير فيها، وقد يكون فيها من المنطق والواقعية الكثير… فكأني بالحركة الغزّاوية وقعت ضحية مكيدة من أحد أطراف النزاع الذي يعيشه العالم اليوم…فقد تكون المكيدة من الكيان عن طريق بعض عملائه في غزّة أو في الدول العربية لتوريط الحركة الغزاوية في صناعة مبررات الإبادة التي يعيشها سكان القطاع منذ ثلاثة أسابيع…وهنا وجب أيضا ان نحكّم العقل فقد يكون كل ما روجت له “ماكينة” الإعلام التابعة للكيان ومن يدعمها من دول الغرب و”الماما” من مجازر وتنكيل بالمستوطنين من آليات صناعة مبررات ما يحدث اليوم وما سيحدث غدا في خارطة المنطقة عموما…
فكيف نفسّر سرعة إعلان تحويل الدعم غير المشروط للكيان حتى قبل معرفة ما وقع بالضبط…؟ ألم يكن هذا الدعم موجها بالكامل لأوكرانيا في حربها مع روسيا من كل دول أوروبا؟ ولمن نترك أوكرانيا يا ترى؟ وكيف نفسّر إعلان الماما الحرب “ضمنيا” إلى جانب مدللتها من خلال إعلان الرئيس بايدن إرسال حاملتي طائرات إلى سواحل الأراضي المحتلة وشرق المتوسط، وتوفير كل ما يحتاجه الكيان من ذخيرة وهذا أمر لم يقع منذ عقود من الزمن من أجل حماية الكيان، وكيف نفسّر سرعة قرار ضخّ مليارات من الدولارات في خزينة الكيان كتعبئة لموارد الحرب التي لم تعلن منذ حرب أكتوبر 73…وكأني بالأمر دُبّر بليل…وكأني بالماما على علم بما سيقع لمدللتها قبل أن يقع ولم تُعلمها لغاية في نفس “المستر بايدن”؟
أوصلني “الوسواس” رغم أني قرأت فجرا “قل اعوذ بربّ الناس من شرّ الوسواس…” إلى أمر أخطر أيضا…فالصمت الغريب لبعض الدول العربية في منطقة الشرق الأوسط يثير ظنوني أحيانا وشكوكي أحيانا أخرى…فأغلب هذه الدول لا تريد خيرا بالحركة الغزّاوية، وبعضها يريد إبعادها تماما عن المشهد الشرق أوسطي فالحركة أصبحت حجر عثرة امام عديد التوافقات مع الكيان أمام البعض …وهي خصم سياسي من رحم خصم سياسي لدى البعض الآخر…فحين يصل الجبن ببعض قيادات المنطقة إلى عدم الاعتراض عن ضرب الحركة الغزّاوية، والاكتفاء بالمطالبة بعدم تعرّض المدنيين إلى القصف وعدم المساس بالمرافق الحياتية الأساسية، فهذا يعني ان هؤلاء ومن يرفعون هذه المطالب لا يريدون خيرا بالحركة ولا يهمهم إن أبيدت على آخرها من قبل جيش الكيان…
لا أظنّ أن العرب مرّغت رؤوسهم وكرامتهم في التراب كما يقع معهم اليوم…ولا أظنّ أن العرب ضعُف عودهم كما هم عليه اليوم…ولا أظنّ ان العرب تشتّت شملهم كما تشتّت اليوم…ولا أظنّ ان العرب انطفأت شعلتهم كما انطفأت اليوم وهم يشاهدون إخوتهم ورضّع إخوتهم ونساء إخوتهم وشيوخ إخوتهم يُقتلون وينكّل بهم أمام العالم…فالعرب اليوم في الحضيض ووصلوا إلى القاع بسبب خذلانهم لإخوتهم واكتفائهم بالفرجة…والتزام الصمت…فالعرب اليوم يتجرعون الهزائم والفرقة والذل والاستعمار السياسي والاقتصادي بسبب عمالتهم وخيانتهم لبعضهم البعض ولأهمّ قضاياهم…ففلسطين أصبحت ملهاة لكل قيادات العرب يخرجون ملفها يوم يحتاجونه انتخابيا وسياسيا ويساومون به دول الغرب لغاية في نفس مصالحهم…
