تابعنا على

جلـ ... منار

معضلة المياه والطاقة: البحث عن حلول (ج 2)

نشرت

في

إذا عدنا الى بلادنا العربية التي يعمها الجفاف بشكل عام فإن العلاقة بين الطاقة والمياه تميل الى عدم التوازن المشار اليه في الجزء الأول من هذه المقالة إذ هناك فيض في الطاقة الشمسية وغيض في موارد المياه.

أ. د . طالب أبو شرار *

على نقيض حالنا، تتمتع أقطار عديدة بالتوازن بين هذين الموردين الطبيعيين بعضهما البعض وبينهما وبين عدد السكان كما هو الحال نسبيا في الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا الإتحادية والأرجنتين والبرازيل بل وحتى الصين والهند اللتين كانتا الى فترة لا تتجاوز نصف قرن من الزمان من الدول المستوردة للغذاء وانتقلتا الى مستوى الكفاية في نهاية الستينات من القرن الماضي في أعتاب ما عرف بالثورة الخضراء. فإذا اتضحت متلازمة العلاقة بين الماء والطاقة فإن من الممكن استثمار الطاقة في توليد المياه العذبة من المياه المالحة. بداية، لجأ الإنسان الى أبسط الوسائل المتمثلة بتبخير الماء المالح أي تحويله الى غاز الماء النقي.

هذه العملية بحاجة الى طاقة كبيرة، ثم إن تكثيف غاز الماء الى سائل هو أيضا عملية بحاجة الى طاقة تستثمر في عملية التبريد لتحويل البخار الى سائل. على سبيل المثال، تلزم طاقة مقدارها 2443 كيلو جول أو 584 كالوري لتبخير كيلوغرام واحد من الماء السائل الى بخار عند درجة حرارة 25 مائوية. هذه كمية مفرطة من الطاقة وهي توضح بطء ارتفاع درجة حرارة المسطحات المائية عند تعرضها لأشعة الشمس نهارا. و تستخدم تلك التقنية في تحلية مياه البحر خاصة في حالات توليد الكهرباء إذ تستخدم مياه البحر في عملية تبريد التوربينات المولدة للطاقة ثم يجري تبخير تلك المياه الحارة باستهلاك القليل من الطاقة نسبيا للحصول على بخار الماء العذب الذي يتم تكثيفه للحصول على سائل الماء المقطر.

منذ عقود قليلة وبتطور تقنيات صناعة الأغشية الجزيئية من مبلمرات (أو بوليميرات) عضوية ذات فتحات متناهية الصغر لا تسمح بعبور معظم الأيونات (الشوارد) الذائبة في الماء وهي عبارة عن كريات صلبة ذات أقطار تقاس ببضع نانومترات. النانومتر هو وحدة قياس تعادل مترا واحدا من ألف مليون متر. وبفهم العلاقة الفيزيائية بين الأملاح الذائبة وانخفاض طاقة الماء أو ما يعرف بالجهد الأوسموزي تغير نمط التفكير الإنساني على النحو التالي: لو كان لدينا حجرتان مفصولتان بجدار من غشاء المبلمرات المدعم ميكانيكيا  بشبكة صلبة ووضعنا ماء مالحا في إحدى الحجرتين ثم ضغطنا الهواء في أعلى تلك الحجرة فإن الماء الملحي سيكتسب طاقة إضافية تمكنه من عبور الغشاء المبلمر دون مصاحبة الشوارد الذائبة أي أننا سنحصل على ماء نقي دونما حاجة الى استهلاك كم هائل من الطاقة اللازمة لتحويل سائل الماء الى غاز ثم من جديد تحويل الغاز الى سائل عن طريق التبريد. هذه طريفة اقتصادية للحصول على الماء العذب وهي الطريقة السائدة هذ ه الأيام خاصة في حالة المناطق الساحلية التي ليست بحاجة الى مزاوجة تخليق الطاقة الكهربائية وتحلية المياه وتعرف بالتناضح العكسي. كلفة تحلية متر مكعب من المياه العذبة بهذه الطريقة لا تتجاوز نصف الدولار الأمريكي. ولأنها تقنية سهلة التطبيق فقد شاع استعمالها لتحلية المياه على مستوى الوحدات السكنية ويعرفها العامة بالفلتر.

