“قيس سعيد… لست وحدك” هذا الشعار الذي يرفعه أنصار الرئيس إضافة إلى شعارات أخرى هو شعار رنان و لكنّه مخاتل و حمال أوجه و يمكن قراءته من زوايا عديدة غير أني سأركز فقط على بعضها
<strong>عبير عميش<strong>
أولا : ” قيس سعيد… لست وحدك ” فالشعب معك ( و سأعود بعد حين لتحديد ماهية هذا الشعب) و يساندك في قراراتك و يكسبها مشروعية حتى و إن افتقدت الشرعية حسب بعض القراءات، يساندك خاصة في طلب المحاسبة ومكافحة الفساد الذي تكرر في خطاباتك الأخيرة و انتشى به الشعب و تخمّر بل أكثر من ذلك تطوّع في عديد المرات بنشر قائمات للمذنبين و الفاسدين حسب أهوائه ورغباته و دون أدلة قانونية على ذلك… و لكن هل ساءل الشعب يوما نفسه عن دوره في تفشي الفساد و في ضياع هيبة الدولة و لهذا الشعب ـ و أنا منه ـ أقول :
تخيلوا معي مثلا مثلا لو أن كل موظف توجه نحو عمله في الوقت المحدد و لم يغادره إلا مع نهاية الدوام، أو أن كل مسؤول احترم العهد و الميثاق و لم يُسِئ استغلال منصبه و نفوذه و عامل المواطنين دون تمييز أو محاباة فكيف سيكون حالنا!؟
تخيلوا معي مثلا مثلا لو أن كل معلم او أستاذ درّس كامل البرنامج في القسم و لم يتعامل مع تلاميذه كدجاجات تبيض ذهبا أو فضة، فكيف سيكون حالنا ؟!
تخيلوا معي مثلا مثلا لو أن كل عون أمن أو ديوانة طبق القانون دون رشوة أو محسوبية أو وساطات فكيف سيكون حالنا ؟!
تخيلوا معي مثلا مثلا لو أن كلّ قاض حكّم ضميره قبل النطق بالحكم أو أنّ كل طبيب اعتبر المريض فردا من أسرته و قدّم له النصح و الدواء الذي يحتاج له لا غير فكيف سيكون حالنا ! ؟
تخيلوا معي مثلا مثلا لو أن كل جزار أو خضار أحب للحريف ما يحبّ لنفسه فلم يغشّ في الميزان و لا في نوع البضاعة، أو أن كل حرفيّ أنجز عمله بإتقان و حسب الموعد المحدّدفكيف سيكون حالنا ! ؟
تخيلوا معي مثلا مثلا لو أن كل مواطن احترم قانون المرور و قواعد الانتظار في الصف و احترم البيئة و لم يساهم في تلويثها… فكيف سيكون حالنا ! ؟
تخيلوا معي مثلا مثلا لو أن كل سياسي أحبّ الوطن أكثر مما يحبّ حزبه أو منصبه و فضّل الوطن على انتماءاته الخارجية و مواقفه الإيديولوجية فكيف سيكون حالنا ! ؟
تخيلوا معي مثلا مثلا لو أن عديد الناخبين لم يبيعوا ذممهم و أصواتهم بالمقرونة و الشوكوطوم و الفلوس فكيف سيكون حالنا ! ؟
هذه و غيرها مظاهر فساد بإمكاننا تجنبها فلماذا نحاسب الآخرين و نستثني أنفسنا؟
إن محاربة الفساد تقتضي انخراط الجميع في هذا التحدي فالفساد نفسه في كل الحالات و لا يمكن أن نقسمه إلى فساد صغير و فساد كبير فالفساد “الصغير” هو الذي ينتج الفساد “الكبير” و كل فاسد صغير هو مشروع فاسد كبير بحلم بنيل المغانم و المكاسب
و من هنا و لكي لا نترك قيس سعيد وحده، لابد ان ننخرط جميعنا في محاربة الفساد باعتباره مشروعا مجتمعيا قبل أن يكون ملفا قانونيا و أن نقاوم أنفسنا و ميلنا الفطري و حتى الاجتماعي إلى ارتكاب الأخطاء و إن بدت لنا بسيطة و أن نحترم القانون و لا نستهتر بالملك العمومي.. و لا نكتفي بالشعارات.