فما أتته الحركة الغزّاوية هو شرف لكل العرب حتى وإن كان غير مدروس أو بـ”إيعاز” من طرف آخر مستتر تقديره “هو” له مصلحة في ما يقع اليوم…ما اتته الحركة الغزّاوية يعتبر حقّا إنجازا تاريخيا مقارنة بتاريخ الدول العربية في مواجهتهم للكيان سابقا…وما أتته الحركة الغزّاوية يمكن أن نفاخر به جميعا رغم حجم الدمار والمأساة التي عاشها ويعيشها أهل غزّة، ورغم الألم والتنكيل والفقدان واليتم والقهر والتشريد الذي عانته وتعانيه غزّة وأهل غزّة …فلا أحد من جيوش العرب التي تكدّس السلاح منذ عقود خوفا من الكيان وشعبها يموت جوعا، أقول لا احد غامر بالدخول مترا واحدا داخل الأراضي المحتلّة من الكيان…فبعضهم لا يعرف من الردّ حين تقصف مطاراته غير جملة واحدة تذاع في وسائل الانباء الرسمية “نحتفظ بحقّ الردّ…” فكم من مرّة وإلى يومنا هذا احتفظت بعض دول المواجهة بحقّ الردّ وهي تُدَكُّ بصورايخ الكيان ليلا نهارا؟
والسؤال الذي وجب طرحه اليوم هل يمكن مقارنة جيوش نظامية مدججة بكل أنواع الأسلحة، مع مجموعات مسلحة بأسلحة فردية وبصواريخ من صنع محلي وقع تطويرها رغم الحصار والمراقبة المستمرة والغارات التي أصبحت خبزا يوميا لأهل غزّة؟…هذه المجموعات محاصرة منذ أكثر من عشرين سنة ونجحت في تخطّي حاجز الخوف من كيان غاصب وهاجمته في عقر داره لتقلب كل المفاهيم وتخلط كل الأوراق داخليا وخارجيا ولتصبح الرقم الصعب في فصائل تحرير الأرض من مغتصبها…فالحركة نجحت داخليا في كسب تعاطف كل الفصائل الفلسطينية ونجحت في افتكاك موقع متقدّم في المشهد السياسي والعسكري الفلسطيني… ونجحت خارجيا في فرض نفسها كرقم لا يمكن استثناؤه من كل حوار أو اتفاقية مستقبلا…
أغلب البلدان العربية التي هللت فعلا لما أتته الحركة الغزّاوية لا مصالح لها في ما يقع وتبعد آلاف الكيلومترات عن حدود فلسطين المحتلّة…ولا تبحث عن غير صالح الشعب الفلسطيني …أما من التزموا الصمت ولم يسعدوا ولم يرفعوا ساكنا ولم يصرخوا في وجه الكيان أن “أوقف الحرب وإلا…” ولم يستدعوا سفراء الكيان للمساءلة حفظا لماء الوجه…هم من لا يريدون خيرا بالحركة الغزّاوية ولا بقضية الشعب الفلسطيني…هم على حدود الأرض المحتلّة…ولهم من السلاح ما يشبع كل الشعوب العربية من جوع… لكن وللأسف، هم من ارتموا في حضن الكيان وهم سبب الهزائم والخذلان…هؤلاء ملوك ورؤساء العرب الذين بنوا أسوارا عالية بينهم وبين شعوبهم…وبين ما تريده شعوبهم فلا أحد منهم استمع إلى ما يطالب به شعبه…جميعهم نكّلوا بشعوبهم وأرغموها على الانصياع لمزاجهم وما يريدون…
هؤلاء يذكرونني بقصّة عجوز روسي سأله احد الصحفيين بعد خروجه من السجن: “لماذا اعتقلتك الحكومة ثلاث مرات؟” قال العجوز: “كنت شاباً حين انضممتُ إلى الحزب، وكنتُ أرافِق مفوض الحزب الشيوعي وهو يشرح تاريخ الحزب ومبادئه، وعند مرورنا أمام الكرملين قال لي المفوّض: (إن سور الكرملين عالٍ جدا؟) سألته: (لماذا هو عالٍ؟) فأجاب: (كي لا يقفز الحمير من فوقهِ)…قلت له: (من الخارج للداخل أم من الداخل للخارج؟) فاعتقلوني