السؤال الأكثر الحاحا هو كيف يمكننا الحصول على طاقة رخيصة وصديقة للبيئة في ظل معضلة الاحترار الكوني وما يلاحظ هذه الأيام من انتشار حرائق الغابات على امتداد مساحة نصف الكرة الأرضية الشمالي والتي تأكل الأخضر واليابس وتترك الأرض خلفها قاعا صفصفا. تستقبل الأرض على حافة غلافها الجوي ما معدله السنوي 1361 واط لكل متر مربع من طاقة الإشعاع الشمسي المكونة من طيف عريض من الإشعاعات.  هنا لابد من التنويه الى أن الواط يعادل جولا واحدا في الثانية أي أننا عندما نقول إن هذه اللمبة تستهلك خمسين واطا فإننا نعني أنها تستهلك خمسين جولا في الثانية خلال فترة إضاءتها. بناء على ما سبق، فإن ما يصل السطح الخارجي للغلاف الجوي لكوكبنا هو 1361 جولا لكل متر مربع في الثانية الواحدة. وبسبب عوامل عديدة كامتصاص الطاقة بواسطة العديد من الجزيئات الكيميائية أو الغيوم أو تشتتها بواسطة دقائق العوالق الصلبة في الغلاف الجوي فإن ما يصل من طاقة الشمس عندما تكون عمودية فوق مستوى سطح البحر في يوم صاف هو نحو 1000 واط للمتر المربع لكن متوسط هذا الرقم السنوي ينخفض الى 340 واط للمتر المربع. بالطبع، تقل هذه الطاقة عندما نتحدث عن سطح صحراء متربة كما هو حال معظم مساحات بلادنا العربية أو مناطق جغرافية كثيرة الغيوم. هنا تجدر الإشارة الى أن ما يصل سطح الأرض من طاقة الإشعاع الشمسي في غضون ساعتين من الزمن يعادل ما تستهلكه البشرية من طاقة طيلة عام كامل.

منذ تطور الحياة النباتية الخضراء أي المحتوية على اليخضور (الكلوروفيل) تمكنت تلك الكائنات الحية من تطوير مركبات كيميائية تستطيع اقتناص الطاقة الإشعاعية للشمس وتخزينها على صورة روابط كيميائية تستخدم في بناء أجسامها وإجراء عمليات الأيض (التمثيل الغذائي). نطلق على تلك النباتات وبعض أصناف البكتيريا صفة “ذاتية التغذية” أي التي لا تحتاج الى مواد عضوية بل تخلق تلك المواد من ثاني أكسيد الكربون والماء من أجل النمو وممارسة أنشطتها الحيوية. وبتطور الحياة، نشأت أنواع حيوية متباينة منها الحيوانات التي تلتهم المادة العضوية النباتية وتستخدمها في بناء أجسامها وممارسة أنشطتها الحيوية كالحركة والدفء عن طريق عمليات الهضم وتحرير مخزون المادة العضوية من الطاقة.