ثانيا : “قيس سعيد… لست وحدك” فالشعب يعيش معك على هذه الرقعة من العالم و من حقه أن يعرف إلى أين تسير به و ماذا ستفعل بعد انتهاء الثلاثين يوما التي حددتها و لم يبق منها غير أربعة أيام فقط أو بلغتنا الدارجة ” الشعب يحب يعرف وين ماشين؟” و لكن قبل ذلك لا بد أن نحدد باسم أي شعب تتحدّث و أيَّ شعب تُخاطب
من الشعب المقصود و قد صرنا شعوبا.. أ لم يتحدث المرزوقي قبلك عن حراك شعب المواطنين؟ و هل ما يريده “الشعب” في صفاقس هو ما يريده “الشعب” في تطاوين أو في باجة أو المنستير أو القيروان؟ هل ما يريده “الشعب” العاطل عن العمل هو ما يريده “شعب” العمال و الموظفين؟ و هل ما يريده ” شعب ” اللاك يريده “شعب” سيدي حسين ؟ و هل ما يريده “شعب” نوفل الورتاني هو ما يريده “شعب” لطفي العبدلي؟!؟!
إنّ الشعب متعدد و ليس واحدا فما هو الشعب الذي تتماهى معه و تلبس جبته سيدي الرئيس؟
هذا الشعب المتعدد من حقه عليك أن يشاركك في تقرير مصيره و أن يفهم و يساهم في صناعة المستقبل و خياراته فهل سيكون له ذلك و بأية آليات ستستشير الشعب و أنت ترفض الحوار مع الأحزاب حتى تلك التي ساندتك و ارتدت عباءتك و ترفض مبادرات المنظمات رغم ما قدمته لها من تطمينات و تهزأ من كل من طالبك بخطة عمل للفترة القادمة و كأنك تقول لهم كما قالت سهام بادي منذ سنوات… ” اللي ما عجبوش يشرب من البحر”
قيس سعيد لست وحدك و لا تكن وحدك و لا تنفرد بالرأي و السلطة فرجل واحد لا يمكنه أن يحارب بمفرده على جميع الواجهات و الجبهات و فريق المستشارين الذي يحيط بك و حتى بعض أفراد عائلتك لا يستطيعون إسنادك إسنادا تاما، فمسؤولية إدارة البلاد في مرحلة حساسة كالتي نعيشها تقتضي منك إشراك لجان تفكير و الاعتماد على مجموعة من الشخصيات الوطنية القادرة على التخطيط و الاستشراف و تحديد الاهتمامات و الأولويات… و أولى الأولويات التي نادى بها الشباب الذي تتحدث عنه دوما هو الشغل و الخروج من الفقر فماذا أنت فاعل في هذا الملف و قد تضاعفت نسب البطالة منذ سنوات و تضخّمت كتلة الأجور و تدحرجت ميزانية الاستثمار
هل فكرت في حل لهذا المشكل و هل استشرت في ذلك أهل الاختصاص لإيجاد حلول عميقة و فعالة قادرة على تغيير الواقع؟ ماذا عن النظام السياسي و الانتخابي؟ ؟ ما مصير الهيئات و المؤسسات القائمة هل ستهدمها لتبني من جديد؟؟ أم ستعمل على إصلاحها؟؟ ماذا عن الدستور رغم هناته؟ ماذا عن الخيارات التنموية الكبرى؟
لست وحدك لتقرر بمفردك ما تشاء و تفرض علينا ما تريد و ما يتوافق مع أهوائك و رغباتك فيأتي إلينا و كأنّه مُنزَّل من السماء…
ثالثا : ” قيس سعيد… لست وحدك ” فالبلاد و بحكم موقعها و تاريخها تربطها عديد العلاقات مع الخارج التي ـ أ أحببنا ام كرهنا ـ لابدّ أن تأخذها بعين الاعتبار في قراراتك.