ولم يفرجوا عني حتى مات ستالين…وحين أفرجوا عني فَرِحتُ، ووضعتُ صورة خروتشوف بجانب صورة ستالين، فجاءني مفوض الحزب وسألني:(هل لا زلتَ تضع صورة هذا الحمار؟) سألته: (أيّ منهما؟) فأعادوني إلى السجن، ولم يفرجوا عني حتى مات خروتشوف…وفي المرة الأخيرة كنتُ أحتفل بعيد ميلاد أحد أحفادي، فاتصل بي مفوض الحزب وقال لي: (لماذا لم تأتِ إلى اجتماع الحزب الأخير؟) أجبته: (لو علمتُ أنه الأخير، لكنت جئت مع كل عائلتي واحتفلنا… فاعتقلوني للمرة الثالثة)”…
هذا ما تعانيه بعض الشعوب العربية من حكامها…يُعتقلون في كل العهود وكأنهم ولدوا ليكونوا سكانا للسجون ووقودا للمعتقلات …فماذا تنتظرون من حكام يستبدون بشعوبهم ولا يستمعون إلى انتظاراتهم وما يريدون…هكذا هي شعوب دول المواجهة التي تفوق تكاليف تسلحها تكاليف كل غذاء العرب…كل العرب…
لهذا ولأكثر من هذا علينا ان نعلم حقيقة ما جرى ويجري…هل تصرّفت الحركة الغزّاوية بمفردها ودون التشاور مع أي طرف آخر؟ وإن كان ثمة أطراف أخرى في هذا الذي يجري فمن هي…أهي إيران…روسيا… بعض الدول العربية…العمّ سام…أم هو الكيان الذي دبّر كل شيء واوقعنا في هذه المأساة لغاية في نفسه ونفس الماما…أم هو الكيان الذي جنى ثمار ما أقدمت عليه الحركة الغزّاوية بإيعاز من أحدهم…فمن يكون الـ “أحدهم”…إن وُجد…؟؟ وأعود لأقول في كل الحالات ما أقدمت عليه الحركة الغزّاوية فخر سيسجله التاريخ في الوقت الذي نسمع فيه شخير بعض حكام العرب على بعد آلاف الكيلومترات…من بلادنا…وعلى بعد أمتار من حدود الأراضي المحتلّة…
والسؤال الأهمّ من كل ما وقع من همّ وغمّ…لماذا يصرّون على تزوير حاضرنا…ألم يكفهم تزوير كل تاريخنا…؟؟ فصبرا يا أهل غزّة…وإلى بعض حكام العرب…ألا تبّت اياديكم…وانفجرت دمعا مآقيكم…
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.
في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…
عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟
في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…
مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…
تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…
اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…
إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…
قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…
الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟
موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…
قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …
كنتُ بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مقالي الأسبوعي في جلنار، حين بلغ مسامعي صراخ وألم ووجع عائلات من قضَوْا تحت أكوام حجارة سور معهد المزونة، رحمهم الله.
تمرّد القلم بين أصابعي، ورفض إتمام ما بدأه والانصياع لأوامري، وما أكتب، معلنًا الحداد على من ماتوا، ووُئدت أحلامهم تحت حجارة سور جريح ينزف دم سنوات الإهمال والتخلي.