وبتطور وعي الإنسان (الذي يعتاش على النباتات ولحوم الحيوانات المعتاشة بدورها على النباتات) لاحظ أن حرق المادة العضوية النباتية يولد طاقة مفيدة استخدمها للتدفئة ثم لشواء أو طهي طعامه. هذه النار “الأسطورية” كانت الدافع وراء تأليهها من قبل بعض الحضارات. استمر الإنسان في استثمار الحرارة الكامنة في التركيبات العضوية غذاء وكساء عبر عمره الحضاري تقريبا حتى بداية الثورة الصناعية حيث تمكن الإنسان من ربط حرارة الحرق الكيميائي للمركبات العضوية بإمكانية توليد طاقة ميكانيكية ناجمة عن حصر بخار الماء المتولد في حيز مغلق يتم إطلاقه على دفعات تمكن من تحريك عمود محوري يؤدي دورانه الى حركة عجلات حديدية فكانت بداية ثورة صناعية في عالم الترحال والنقل والاستكشاف والاختلاط الإنساني. وبعد فترة قصيرة أمكن للإنسان إجراء عملية الحرق الكيميائي في حيز مغلق يولد طاقة حركية متعاظمة فكان عصر آلات الاحتراق الداخلي الذي نحن على عتبات وداعه بل ووداع عصر الاعتماد على النبات للحصول على الطاقة عن طريق الحرق العضوي …..

(يتبع)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* أستاذ الأراضي والمياه ـ الجامعة الأردنية

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جلـ ... منار

في البدء… كانت الأمومة

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفاء سلطان

وصلتني رسالة من شابة مقهورة، وكعادة أغلب الشابات اللواتي تعرضن لمعاملة ظالمة، قالت في رسالتها: (أمي كانت عدوتي الأولى)، لذلك آثرت أن أعيد نشر هذا البوست

وفاء سلطان

يحكى أن قبيلة كانت تعيش على قمة جبل، وتتحكم بقبيلة أخرى ضعيفة تعيش في أسفل الوادي. أحد الأيام، وانطلاقا من غطرستها، قامت عصابة من القبيلة القوية بالهجوم على القبيلة الضعيفة لتنهبها، ومن ضمن الغنائم سرقت طفلا رضيعا. كادت الأم تفقد أعصابها، وراحت ترجو القائمين على شؤون قبيلتها، أن يحاربوا القبيلة المتغطرسة أملا في استرجاع الطفل. بعد عدة أيام قرر الرجال، بعد أن جهزوا جيشا، أن يغزو القبيلة المعتدية، وراحت أرتالهم تتسلق الهضاب المحيطة بالقمة أثناء الليل، وإذا بهم يُفاجؤون بالأم وهي تركض من القمة باتجاه الوادي وقد احتضنت رضيعها.

صاح بها قائد الجيش: ويحك، كيف فعلت ذلك؟

تابعت مسيرها، وهي تقول: لو كنتَ أُمّا لعرفتَ كيف

…….

سمعت سيدة أمريكية أن استعراضا عسكريا سيتم في ساحة مدينتها، وسيشارك به ابنها المتطوع. شعرت بالفخر وأرادت أن ترافقها جارتها، كي تنفش ريشها أمامها مزهوة بآدائه. وقفت السيدتان على الرصيف يراقبن العرض الجميل، فلاحظت الأم إن كل حركة يقوم بها الجنود يعمل ابنها عكسها!

إذا خبطوا أقدامهم اليسرى يخبط هو اليمنى، وإذا لفوا إلى اليسار يلف هو إلى اليمين، وما شابه ذلك.

صاحت عندها مزهوة:

انظري…انظري إلى ابني، باركه الله، هو وحده الذي أتقن مراسيم الاستعراض

…….

للغراب رقبة تلمع من شدة السواد، فتبدو أحيانا تحت أشعة الشمس وكأنها زرقاء. كانت ستي أم علي تقص علينا حكاية تلك الرقبة، يسربلها يقين أقوى من إيمان أنشتاين بنظريته “النسبية”:

– ياعين ستك، النبي سليمان عليه السلام أعطى أنثى الغراب عقدا أزرق، وقال لها:

اذهبي وضعيه في رقبة أجمل المخلوقات”

لفّت الكرة الأرضية، ثم عادت لتعلقه برقبة ابنها،

ومن يومها ورقبة الغراب تبدو زرقاء، بعد أن اختارته أمه كأجمل المخلوقات، رغم قباحته وشدة سواده!