فماذا عن شركاء تونس في الخارج و عن مواقفهم من سياستك الحالية؟
فإن كنت قادرا على دغدغة مشاعر بعض “الشعب” بخطبك الرنانة و كلماتك النارية، فإن الدول و المؤسسات المانحة لا تتعامل إلا بلغة الأرقام و وفق ما تلمسه من مؤشرات فعلية على أرض الواقع ، فكيف ستقنعها بعدم انتهاك الحريات و أنت تستغل حالة الاستثناء لشيطنة عديد القطاعات و منع الكثيرين من السفر بسبب شبهة الانتماء أو المهنة…؟؟
و كيف تستطيع إقناع مستثمر أجنبي بالقدوم إلى تونس و تشغيل أمواله في ربوعها و بوجود مناخ ملائم للعمل والاستقرار و هو يرى شريكه التونسي ممنوعا من السفر لإمضاء عقد أو إبرام صفقة لأن صفته في جواز السفر رجل أعمال أو مدير شركة ؟؟
و كيف ستفعل لتواصل المفاوضات مع صندوق النقد الدولي و البنك العالمي و الدول الضامنة لقروض تونس و أنت ترفض تقديم خارطة طريق طلبوها منك توضح من خلالها خطواتك المستقبلية؟؟
ماذا ستفعل لشعب الجائعين إن رفضت هذه المؤسسات إقراض تونس مجددا و فرغت خزائن البلاد ـ و هي فارغة فعلا ـ و عجزتَ عن توريد حاجيات الشعب و توفير قوته؟ هل سيصبر التونسيون على هذا الوضع كثيرا و يواصلون قولهم : “قيس سعيد… لست وحدك” أم سيتخلَّوْن عنك و يتركونك وحدك؟؟
بين فيضانات 2018 وفيضانات 2026، تغيّرت التواريخ وتبدّلت الحكومات، لكن المشهد بقي ذاته: أمطار غزيرة، طرقات غارقة، أحياء معزولة، ضحايا و مفقودون ، زيارات ميدانية و خطابات مطمئنة…
والإشكال أن هذه الكوارث ليست بلا إنذار. فالأرصاد الجوية تحذّر عادة قبل 24 ساعة أو أكثر، والمعطيات العلمية حول التغيرات المناخية باتت واضحة، ومع ذلك تواصل الدولة التعامل مع الفيضانات بمنطق ردّ الفعل لا بمنطق الاستباق. وكأن المطلوب دائماً أن تقع الكارثة أولاً، حتى يبدأ التحرك بعدها. بعد فيضانات نابل 2018 شاهدنا جميعا يوسف الشاهد رئيس الحكومة آنذاك في تنقل ميداني إلى المنطقة المنكوبة وجلسات عمل و تيليتون لجمع التبرعات .. وقرارات ووعود … و هاهي نابل وما جاورها تُنكَب من جديد.
وُعِد التونسيون حينها بمراجعة البنية التحتية و إصلاح الطرقات و بناء الجسور و تطوير شبكات تصريف مياه الأمطار وتنظيف الأودية وإرساء نظم إنذار مبكر… لكنّ تلك الوعود كانت في أغلبها شعارات مناسباتية. فالأودية ظلّت مهملة، والبناء الفوضوي تمدّد، وشبكات التصريف لم تكن ضمن أولويات السلط لا الجهوية ولا الوطنية… كما غابت التصورات الفعالة لإدارة المخاطر الطبيعية. ورغم التوقعات الجوية بالتغييرات المناخية وبتأثر السواحل التونسية بالمنخفض الجوي، فإن النشرات الجوية لم تتجاوز حدود الخبر ولم تتحول إلى إنذارات وقرارات وقائيّة، وكأن حماية الأرواح مسألة ثانوية مقارنة بالخوف من “التهويل” أو من تبعات القرارات غير الشعبية.
