مفارقة عجيبة تخترق مجتمعنا وربما سائر المجتمعات العربية مفادها عموما أنه بقدر ما يتطوّر العالم وتُجنى ثمار الذكاء البشري في كل مجالات الحياة مثل تحسين جودة النوم وجبر العِظام وتيسير الولادة ودحر الأمراض والأوبئة واختصار المسافات وإتاحة المعرفة المجانية للجميع وتوفير الفرصة أمام الأمهات لتتفقّدن بناتهن أو أبنائهن لحظة بلحظة وبالصورة والصوت والقُبل الحيّة على بعد عشرات آلاف الأميال…
<strong>منصف الخميري<strong>
بقدر ما يجني العالم هذه الثمار ويتصاعد نسق توظيف العلم والتكنولوجيات الجديدة في تنمية رفاه الناس وتحسين ظروف عيشهم، بقدر ما نستثمر نحن بكل ما أوتينا من مخزون وجداني في إشاعة الخُرافة وتأصيل التخلف ورجم العقل وزرع الوهم المقدّس في صفوف المعوزين والمحتاجين ذهنيا وماديا. (تذكّروا جيدا آلاف الضحايا الذين أطاح بهم الجنّ العاشق على يد المشعوذ بلقاسم وصاحب البرّاد كمال المغربي، الحاصل على رخصة عمل رسمية كحكيم روحاني من وزارة الداخلية !).
كأننا اليوم أمام مظاهر جديدة للتوجيه الجامعي الموازي نحو مراكز عالمية متخصصة في تخريج أطباء نبويّين في علاج جميع الأسحار واضطرابات الأداء الجنسي وعلاج الربط بين الزوجين، أو نحو أكاديميات مشبوهة تدّعي الخِبرة في تكوين المدرّبين والكوتشات بكفاءات عالية في اختصاصات نادرة مثل تصنيع السعادة وتوليد الأمان وتحرير الانسان.
أطباء في علاج السّحر والمسّ من أكاديمية الطب الإسلامي العالمية (فرع تونس)… في انتظار الحصول على معادلة الشهائد من التعليم العالي !
لاحظوا أولا الدقة المدروسة بعناية في اختيار الاسم المسند إلى هذه المؤسسة، فهي أكاديمية وليست مجرد مؤسسة عادية، وليست متخصصة في العلاجات التقليدية العامة أو التمريض أو مرافقة المرضى بل مُتجرّئة على ادّعاء التخصّص في الطب كأحد أرقى العلوم وأدقّها وأكثرها تمتّعا بصورة إيجابية جدا في سلّم المهن في كل المجتمعات، ثم يُزجّ بالإسلام في التسمية لدغدغة إيمان الناس ومغازلة حسّهم الديني وإضفاء نوع من القداسة على مشروعهم… قبل أن يُضاف إلى كل ذلك صفة “العالمية“من أجل الإيهام بالعظمة والكونيّة واتساع رقعة الإشعاع. ثم يُشار ثانيا إلى أن هذه المؤسسة تُسند صفة الطالب إلى مرتاديها وتُمكّنهم من شهائد تخرّج مختومة وممضاة من قِبل المدرّب الشيخ ومدير الفرع بتونس …شهائد غير منقوصة إلا من عرضها على إدارة المعادلات بوزارة التعليم العالي لنيْل المعادلة العلميّة، كما يحصل مع خرّيجي مؤسسات التعليم العالي الخاص والجامعات الأجنبية.
شعوذة بثوب ديني أحيانا أو برداء التنمية البشرية أحيانا أخرى
هؤلاء لم يبنوا للأسف على تاريخنا المشرق في مجال الطب والعلوم بصفة عامة بل لجؤوا إلى السهولة والشعوذة وما يشبه النّصب والاحتيال في أحيان كثيرة.