…….

تلك هي الأمومة قصة سرمدية وعلاقة لغزية،

لا أحد يعرف كنهها وسر قوتها،

باستثناء قول أفريقي مأثور:

أراد الله أن يتواجد في كل مكان فخلق الأمهات

…….

اغفروا للأمهات انحيازهن لأولادهن، فهو الإنحياز الوحيد العادل، لأنه يحافظ على استمرار الحياة

عندما تنحاز لك أمك تمسّك بما انحازت له من جميل وصدّقه، سواء كان وهما أم حقيقة،

فوَهْم الأمهات يصبح حقيقة في حياة الأولاد!

وأنت أيتها الأم آمني بكل ماهو جيد لدى أطفالك،

لأن ايمانك يصبح مع الزمن ايمانهم،

وإيّاك أن تري فيهم سوءا أو شرّا كي لا يصبحوا مع الزمن سيئين وأشرارا.

…….

ليست كل والدة أما، وليست كل أم والدة!

لا تُمنح الأنثى تاج الأمومة بمجرد أن تنجب، وليس من العدل أن تحرم منه لأنها لم تنجب، فكل أنثى قادرة على أن تكون أمّا، بشكل أو بآخر…

لقد كانت جدتي (أم علي) أما لي أكثر مما كانت أمي. لا أنسى في حياتي، كيف وبعد أن رويت لها حلما، وكنت مازلت طفلة، حملقت في عينيّ مليا، ثم أطرقت رأسها بعد تفكير، وتمتمت:

ستكونين يا عين ستك… ستكونين…

ستكونين… الله أعلم!

وتابعت: ياله من حلم غريب وجميل

ولقد صرتُ ماقالته جدتي بين عباراتها، والذي لم تبح به خوفا من أن تتعدى على مهنة الله في معرفة الغيب!

…….

كل الأمهات يعرفن الغيب عندما يتعلق الأمر بمستقبل أطفالهن، ولكي تتأكدوا اسألوا بيكاسو، فعلى ذمته

قالت له أمه:

إذا كبرت وانتسبت إلى الجيش ستصبح جنرالا…

وإذا عملت في الكنيسة ستصبح البابا….

وإذا تاجرت ستملك أكبر شركة…

يتابع بيكاسو:

ولكنني اتّخذت من الرسم طريقا، وأصبحت بيكاسو!

كانت امه تدرك أنه سيبدع أينما كان،

وكانت جدتي تعرف من سأكون…

كل عيد أم أطبع قبلة على صورة أم علي، وأتحسس روحها في سماء بيتي

…….

يبارك الإله للأمّهات المهمة المقدسة التي يقمن بها،

والتي من خلالها يجسدن ألوهيته،

ويعوّضن عن تواجده!

…….

لكن الحقيقة الموجعة:

ولأن الأم خلقت لتبني إنسانا،

تبقى قوتها المدمّرة هي الأكثر خرابا لو فشلت في تلك المهمة.

نعم، أزمتنا أزمة أمهات

أكمل القراءة

جلـ ... منار

الكتب… بين الاقتراض والقوارض

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أحمد خالد توفيق

لا أعتقد أن أبي يرحمه الله قد أقرض أي كتاب في حياته، ولو فعل فلأنه كان يحتفظ بنسختين من ذات الكتاب.. كان يؤمن أن الكتب أشياء خصوصية جدا مثل الثياب الداخلية والزوجة وبطاقة الهوية.. لا تصلح إلا لصاحبها ولا يمكن أن تقرضها إلا لو كنت مجنونا..

كان كذلك يؤمن بأن الأبناء يأتون العالم كي يبددوا الثروات التي تعب الآباء في جمعها، ومن ضمن هذه الثروات الكتب..

لم آخذ كلامه بجدية إلا عندما وقفت أمام مكتبتي التي هي مكتبته مع إضافات قليلة مني، فوجدت أرففًا بأكملها قد خلت من محتوياتها بسبب الإقراض..