في مثل هذه الأوضاع، يصبح التصرف الأسلم هو ذاك الذي يقدّم الإنسان على كل اعتبار… ولذا نزل قرار تعليق الدراسة بردا وسلاما على المواطنين فالخسائر المادية يمكن تعويضها، أما الأرواح فلا… و لكنه رغم ذلك يبقى قرارا منقوصا إذ لم يراع وضع الموظفين و العملة، وكأنّ الأزمة لا تعنيهم أو لا تؤثر فيهم أو كأنّ قدرتهم على المجازفة مفترضة سلفًا. فالفيضانات، في الواقع، تكشف تمييزًا ضمنيّا بين فئات المجتمع. فالتلاميذ تُعلَّق دروسهم حمايةً لهم أمّا الموظفون والعمال فيطلب منهم الحضور والعمل مهما كانت حالة الطرقات، ومهما بلغ الخطر، ومهما كانت وسائل النقل مفقودة أو مهدِّدة للحياة.
و لئن كان المواطن يتحمّل جزءا من المسؤولية في ما يقع بعدم احترامه للتحذيرات والقوانين واستسهاله البناء في مجاري المياه وعلى ضفاف الأودية، وبمساهمته في انسداد قنوات تصريف مياه الأمطار بسلوكاته اليومية الملوّثة، إلاّ أنّ هذه المسؤولية لا يمكن أن تكون شمّاعة تعلّق عليها السلطة إخفاقها وتهاونها. فالمواطن هو انعكاس لصورتها و أعمالها وهي التي تتحمّل المسؤولية الرئيسية وذلك بالتخطيط والوقاية والإعلام الصادق والردع وتطبيق القانون على الجميع .. فلا يحق للدولة تحميل الضحايا وزر سياساتها المرتبكة وتقصيرها في التعامل مع مثل هذه الوضعيات… حيث أن التعامل مع الفيضانات بعقلية الأمس لم يعد مجدياً، فما كان يُعتبر “أمطاراً غير معهودة” صار واقعاً متكررا وخطيرا وهذا يقتضي الإسراع في إعادة تصميم شبكات التصريف، ودمج التغير المناخي في السياسات العمرانية، والاستثمار الجدي في الوقاية بدل الاكتفاء بالترقيع بعد كل كارثة.
وبهذا الفهم لا يمكن أن نعتبر هذه الفيضانات قضاء وقدراً ، بل نتيجة خيارات وتأجيلات وتراكمات. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس لماذا نزلت الأمطار، بل لماذا نفشل دائما في حماية الناس منها رغم علمنا مسبقا بنزولها ؟ وحتى متى يتواصل هذا الفشل؟ في هذا السياق، لا يمكن تجاهل الشعبوية التي ترافق كل كارثة طبيعية في تونس، والتي تحوّل المأساة إلى مشهد سياسي أكثر منها قضية إنقاذ وإصلاح. فيصير المسؤول هو الخبر وتطغى صورته وتحرّكاته وخطاباته على صور المنكوبين وأحوالهم وتحجبها ، فمع كل فيضان أو فاجعة، يتكرّر السيناريو نفسه: زيارات ميدانية متأخرة، جولات في الأحياء المنكوبة، صور وفييوهات، تربيت على الأكتاف، عبارات تعاطف جاهزة من قبيل “نحن معكم” و“الدولة لن تتخلى عن أبنائها” و”الكلنا نعانيو” … دون أن تتبعها حلول جذرية…
و يمكن اعتبار أنّ ذلك التعاطف يدخل في خانة ترسيخ فكرة قبول الفشل والرضى بالأمر الواقع بدل المحاسبة والإصلاح وتقديم حلول حقيقية وفعالة .. ينسى المسؤول أو يتناسى أنّ المنكوبين، لا يحتاجون إلى من يربّت على أكتافهم بقدر ما يحتاجون إلى دولة تمنع عنهم الكارثة قبل وقوعها…. وإذا كان الإعلام في مختلف دول العالم الديموقراطي يقوم بدوره الحقيقي زمن الكوارث، فإن الإعلام التونسي ما زال دون المطلوب، إذ يكتفي بملاحقة الكارثة بدل أن يسبقها، فيصبح ناقلا للمأساة وموثِّقا للفشل بصور الغرق وشهادات الضحايا ونداءات الاستغاثة ومشاهد الدمار في الطرقات و الأحياء والمباني… بدل أن يساهم في إنقاذ الأرواح عبر بث التحذيرات المرتكزة على تحاليل علمية دقيقة (بلا تهويل أو تهوين) و عبر استضافة خبراء حماية مدنية وأرصاد جوية وهندسة وبيئة، لإرشاد الناس إلى الأماكن الآمنة و كيفية التعامل مع ذروة التساقطات.