سور أصابته لعنة “باركينسون” تشريعاتنا المهترئة، فارتعش وجعًا. سور لم يرأف بحاله أحد من القائمين على شؤون ترميمه، وترميم ما يحيط به. سور سال دم جراحه، وأسال دم من مرّوا بجانبه وأمّنوه على أرواحهم. سور توجّع وتألم طويلًا، وبكى… ولم يسمع بكاءه أحد، حتى أبكى أمهات بعض من اعتادوا المرور بجانبه… سور تآكل، وبانت عورته، فغضب وانهار على من كانوا يمرّون بجانبه، يتكئون عليه، ويستظلون به من غضب الشمس وثورة الأحوال الجوية، وهم في طريقهم لطلب العلم.
الغريب ما قرأته بعد الفاجعة، وما سمعته من صراخ من خرجوا يهددون بالويل والثبور وعظائم الأمور. أغلب من خرجوا علينا يولولون، يطالبون بمحاسبة من تسبب في الفاجعة، ويطالبون بتحميل المسؤولية لكل من قصّر في أداء واجبه أو غفل عنه.
هكذا نقفز على كل وجع ومأساة، لنواصل الدعوة إلى الانتقام من كل ما سبق، ومن كل من سبقونا في تحمّل مسؤولية خدمة هذا الشعب… هل يجب أن ننتقم ونثأر بعد كل فاجعة أو فشل ممن سبقونا في تسيير شؤون مؤسسات البلاد؟ هل يجب أن نشيْطن كل من سبقونا في خدمة الوطن بعد كل وجع يشعر به جسد هذه الأمة؟ ألا يجدر بنا أن نعتبر مما حدث، ونبدأ بإصلاح حالنا وأحوالنا؟
أتساءل: ألا يتساءل أحدكم لماذا كل هذا العزوف عن تحمّل المسؤولية؟ أليس للفصل السادس والتسعين من المجلة الجزائية دور كبير في هذا العزوف، الذي أفرغ مؤسساتنا من كفاءات كنّا نفاخر بها، ونطمئن بوجودها على حالنا وحال مؤسساتنا وحال البلاد؟ ثم، أليس للفصل الرابع والعشرين من المرسوم عدد 54 نصيب مما نحن فيه، ومما عشناه ونعيشه؟ فمن كان يرى في السور عيبًا وخطرًا، لن يكتب عن الأمر، ولن يُنبّه لخطورته، خوفًا من أن يُتهم بنشر أخبار زائفة وإشاعات كاذبة…
ألم نغرق اليوم في وحل الفصل السادس والتسعين، ورعب المرسوم الرابع والخمسين؟ لماذا تنشر تشريعاتنا وبعض قوانيننا الخوف والرعب في نفوس كفاءاتنا، ومن يملكون القدرة على تحسين أوضاعنا؟ أيمكن للأمم أن ترتقي وهي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب من قوانينها؟ كيف نطلب من بعضنا خدمة الوطن وهم يعيشون رعب القانون، ورعب الحقد، ودعوات الإقصاء والثأر والانتقام من كل قديم، وكل مخالف في الرأي، وكل من لا يعلن لنا البيعة، ولا يقف صارخًا “مزغردًا”، مصفقًا لأخطائنا، ملمّعًا لفشلنا، داعيًا لنا بطول العمر وجزيل الثواب؟
يا من تستمتعون بوجع خصومكم، ومن لا تتفقون معهم، ومن تركوا أثرًا طيبًا وانتصروا عليكم بما حققوه وأنجزوه…الوطن أمانة بين أيادينا جميعًا، فجنّبوه الفتنة، وجنّبوه الأحقاد، وحافظوا على سور الوطن…ولا تخربوا سقفه، فإن انهار سقف الوطن، فنحن، نحن الشعب، من سيدفع الثمن… نعم… نحن الشعب من سيدفع الثمن.