وحتى يكون الجواب حائزا على أكبر قدر من الموضوعية، سألت تطبيقة “محايدة” ( تشات جي بي تي) عن أبرز أسماء الأطباء العرب والمسلمين الذي أسهموا بشكل كبير في تطوير الطب الكوني والعلوم القريبة منه (والذين تأثروا بدورهم بما كُتب في لغات أخرى مثل الفارسية واليونانية والصينية…) فأمدّتني مشكورة بقائمة طويلة من الأطباء العرب والمسلمين اكتفيت منها بالأسماء التالية :
ابن سينا الذي ظل مرجعا ثابتا في العلوم الطبية لمدة قرون بفضل تأليفه للموسوعة الطبية “القانون في الطب”،
ابن النفيس الذي اكتشف الدورة الدموية الصغيرة قبل ويليام هارفي في أوروبا.
أبو بكر الرازي الذي تميّز خاصة في مجال الصيدلة والعقاقير.
أبو القاسم الزهراوي الذي يعتبر أبا الجراحة الحديثة، صاحب كتاب “التصريف لمن عجز عن التأليف” وهو مؤلَّفٌ في الطب والممارسة الطبية يُعدُّ مرجعا في اختصاص الجراحة.
ابن الهيثم الذي نبغ في علم البصريات وطوّره تطويرا جذريا.
ابن زهر الأندلسي صاحب “كتاب التيسير في المداواة والتدبير”، ومما اشتهر به جراحة البلعوم ومعالجة أمراض الرئتين.
ابن رشد صاحب كتاب “الكليات في الطب” المترجم إلى اللاتينية تحت اسم Colliget الخ…
(غريب أمر اللاتينيين الذين يحوّلون كليّات إلى كوليجات وابن رشد إلى أفيرواس وابن زهر إلى آفنزوار…)
وعلى هذا الإرث العظيم الذي أبهر العالم وأغناه بل وأحياه، أسّسنا طبّا وهميا أشبه ما يكون بـــ “الدڨازة وقراءة الكفّ” أهم عناوينه الرّقية والرُّقاة والعين والحسد وعالم الجن والسحر والمس والصرع والحجامة النبوية (التي تعتبر ممارسة علاجية قديمة جدا استخدمها الصينيون والمصريون قديما واليوناني أبوقراط دون الحاجة إلى إكسابها طابعا نبويّا أو امبراطوريا).
أقول ببساطة إن الطب علمٌ إنسانيّ لا دين له، وأن الدّين ليس بحاجة إلى الطب ليكون دينا، لذلك ترى على سبيل المثال أطباء تونسيين يندمجون بشكل سريع جدا في أية بيئة طبية أجنبية تضعهم فيها، وأطباء صينيين يعملون في بعض مستشفياتنا التونسية دون صعوبات تذكر رغم عائق اللغة وتباين الثقافات، ومخابر طبية عالمية تعمل فيها باقتدار عالي كفاءات علمية من كل جنسيات العالم.
دكاكين التنمية البشرية عبارة عن مركّبات جامعيّة متعدّدة الاختصاصات
من نكد حظنا أن نرى اليوم أباطرة التنمية البشرية يدْعون الشباب إلى عدم إجهاد نفسه والبحث في مسالك التعليم الأكاديمي لبناء مستقبله إذ يكفيه دفع معاليم حضور دورات تدريبية سريعة (ويصل سعر الساعة التدريبية إلى حوالي ألف دولار في بعض بلداننا العربية) يشرف عليها مُدرّبون لا شهائد عليا لهم ولا بحوث علمية أنجزوها ولا إسهامات معترف بها في الدوريّات المُحكّمة (أكبرهم حاصل على شهادة شكر من وزارة الأوقاف كما في الحالة المصرية !!!) ولكن أغلبهم يتميّز بقدرة كبيرة على سلب عقول الحاضرين بواسطة التنويم والتنغيم وبث خطاب “ما يطلبه المستمعون” من قبيل”أنت عظيم ابحث عن الكنز الذي بداخلك” ! .
ومن أخطر ما عثرت عليه في هذا الباب وأنا أجوب صفحات التنمية البشرية على الويب، التحريض على الاستسلام ومعاداة بذل الجهد وبالتالي تبخيس العلم والمعرفة وثني الشباب عن إجهاد النفس في سبيل تحقيق مشاريعهم في الحياة. يقول أحد “المدرّبين” من مركز تونس الدولي للتنمية البشرية بتاريخ 15 سبتمبر 2020 :
“إن أجمل مراحل الوعي هي السّلام. فالحياة معركة تدور بين أناس قرروا أن يحاربوا بكل ما أوتوا من قوة لتحقيق سعادتهم، وفي النهاية لا أحد من المحاربين ينتصر، بل يكون النصر للذين لم يحاربوا من الأصل. استسلم، لا ترهق نفسك في التفكير، لا تقاوم ما يحدث لك، لا تعترض عليه، لا تنتقده، دع كل شيء يسير كما أراده الله وستفاجأ بالدنيا تأتيك وهي راغبة“.
والغريب أن كلاما مهزوما ومنكسرا مثل هذا يجد له جمهورا يُنصت إليه وينخرط بحماسة في انهزاميته ويدفع من أجله الأموال الكثيرة.
هذه الدكاكين المزدهرة تعلّم شبابنا أنه بدلا من متابعة دراسات جامعية مُؤَهّلة أكاديميا ومشهود بصدقيّتها عالميا في علم النفس على سبيل المثال، بإمكان أي كان أن يصبح مدرّبا (كوتش أفضل لأنها معصرنة ومُغرية أكثر ) في فوائد الضحك، ولماذا يكذب الرجال وتبكي النساء وكسر العادات السيئة وكيف تصبح انسانا شجاعا لا يمكن إيقافه أو مقاومته في كل مجالات حياتك، وفن الإغواء واكتشاف القوة السحرية لتصبح ثريا (هذه كلها عناوين كتب حقيقية في التنمية البشرية مبيعاتها بملايين النسخ).
وبدلا من دراسة الطب لمدة تفوق عشر سنوات قبل إدراك درجة التخصّص الأوّلي، بإمكانك دراسة “سرّ الشفاء بالطاقة الحيوية“. .. إذ يكفي “ترديد لقد شفيتَ.. لقد شفيتَ! والسّرّ هو.. أن تقولها بيقين!”.
يتبيّن كذلك أنه لا فائدة من دراسة علوم التصرف وإدارة الأعمال في المدارس العليا للتصرف والتجارة، لأن التنمية البشرية تُغنيك عن ذلك فهي تُعنى بالقدرة على “تحليل الأمور والابتكار في حل المشاكل وعلاجها والقدرة على تحمل أعباء العمل الميداني والمهارات القيادية”.
والصحافة وعلوم الاتصال يُعوضها “تعلّم أصول الفصاحة والبلاغة والقدرة على الخطابة والعمل في وكالات الأنباء …” كما يدّعي شيوخ التمنيات البشرية (والّي يتمنّى خير ملّي يستنّى).
أما شعبة التربية والتعليم، فالدعوة تكاد تكون صريحة لحجبها من عروض التكوين في التعليم العالي مادام مدرّبو التنمية الأشاوس يعلّمونك كيف “يتمّ استخدام أنماط تعلّم مختلفة : نمط التركيز، والنمط المنتشر… وكيف يجزّئ الدماغ المعلومات والتعرف على تقنيات الذاكرة ووهم الكفاءة والتعامل مع التسويف والتأجيل…”.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.
في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…
عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟
في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…
مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…
تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…
اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…
إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…
قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…
الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟
موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…
قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …
كنتُ بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مقالي الأسبوعي في جلنار، حين بلغ مسامعي صراخ وألم ووجع عائلات من قضَوْا تحت أكوام حجارة سور معهد المزونة، رحمهم الله.
تمرّد القلم بين أصابعي، ورفض إتمام ما بدأه والانصياع لأوامري، وما أكتب، معلنًا الحداد على من ماتوا، ووُئدت أحلامهم تحت حجارة سور جريح ينزف دم سنوات الإهمال والتخلي.
سور أصابته لعنة “باركينسون” تشريعاتنا المهترئة، فارتعش وجعًا. سور لم يرأف بحاله أحد من القائمين على شؤون ترميمه، وترميم ما يحيط به. سور سال دم جراحه، وأسال دم من مرّوا بجانبه وأمّنوه على أرواحهم. سور توجّع وتألم طويلًا، وبكى… ولم يسمع بكاءه أحد، حتى أبكى أمهات بعض من اعتادوا المرور بجانبه… سور تآكل، وبانت عورته، فغضب وانهار على من كانوا يمرّون بجانبه، يتكئون عليه، ويستظلون به من غضب الشمس وثورة الأحوال الجوية، وهم في طريقهم لطلب العلم.
الغريب ما قرأته بعد الفاجعة، وما سمعته من صراخ من خرجوا يهددون بالويل والثبور وعظائم الأمور. أغلب من خرجوا علينا يولولون، يطالبون بمحاسبة من تسبب في الفاجعة، ويطالبون بتحميل المسؤولية لكل من قصّر في أداء واجبه أو غفل عنه.
هكذا نقفز على كل وجع ومأساة، لنواصل الدعوة إلى الانتقام من كل ما سبق، ومن كل من سبقونا في تحمّل مسؤولية خدمة هذا الشعب… هل يجب أن ننتقم ونثأر بعد كل فاجعة أو فشل ممن سبقونا في تسيير شؤون مؤسسات البلاد؟ هل يجب أن نشيْطن كل من سبقونا في خدمة الوطن بعد كل وجع يشعر به جسد هذه الأمة؟ ألا يجدر بنا أن نعتبر مما حدث، ونبدأ بإصلاح حالنا وأحوالنا؟
أتساءل: ألا يتساءل أحدكم لماذا كل هذا العزوف عن تحمّل المسؤولية؟ أليس للفصل السادس والتسعين من المجلة الجزائية دور كبير في هذا العزوف، الذي أفرغ مؤسساتنا من كفاءات كنّا نفاخر بها، ونطمئن بوجودها على حالنا وحال مؤسساتنا وحال البلاد؟ ثم، أليس للفصل الرابع والعشرين من المرسوم عدد 54 نصيب مما نحن فيه، ومما عشناه ونعيشه؟ فمن كان يرى في السور عيبًا وخطرًا، لن يكتب عن الأمر، ولن يُنبّه لخطورته، خوفًا من أن يُتهم بنشر أخبار زائفة وإشاعات كاذبة…
ألم نغرق اليوم في وحل الفصل السادس والتسعين، ورعب المرسوم الرابع والخمسين؟ لماذا تنشر تشريعاتنا وبعض قوانيننا الخوف والرعب في نفوس كفاءاتنا، ومن يملكون القدرة على تحسين أوضاعنا؟ أيمكن للأمم أن ترتقي وهي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب من قوانينها؟ كيف نطلب من بعضنا خدمة الوطن وهم يعيشون رعب القانون، ورعب الحقد، ودعوات الإقصاء والثأر والانتقام من كل قديم، وكل مخالف في الرأي، وكل من لا يعلن لنا البيعة، ولا يقف صارخًا “مزغردًا”، مصفقًا لأخطائنا، ملمّعًا لفشلنا، داعيًا لنا بطول العمر وجزيل الثواب؟
يا من تستمتعون بوجع خصومكم، ومن لا تتفقون معهم، ومن تركوا أثرًا طيبًا وانتصروا عليكم بما حققوه وأنجزوه…الوطن أمانة بين أيادينا جميعًا، فجنّبوه الفتنة، وجنّبوه الأحقاد، وحافظوا على سور الوطن…ولا تخربوا سقفه، فإن انهار سقف الوطن، فنحن، نحن الشعب، من سيدفع الثمن… نعم… نحن الشعب من سيدفع الثمن.