وللإعلام أيضا دور أساسيّ في مثل هذه الوضعيات يتمثل في مقاومة الشعبوية. فبدل تضخيم صور الزيارات الرسمية والتعاطف اللغوي ، عليه أن يطرح الأسئلة المهمّة حول مدى الاستعداد للتدخلات وطبيعة الآليات الموضوعة على ذمة المواطنين، وأن يبحث عمّا أُنجز منذ الكارثة السابقة، وأن يستقصي عن مدى تقدم المخططات والمشاريع وعن مدى تجسيد الوعود الفائتة، و أن يستفسر عمن يتحمّل المسؤولية، ويتساءل لماذا تتكرر الأخطاء نفسها؟ أي أن يقوم بدوره الاتصالي والتحسيسي الذي يساهم في رفع الوعي وحماية المجتمع خاصة زمن الأزمات.
لكن إعلامنا في تونس صارت غايته الإثارة و أخذ أصحابه _ إلا من رحم ربّك _ يتسابقون من أجل التشبه بالكروكوزات و جماعة الانستغرام، حتى صار خبر عركة على قرنيطة يتصدر صفحات وسائل الإعلام ” الكبرى”!
أسال تصريح لاعبنا الدولي حنبعل المجبري حول تأخر تونس وحول استغراق شعبها في الحلم بدل الفعل، حبرا كثيرا وقد تردّدت بعض الشيء قبل الكتابة في الموضوع..
لكنّ ما استفزّني هو استنقاص البعض من مواطنة اللاعب بحجة أنّه يعيش خارج البلاد (وكأنّ الوطن جغرافيا لا ذاكرة، وكأنّ المواطنة بطاقة إقامة لا جرح يسكن القلب) ومصادرة حقه في الكلام والنّقد، ومطالبتهم له بالسكوت عن الإخلالات، وهل أودى بنا إلى التهلكة غير الصمت والمهادنة والأغلبية الصامتة والسير حذو الحائط؟ و عندما يتجرّأ أحد المواطنين مهما كانت صفته ليوجّه لوما أو نقدا أو ليحدد مَواطن الخلل تُصوَّب نحوه السهام ويصير هو المذنب ؟؟
إنّ ما قاله حنبعل ليلتها ليس شتما أو استنقاصا من شأن البلاد أو إهانة لها بقدر ما هو صرخة من الداخل، من عمق الانتماء لا من خارجه ولحظة صدق مع الذات ومحاولة شُجاعة لفهم أسباب التعثّر، وتشخيص موجع لحالة تتجاوز المستطيل الأخضر إلى مربّعات الحياة كلّه …
حنبعل لم يقل إن تونس فاشلة، بل قال إنها متأخرة ، والفرق بين الكلمتين كبير.. الفرق بين الكلمتين مسافة فعل وأمل … التأخر يعني أنّ الطريق لم يغلق بعدُ، وأنّ الّلحاق ممكن، لكنّ ذلك يفترض شرطًا أساسيّا هو الاعتراف بالمشكلة والإسراع بالحلول الحقيقية لا الترقيعيّة … ومشاكل تونس بالجملة تحتاج منا فعلا وفعلا وفعلا … فليس بالأحلام و الأماني الطيّبة تُبنى الأوطان. المعضلة الحقيقية في تونس هي في العقلية التي تدير الرياضة والإدارة والتعليم والنقل والصحة وكلّ المؤسسات ..