معظم الناس يعتبرون أن كلمتي (استعارة) و(أخذ) كلمة واحدة، والتفرقة بينهما نوع من التزيد اللغوي لا مجال له؛ لهذا يقف الواحد من هؤلاء أمام مكتبتي – إذا قرر زيارتي – وتلتمع عيناه بالخاطر الجديد: لقد قرر أن يكون مثقفًا فجأة!. هكذا ينقب بين صفوف الكتب وينتقي هذا الكتاب.. وهذا.. وذاك.. فجأة صار مهتما بأدب أمريكا اللاتينية وتاريخ جائزة نوبل والتركيب الإداري لجهاز الموساد وفنون زراعة الأرز في الملايو وعلم السيبرنية.. في النهاية يضطر إلى أن يستخدم کیسًا من البلاستيك، لدرجة أشعر معها أن الأمر يتعلق بشراء طماطم من السوق لا اقتراض کتب..

ـ”لا تقلق.. أنا أحافظ على الكتب جيدا.. “

يكررها في كل مرة وهو يتجه لاهثا إلى الباب حاملا هذا الكنز ثقيل الوزن..

الآن مر شهر وشهران دون أن يعود أي كتاب.. أتصل به لأقول في خجل إنني أطمئن فقط على كون الكتب راقت له. يتساءل في حيرة: أية كتب؟

في النهاية يتذكر فيبدأ في الرثاء لنفسه لأنه كائن مشغول لا يجد الوقت الكافي ليأكل فما بالك بالقراءة؟.. سوف تعود كتبك.. لا تخف.. أنا أحافظ على الكتب جيدا.. .

شهر.. ثلاثة أشهر.. الآن صارت الكتب حقا مكتسبا له بحكم القدم، وصرت أنا سمجا كالبراغيث.. أسأله وأنا أجفف العرق على جبهتي عن مصير الكتب فيهتز ضحكًا، وينظر لي نظرة طويلة ساخرة قاسية.. لقد تغيرت النفوس.. لم يعد الإنسان قادرًا على تحمل أخيه الإنسان..

أشعر بخجل شديد من نفسي لأنني جرحت سلامه النفسي ولأنني متلهف على كتبي إلى هذا الحد، بينما لديه مشاكل لا تنتهي ولا وقت عنده لهذا السخف..

في النهاية يتحول الأمر إلى وغد لحوح – هو أنا – لا يكف عن تسول شيء ليس من حقه. ويحاول صديقي النبيل أن يعاملني بالحسنى وألا يجرح مشاعري لكنني بصراحة اضغط عليه أكثر من اللازم.. في النهاية ينفجر فيّ:

ـ”هي مجرد کتب.. وأنت لن تفسد صداقتنا من أجل بضعة كتب.. بصراحة لا أذكر أنني أخذت أية كتب منك ولا أذكر مكانها، لكن هذا لا يكفي كي تجعل حياتي جحيما!”

هكذا أتلقي درسًا قاسيًا.. لا تضغط على أعصاب الحليم أكثر من اللازم.. الحق إنني سعيد الحظ لكون هؤلاء العقلاء شديدي الحلم أصدقائي..

مؤخرًا جاءني صديق تم انتدابه للعمل في منطقة صحراوية نائية. صديقي هذا طراز آخر من المقترضين.. هؤلاء الذين يقسمون أغلظ الإيمان على أنهم أعادوا لك الكتب التي اقترضوها وأنت تؤكد العكس.. وبما أنه لا يوجد إثبات وأنت لم تستكتبهم إيصالا فإنك تبتلع غيظك وتصمت..|

قال لي صاحبي متوسلا:

ـ”سواء كنت تقبل إقراض الكتب أم لا، فعليك أن تقرضني مجموعة محترمة وإلا قتلني الملل.. أريد مجموعة ممتعة من الروايات.. “

رققت لحاله من ثم انتقيت من مكتبتی رواية (إيفانهو) للسير (والتر سکوت)، وحجمها يقرب من حجم دليل هاتف الصين ، وقلت له إنها رواية ممتعة وسوف يقضي معها أسعد الأوقات.