المعضلة الحقيقية هي في طريقة التفكير وفي كيفية تبرير العجز إذ تُرفع شعارات الصبر، ويتحدث المسؤولون عن الظروف و المؤامرات و الإرث القديم و”حطّان العصا في العجلة ” .. ويُطلب من المواطن أن يتفهّم وينتظر، و“يزيد يصبر شوية” …
إنّنا في تونس لا نبحث عن حلول عملية وناجعة للفشل بل نغرق في التحاليل والخطب الرنانة ونعوّض الفعل بالجدل.. نحلّل أكثر مما نخطّط وننتقد أكثر مما ننجز .. تونس ليست متأخرة لأن أبناءها عاجزون، بل لأنها ما زالت أسيرة عقلية تُجيد الكلام وتخاف الفعل و تدمن التباهي والعيش على أمجاد الماضي دون أن تمرّ إلى تحمّل المسؤولية والاقتداء بالأسلاف
في تونس نحلم أكثر ممّا نعمل، ونتكلّم أكثر ممّا نحقّق و نُتقن التنظير في المقاهي ووسائل التواصل، ونفشل في أبسط أشكال التنظيم في الواقع. نطالب بالنتائج دون أن نتحمّل أثمانها، فلا نقبل بالانضباط ولا باحترام الوقت ولا بالجدية، ولا بالتكوين، ولا بالمحاسبة ..
نريد الوصول دون عناء الطريق، ونغضب حين لا يصل القطار … تكلّم حنبعل المجبري _كما تكلّم حنبعل برقة قبل قرون ، حين رأى الخطر قادمًا من الدّاخل قبل أن يأتي من الخارج _ فقال يوم المباراة إنّ الطريق صعب، وإن التأخّر ليس قدرًا بل نتيجة…. لكن قرطاج، الجديدة كما القديمة، لا تحبّ من يفسد عليها وهم الاطمئنان وتخشى ممّن يُذكّرها بأن الزمن لا ينتظر المتردّدين …
منذ قرون طويلة لم يسلك حنبعل القائد المحارب، الطريق الآمن و تجرّأ على عبور ما قيل إنّه غير قابل للعبور مرددا عبارته الشهيرة “إمّا أن نجد طريقًا… أو أن نصنعه”، في رفض تام لمنطق الانتظار والاستسلام والعجز … واليوم حنبعل اللاعب المحارب يفعل الشيء نفسه فيرفض الحسابات والبقاء الآمن و يكفر بعبارة “ليس بالإمكان أفضل ممّا كان”.
و إذا كان حنبعل برقة قد كشف لتونسيّي ذلك الزمان أن الخطر الحقيقي لا يأتي دائمًا من وهن القوّة المادية والجسدية بل من العقل الذي يقبل الخضوع، فإنّ حنبعل المجبري يذكّرنا بأن الخطر الحقيقي على تونس اليوم ليس في ضعف الإمكانيات، بل في ضعف الجرأة على تسمية الأشياء بأسمائها ..
لهذا أزعج كلام حنبعل الكثيرين لأنه كسر مرآة الوهم التي اعتدنا أن نُجمِّل فيها أنفسنا. لأنه _ بحرارة الروح _ قال ما لا يرغبون في قوله و ذكّرنا بأننا نُكافئ الصّامت ونُعاقب المتكلم وأنّنا نُمجّد الرداءة إذا لبست ثوب الوطن، و نُخوِّن النقد بدل أن نُصغي إليه..
كلام حنّبعل يوم الخسارة عرّى بعضا من حقيقتنا وأشار إلى مكامن الدّاء، ولن تتقدّم تونس وأهلها إلاّ يوم تواجه مشاكلها بصدق، وتمتلك شجاعة النظر في المرآة دون غضب، وتكفّ عن معاداة الصراحة، وتعتبر النقد فرصة لا خيانة.
بين فيضانات 2018 وفيضانات 2026، تغيّرت التواريخ وتبدّلت الحكومات، لكن المشهد بقي ذاته: أمطار غزيرة، طرقات غارقة، أحياء معزولة، ضحايا و مفقودون ، زيارات ميدانية و خطابات مطمئنة…
والإشكال أن هذه الكوارث ليست بلا إنذار. فالأرصاد الجوية تحذّر عادة قبل 24 ساعة أو أكثر، والمعطيات العلمية حول التغيرات المناخية باتت واضحة، ومع ذلك تواصل الدولة التعامل مع الفيضانات بمنطق ردّ الفعل لا بمنطق الاستباق. وكأن المطلوب دائماً أن تقع الكارثة أولاً، حتى يبدأ التحرك بعدها. بعد فيضانات نابل 2018 شاهدنا جميعا يوسف الشاهد رئيس الحكومة آنذاك في تنقل ميداني إلى المنطقة المنكوبة وجلسات عمل و تيليتون لجمع التبرعات .. وقرارات ووعود … وهاهي نابل وما جاورها تُنكَب من جديد.
وُعِد التونسيون حينها بمراجعة البنية التحتية و إصلاح الطرقات و بناء الجسور و تطوير شبكات تصريف مياه الأمطار وتنظيف الأودية وإرساء نظم إنذار مبكر… لكنّ تلك الوعود كانت في أغلبها شعارات مناسباتية. فالأودية ظلّت مهملة، والبناء الفوضوي تمدّد، وشبكات التصريف لم تكن ضمن أولويات السلط لا الجهوية ولا الوطنية… كما غابت التصورات الفعالة لإدارة المخاطر الطبيعية. ورغم التوقعات الجوية بالتغييرات المناخية وبتأثر السواحل التونسية بالمنخفض الجوي، فإن النشرات الجوية لم تتجاوز حدود الخبر ولم تتحول إلى إنذارات وقرارات وقائيّة، وكأن حماية الأرواح مسألة ثانوية مقارنة بالخوف من “التهويل” أو من تبعات القرارات غير الشعبية.
في مثل هذه الأوضاع، يصبح التصرف الأسلم هو ذاك الذي يقدّم الإنسان على كل اعتبار… ولذا نزل قرار تعليق الدراسة بردا وسلاما على المواطنين فالخسائر المادية يمكن تعويضها، أما الأرواح فلا… و لكنه رغم ذلك يبقى قرارا منقوصا إذ لم يراع وضع الموظفين و العملة، وكأنّ الأزمة لا تعنيهم أو لا تؤثر فيهم أو كأنّ قدرتهم على المجازفة مفترضة سلفًا. فالفيضانات، في الواقع، تكشف تمييزًا ضمنيّا بين فئات المجتمع. فالتلاميذ تُعلَّق دروسهم حمايةً لهم أمّا الموظفون والعمال فيطلب منهم الحضور والعمل مهما كانت حالة الطرقات، ومهما بلغ الخطر، ومهما كانت وسائل النقل مفقودة أو مهدِّدة للحياة.
و لئن كان المواطن يتحمّل جزءا من المسؤولية في ما يقع بعدم احترامه للتحذيرات والقوانين واستسهاله البناء في مجاري المياه وعلى ضفاف الأودية، وبمساهمته في انسداد قنوات تصريف مياه الأمطار بسلوكاته اليومية الملوّثة، إلاّ أنّ هذه المسؤولية لا يمكن أن تكون شمّاعة تعلّق عليها السلطة إخفاقها وتهاونها. فالمواطن هو انعكاس لصورتها و أعمالها وهي التي تتحمّل المسؤولية الرئيسية وذلك بالتخطيط والوقاية والإعلام الصادق والردع وتطبيق القانون على الجميع .. فلا يحق للدولة تحميل الضحايا وزر سياساتها المرتبكة وتقصيرها في التعامل مع مثل هذه الوضعيات… حيث أن التعامل مع الفيضانات بعقلية الأمس لم يعد مجدياً، فما كان يُعتبر “أمطاراً غير معهودة” صار واقعاً متكررا وخطيرا وهذا يقتضي الإسراع في إعادة تصميم شبكات التصريف، ودمج التغير المناخي في السياسات العمرانية، والاستثمار الجدي في الوقاية بدل الاكتفاء بالترقيع بعد كل كارثة.
وبهذا الفهم لا يمكن أن نعتبر هذه الفيضانات قضاء وقدراً ، بل نتيجة خيارات وتأجيلات وتراكمات. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس لماذا نزلت الأمطار، بل لماذا نفشل دائما في حماية الناس منها رغم علمنا مسبقا بنزولها ؟ وحتى متى يتواصل هذا الفشل؟ في هذا السياق، لا يمكن تجاهل الشعبوية التي ترافق كل كارثة طبيعية في تونس، والتي تحوّل المأساة إلى مشهد سياسي أكثر منها قضية إنقاذ وإصلاح. فيصير المسؤول هو الخبر وتطغى صورته وتحرّكاته وخطاباته على صور المنكوبين وأحوالهم وتحجبها ، فمع كل فيضان أو فاجعة، يتكرّر السيناريو نفسه: زيارات ميدانية متأخرة، جولات في الأحياء المنكوبة، صور وفييوهات، تربيت على الأكتاف، عبارات تعاطف جاهزة من قبيل “نحن معكم” و“الدولة لن تتخلى عن أبنائها” و”الكلنا نعانيو” … دون أن تتبعها حلول جذرية…
و يمكن اعتبار أنّ ذلك التعاطف يدخل في خانة ترسيخ فكرة قبول الفشل والرضى بالأمر الواقع بدل المحاسبة والإصلاح وتقديم حلول حقيقية وفعالة .. ينسى المسؤول أو يتناسى أنّ المنكوبين، لا يحتاجون إلى من يربّت على أكتافهم بقدر ما يحتاجون إلى دولة تمنع عنهم الكارثة قبل وقوعها…. وإذا كان الإعلام في مختلف دول العالم الديموقراطي يقوم بدوره الحقيقي زمن الكوارث، فإن الإعلام التونسي ما زال دون المطلوب، إذ يكتفي بملاحقة الكارثة بدل أن يسبقها، فيصبح ناقلا للمأساة وموثِّقا للفشل بصور الغرق وشهادات الضحايا ونداءات الاستغاثة ومشاهد الدمار في الطرقات و الأحياء والمباني… بدل أن يساهم في إنقاذ الأرواح عبر بث التحذيرات المرتكزة على تحاليل علمية دقيقة (بلا تهويل أو تهوين) و عبر استضافة خبراء حماية مدنية وأرصاد جوية وهندسة وبيئة، لإرشاد الناس إلى الأماكن الآمنة و كيفية التعامل مع ذروة التساقطات.
وللإعلام أيضا دور أساسيّ في مثل هذه الوضعيات يتمثل في مقاومة الشعبوية. فبدل تضخيم صور الزيارات الرسمية والتعاطف اللغوي ، عليه أن يطرح الأسئلة المهمّة حول مدى الاستعداد للتدخلات وطبيعة الآليات الموضوعة على ذمة المواطنين، وأن يبحث عمّا أُنجز منذ الكارثة السابقة، وأن يستقصي عن مدى تقدم المخططات والمشاريع وعن مدى تجسيد الوعود الفائتة، و أن يستفسر عمن يتحمّل المسؤولية، ويتساءل لماذا تتكرر الأخطاء نفسها؟ أي أن يقوم بدوره الاتصالي والتحسيسي الذي يساهم في رفع الوعي وحماية المجتمع خاصة زمن الأزمات.
لكن إعلامنا في تونس صارت غايته الإثارة و أخذ أصحابه _ إلا من رحم ربّك _ يتسابقون من أجل التشبه بالكروكوزات و جماعة الانستغرام، حتى صار خبر عركة على قرنيطة يتصدر صفحات وسائل الإعلام ” الكبرى”!