عندما عاد بعد ستة أشهر أخرج لي الرواية من حقيبته، ونظر لي بعينين جاحظتين وقال:

“إليك روايتك الكابوس !.. لقد قضيت أسود ساعات حياتي معها.. مالي أنا والفارس النبيل فلان الذي ينتظر في الغابة قدوم الفارس علان ليختبر ولاءه للملك و.. هذه قصة لا تنتهي .. “

قلت له:

.”بالضبط .. هذا ما قصدته.. لو أقرضتك رواية مسلية الانتهت خلال ثلاثة أيام، بينما هذه الرواية المملة اللعينة تحتاج إلى حكم بالمؤبد کي تنتهي منها.. عرفت أن ستة الأشهر ستنتهي وأنت لم تفرغ من أول مائة صفحة بعد. أضف لهذا أنني أمقتها ولن يشكل فقدها أية خسارة بالنسبة لي…”

على كل حال لم يبق في مكتبتي إلا الكتب المملة والكئيبة وخامدة الذكر مثل إيفانهو وسواها، لهذا وصلت إلى حالة السلام النفسي ولم يعد أحد يقترض أية كتب مني على الإطلاق..

هل ترغب في اقتراض مجموعة كتب تشرح بالتفصيل تطور صناعة المطاط في فيتنام؟.. لا مشكلة عندي.. خذها متى شئت فأنت صديقي.. أنت أخي..

أكمل القراءة

جلـ ... منار

للحياة أوّلا

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفاء سلطان:

كنت أراقب مرّة فيلما وثائقيا عن حياة الإرهابي أبو مصعب الزرقاوي.

الفيلم صوّر البيت الذي ولد وتربى فيه،

وجاء في التقرير المرافق:

شرفة البيت كانت تطلّ على مقبرة!

ويتابع: ماذا تتوقعون من طفل قضى طفولته كلها لا يرى من شرفته إلا القبور!

***

يبدو أنه محكوم على السوريين أن يعيشوا داخل مقبرة

القاتل والمقتول فقد سلامه، ولا يمكن لأحد منهم أن يكون سعيدا، فالسعادة لا تنبع من روح مضطربة،

والقتل والإنتقام هما عوامل الإضطراب

كنت في الصف الثامن عندما راحت معلمة العربي تتغزل بقول الشاعر محمود درويش:

للطلقة في صدر فاشستي سأغني

فانتصبت وقلت برباطة جأش:

قد اضطرّ أن أقتل فاشستيا، لكنني لن أغنّي للطلقة في صدره، فستموت الأغنية في قلبي في اللحظة التي أقتله !

لم نعد نسمع أغنية سوريّة، فلقد اختنق الصوت في صدر الجميع قاتلا ومقتولا.

لا أذكر من قال:

The world is beautiful outside when there is stability inside

(العالم الخارجي سيكون جميلا عندما يكون عالمك الداخلي مستقرأ)

لكنني أذكر أن شاعرة الحب الإنكليزية Percy Best Shelley هي من قالت:

Nor peace within nor calm around

(مالم يوجد سلام في داخلك لا يمكن أن توجد سكينة حولك)

الواقع المعيش في أي بلد على سطح الأرض هو انعكاس لطبيعة الروح “الجمعيّة” لذلك البلد!

فما بالك عندما تكون تلك الروح وليدة لثقافة: نعشق الموت كما يعشق عدونا الحياة؟

***

منذ أنا وعيت تلك الحقائق وأنا أغني للحياة..

وللسلام…

وأذرف في الوقت نفسه دمعة على القاتل

قبل المقتول

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار