جور نار
ورقات يتيم … الورقة رقم 3
نشرت
قبل سنتينفي

عبد الكريم قطاطة:
كان اليوم الاول للدخول الى التعليم الابتدائي في ذلك الزمن بمثابة اعلان ولادة جديدة لأي طفل … سنة 1955 وبمناسبة انعقاد مؤتمر الحزب الدستوري التونسي بصفاقس، وبالتحديد بالحي الزيتوني (معهد 15 نوفمبر حاليا) كانت سنة دخولي لمدرسة فرانكوآراب بساقية الزيت …

ومما اذكره في تلك السنة خروج اهالي الساقية لاستقبال شعبي كبير ترحيبا بالزعيم الحبيب بورقيبة …انذاك كان والدي رحمه الله يحملني على ظهره لا فقط لاتمكن من مشاهدة الزعيم بل خوفا على ولده من ان يداس بين الاقدام وهو الذي كلو على بعضو لا يزن اكثر من 20 كلغ …كنت نحيفا جدا (وبقيت تقريبا على تلك الحال حتى يومنا هذا) وتلك النحافة عرضا وطولا كانت سببا في علاقة عاطفية جد متينة بيني وبين سائر المربين و “شاوش” المدرسة سي محمد الجلاصي هكذا كانوا يسمونه رحمه الله …كان تعاطفهم مع عبدالكريم الصغنن كبيرا (حنية وعطف كبيران) وحتى عندما انتقلت الى مدرسة الفتيات في وادي القراوة انذاك بموجب قرار الاختلاط في السنة الخامسة من التعليم الابتدائي (وانا واحد من التلاميذ العقلاء الدافئين اللي لا ينبشوا لا يخبشوا) … هكذا كان ظنهم وهم والله مخطئون لأنو اتعدى على واد هرهار وما تتعداش على واد ساكت …وياما تحت السواهي دواهي وستكتشفون ذلك في بقية الورقات …
حتى عندما انتقلت الى تلك المدرسة اوصى شاوش المدرسة بالساقية زوجته التي كانت تقوم بنفس المهمة في مدرسة الفتيات، برعاية عبدالكريم او “كريّم” بالشدة فوق الياء، وهو اسمي الشائع في كامل محيطي …حومة واهل واصدقاء واتراب التعليم في كل مراحله … فاطمة زوجة سي محمد الجلاصي رحمهما الله كانت اكثر حنية من زوجها ..كنت واحدا من ابنائها المدللين وكنت سواء معها او مع زوجها ذلك الذي ينعم بأيديهما في الشتاء القارس وهما يفركان يدي حتى يبعثا فيهما الحرارة …واذ احمد الله على شيء فإني وبعد عودتي من فرنسا سنة 1979 وانا احمل بين دفاتري شهادة عليا في العلوم السمعية البصرية اختصاص اخراج، لم اكن مختالا فخورا بما احرزت عليه متناسيا جاحدا لجذوري …بل كان مشروعي الاول ان اعود لهؤلاء وامثالهم لاقبل اياديهم ولاقول لهم لولاكم ما كنت ان اكون ….
وكانت اول زيارة بعد بحث دام اشهر عن عناوينهم كانت لسي محمد وللة فاطمة …وعثرت عليهما بعد لأي بنصرالله بولاية القيروان بعد تقاعدهما … حيث عادا الى مسقط راسيهما …. كان لقاء غير عادي لقاء الاحضان بين اب وام وابنهما بعد 20 سنة …كنت سعيدا بسعادتهما وكنت اكثر سعادة وهما يقولان ..(ربينا وما خبناش) … نفس بحثي عمن وضعوا حجر الاساس لشخصيتي …لحياتي …لنجاحي …كان هدفه اللقاء مع المربي الفاضل السيد بشير شراد معلمي بالثالثة ابتدائي …هذا وايضا بعد لأي وعناء كبيرين وجدته بأريانة …بتونس العاصمة ووجدته كما عرفته قمة الهدوء والبسمة الخفيفة التي لا تفارق محياه .. وهذا الذي كانت والدتي لا تطيق اجوبته وهي تشتكيه من قلة مذاكرتي فيجيبها بنفس الهدوء “خليه يلعب انا فرحان بيه” …
طبعا دون نسيان المربين الاخرين في الابتدائي (المرحومين على الشعري وعلي الطرابلسي) وفي الثانوي استاذي في الآداب العربية، الفاضل محسن الحبيب متعه الله بالصحة والذي اهداني احد مؤلفاته عن تجربته في التعليم وخصص جزءا منها للحديث عن ابنه عبدالكريم ـ الاذاعي ـ عندما كنت احد تلامذته المتفوقين في مادة العربية ….و كذلك استاذي الكبير محمد صالح الهرماسي، استاذ التاريخ والجغرافيا سنة الباكالوريا، والذي كان له تاثير كبير جدا على كل تلاميذ الباكالوريا في نهاية الستينات بمعهد الحي، والذي بحثت عنه في دمشق باعتباره يشتغل في منصب سياسي مرموق جدا …اذ اني لم انس عندما شاركت في دورة تدريبية للاتحاد العربي للاذاعة واللتيفزيون بدمشق سنة 1996، ان اسأل عنه لالتقيه … وذهبت حتى إلى مقر حزب البعث الذي ينتمي اليه ولاسفي الكبير كان في تلك الفترة في سويسرا في مهمة خاصة ..
و كذلك المرحوم رشيد الحبيب استاذ التفكير الاسلامي في سنة الباكالوريا، استاذ الكاريزما واستاذ الغيرة على رسول الله (ذات مرة وهو يقص علينا مآثر خاتم الانبياء لمح تلميذا “يتضيحك” فما كان من سي رشيد الا ان انهال عليه (بصفة شلبوق) لا يقرا لا يكتب، مزمجرا غاضبا صائح: “اتضحك على محمد بن عبد الله ؟؟؟” …. نفس سي رشيد وبعد سن متقدمة هو الذي كنت احيانا اصلي وراءه صلاة الجمعة كامام بجامع المنار … وبعدها وانا اذهب لاسلم عليه كان يلح دوما على ان اتوجه له بملاحظات نقدية حول خطبته …وكنت اخجل من مثل سؤاله …وارد عليه بـ (يا استاذ راني تلميذك وانت الاستاذ) .. .ولكنه كان يقسم باغلظ الايمان انه يريد ملاحظاتي وانه معتز بي كاحد تلامذته الذي اصبحت له مكانة مرموقة ـ حسب تعبيره ـ في المجتمع …
ثم اذ انسى فاني لا انسى معلمي الفاضل الشيخ الامام علي الشعري الذي درسني العربية في السنتين الاخيرتين من مرحلتي الابتدائية، والذي كان ذا كاريزما رهيبة ايضا ..كنا نرتعد خوفا منه ولكننا كنا نحبه كذلك بشكل لا يوصف خاصة عند تدريسه لمادة التاريخ ..هو قمة الروعة باسلوبه الروائي المشوق … ولعل من الاوسمة في حياتي يوم دعاني الى منزله في احد اعياد الفطر …يومها احضر لي كل اولاده وبناته واحفاده وقدمني لهم بقوله (هذا اخوكم الذي لم تلده امكم، هذا الذي يشرفني وافتخر به كلما سمعت نقشاته في المذياع ….وكم حدثتكم عنه) … وتراني اتصبب عرقا من كل ما ذكر واردف بالقول …العفو يا سيدي انتوما الساس وما نحن الا “ياجورة” متواضعة امامكم .ثم يدخل الى غرفته ليخرج لي ورقة (دوبلوفاي) … ويا لقمة سعادتي …انها واحدة من تمارين الانشاء التي كتبتها بخط يدي وانا في سنة السيزيام …وهاوهو سي علي الشعري يحتفظ بها ليقدمها لي كواحدة من اعظم الهدايا التي تحصلت عليها في عمري …
انا من اولئك الذين تألقوا جدا في مرحلتين من عمرهم …الابتدائي والعالي اما مرحلة الثانوية فكانت مرحلة غريبة وعجيبة في حياتي … تلميذ متوسط للغاية والبقية ستأتي …تألقي في الابتدائي كان منذ السنة الاولى من ذلك التعليم …لم ادرس سوى شهر واحد
وتمت نقلتي الى السنة الثانية ؟؟؟؟…….. هكذا قرر الاطار المدرسي انذاك …وكنت طيلة تعلّمي الابتدائي مرسما في كل امتحان الاول وفي اسوأ الحالات الثاني او الثالث … وكانت هديتي في كل شهر (الامتحانات كانت كل شهر) ربع خبزة بالطلوق من عند كوشة الفريخة التهمها التهاما (ڨدمة على ڨدمة) …وبعد اربعة اشهر يدفع ابي 20 مليما ثمن الخبزة .انذاك …والاغرب في كل هذا اني لم اكن (محراث خدمة) كما يعبرون عن اولئك الذين يذاكرون ليلا نهارا … وعلى ذكر محراث قراية اعرف واحدا من هؤلاء كان لا يمارس اي نشاط لا رياضي ولا ثقافي خارج اوقات الدراسةا همه الوحيد والاوحد الانكباب الكلي على حفظ كل ما يدرس عن ظهر قلب ….ومن المضحكات والتي هي فعلا مبكيات انه حتى في دراسته العليا (حقوق) كان يسهر ليلا نهارا لحفظ كتب القانون …نعم يحفظ الكتب عن ظهر قلب … __بهيم متاع قراية __وبما ان الاحمرة على بعضها تقع …. فانه تقلد فيما بعد اعلى المسؤوليات …ولكن ….اين الغرابة في ذلك ؟؟…اليست عديد المسؤوليات قديما وحديثا هي اقرب للاحمرة منها الى من يستحقون ؟؟؟….
كنت في الابتدائي اركز كثيرا في القسم … وهز ايدك من المرق لا تتحرق …وربما من هنا تتفهمون انشغال والدتي بمصيري وانا الذي لا اذاكر الا نادرا ونادرا جدا وهي التي عقدت آمالها على الولد الوحيد لا فقط في عائلتها بل في كامل قبيلة الحوش الذي نقطنه ..الوحيد الذي دخل للمدرسة، في العائلة … وحتى ابن عمي وهو الوحيد ايضا في عائلته الذي دخل المدرسة (في فلسفة القبيلة °المدرسة محرمة على الاناث)… ابن عمي لم يحالفه الحظ ولم ينجح في نيل شهادة السيزيام … كان كثير الاستمرار في كل فصل ..هو يكبرني بـ3 سنوات و ووصلنا معا في نفس السنة لنجتاز مناظرة السيزيام… دخلناها معا …ولم يكن من الناجحين …مما حول الحوش الى مأتم عوض الفرح نجحت انا حيث اخفق هو …اذن كيف نفرح وابن العم لم ينجح ؟؟؟…. وحتى جريدة الصباح (المصدر الاعلامي الوحيد للاعلان على نتائج السيزيام في ذلك العهد) كنا في عائلتي نخفيها عن الاعين حتى لا تبدو فرحتنا شماتة لعائلة عمي ….
في الابتدائي لم اكن من التلاميذ المشاكسين على عكس الثانوي وما تلاه …بل كنت اخاف جدا من المربين رغم حنيتهم معي …ذات يوم وانا في الثالثة ابتدائية (سنة ختاني) نعم اجهزوا على كريم بعد ان انتظروا اخا له حتى يتم ختان الاثنين معا … لم تكن العائلة ماديا قادرة على ذلك ولكن ماديا ثم وهو ربما الامر الايجابي الوحيد، العائلة كانت تدخر لمثل تلك المناسبات حتى يكون الاحتفال في قيمة الحدث … ونظرا إلى سني المتقدمة فاني اذكر تفاصيل تفاصيل الاحتفال بذلك اليوم الاغر والاغبر …فرقة سي محمد الدريدي رحمه الله التي انتصبت وسط الحوش تشدو باعذب الاغاني وابي يتمايل مع الاهل والاصدقاء من المولعين بشفيق جلال واغنيته البوز انذاك (اشلوننا) وخاصة بموالها الشهير (يا غدار يا زمن). واذكر جيدا الوليمة التي اعدت للضيوف والتي فيها ما لذ وطاب من مآكل يصح عليها القول (زوروني كل سنة مرة) … ظروف يا سيدي الرئيس… وهذا الاخ لم يات الا بعد ثماني سنوات من عمري … وصحة ليه رحمه الله لم يعش ولم يذق مرارة وقساوة والم ما عشته .وعلى كل ورغم قساوة الطهار العربي بن عبدالله رحمه الله … احمد الله على ان اخي لم يتاخر الى سن الخامسة عشر مثلا ..ربما انذاك قاموا بختاني وتزويجي في نفس المناسبة …. محظوظ اليس كذلك ؟؟؟
اعود الى ذلك اليوم وانا في الثالثة ابتدائي حيث شعرت بالحاجة للذهاب الى مراحيض المدرسة …كنت اتعصر واحاول ان اؤخر عمل اليوم الى الغد __اقصد غائط التو الى ما بعد __لأني كنت اخاف ردة فعل المعلم …رغم انه لا شيء يوحي بغلظته …وتعسفت على معدتي وجهازي الهضمي طالبا __بونيس __من الوقت في انتظار انتهاء الدرس …وخيل لي اني نجحت في جلب عطفهما …. الا اني فوجئت بشلال __هذه اقرؤها باللغتين العربية والعامية مع المعذرة للمتقززين __فوجئت بذلك الشلال يكتسح الحواجز ويبلل ويعطر سروالي القولف ……يا للفضيحة ….وانا كريم المدلل يعبق بتلك العطور امام الاتراب وسيدي المعلم ….نظرت حوالي وجمعت شجاعتي بكلتا يدي كما يقول المثل الفرنسي واستأذنت من سيدي الخروج الى بيت الراحة تركت محفظتي بالقسم وتسللت كجرذ ملوث الى هنالك …هنالك اكتشفت حجم المصيبة وعبثا حاولت بماء الحنفية ان انظف ما علق بالسروال من آثار جريمة لم ارتكبها قلت عبثا لانه ومن عيوبي وكم هي كثيرة وستكتشوفنها اني لا اجيد اطلاقا كل ما هو يدوي …فتحولت حملة التنظيف الى حملة تلويث لساقي وملابسي وكل ما يحيط بي …كيف اعود الى القسم وانا اشبه شيء ب __كنايفي __ وهو الذي كان يقوم بافراغ الكنيف __شبه فستقية صغيرة مغطاة ومتصلة بالمراحيض في الحوش عبر قنوات لتخزين الغائط ثم وعند الامتلاء يقوم الكنايفي باخراجه ليتم استعماله كسماد للغراسات …_عملا _بالقاعدة الذهبية في علم الفيزياء للافوازيه رغم انها ايمانيا لا تصح __ القاعدة التي تقول لاشيء يفني لا شيء يخلق من عدم __ كيف لي ان اخرج من مرحاض المدرسة وانا على تلك الحالة …__مرسي الزناتي اتهزم يا رجالة __ ارتأيت ان الازم مرحاضي __حتى اش يعمل ربي __ وانتهت الدروس …
وبارح التلاميذ المدرسة …وبارح المربون …وبارح المدير … وعادل امام يعيط ….وانا على عكس عادل امام … لابد.. صامد …هامد ….. تسللت الى قاعة الدروس وحملت محفظتي وغادرت المدرسة …كان الوقت __ظليمة مغرب __ وكنت اسارع الخطى حتى لا ينخلع قلب عيادة __والدتي __و انا الذي لم اتاخر يوما على عودتي في توقيتي المعهود ..وحتى لا ينخلع قلبي من خوفي الرهيب من الظلام ….ثم ماذا ارى ؟؟؟؟؟ انه والدي الذي خرج ليبحث عني __الاكيد بعد الحاح كبير و__تقرقير اكبر من والدتي __ وهي ملكة التقرقير __تشد ما تسيب __ …..ولي عودة لذلك التقرقير عندما __زعمة زعمة كبرت شوية __ماكاد يقترب مني حتى اعمت بصيرته روائحي العطرة المنبعثة مني …وبدأت الطريحة التي لم تنته الا وانا ادخل باب حوشنا … كل ثلاث خطوات لعنات مختومة بضربة هنا وهنالك __وين تصب تنفع __ في مدخل حوشنا انذاك افتكتني خالتي فطومة رحمها الله من يده الغليظة وهي تزمجر في وجه ابي باعتبارها لا فقط زوجة اخيه الاكبر واخت امي الكبرى ولكنها باعتبارها ايضا الخالة العجوز التي __يختشي منها الجميع __ كانت تزمجر وتصيح __والله عيب عليك يا محمد اش فيه ما يتضرب هالتنتوفة …__ واسرعت والدتي لبيت الاستحمام وسآتي في ورقة قادمة على تفاصيلها هي وكل كنوز الحوش….اسرعت لتسخين الماء وللقيام بغسلي في مرحلة اولى ثم لاطلاق عنان البخور __جاوي و وشق __ علهما يعطران الاجواء ….
الحادثة الاخيرة وقبل انتقالي لمرحلة التعليم الثانوي والتي بقيت عالقة في ذهني والتي كان لها تأثير كبير على مستقبل دراستي فيما بعد حادثة كانت مع معلمي في اللغة الفرنسية في سنة السيزيام __السادسة __هو فرنسي الجنسية __موسيو دوميناتي __ كان شابا في الثلاثين وكان وسيما جدا ويمتلك دراجة نارية __فاسبا __ وكان من المربين الذين لهم عطف خاص على كريم __تصوروا انه كان ينتظرني كل يوم بجانب __القنطرة __التي كانت وسط الساقية حتى اصل كي يحملني معه وراءه على الفيزبا للوصول الى مدرسة الفتيات بوادي القراوة . __واشكون كيفي عاد ؟؟؟ امير الامراء ..كان من ضمن مشمولاته البيداغوجية الرياضة علاوة على النحو والصرف والانشاء والاملاء والحساب باللغة الفرنسية وكانت الرياضة انذاك “الكرة السجينة ” (بالون بريزونييه) … وكنا مختلطين كما ذكرت آنفا وكانت جل الفتيات (الهسكة واختها) اعني مكتملات البنية الجسدية اذ انه مع اجبارية التعليم وقع تسجيل التلاميذ انذاك حتى وهم في سن الثانية عشرة في السنة الاولى ابتدائي …وتخيلوا فقط تلميذة في السادسة ابتدائي وهي في سن ال18 ….. لي ثقة في خيالكم حتى ادخر الوصف لامور اخرى ….
وكان موسيو دوميناتي ابدا ان يترك حصة الرياضة تمر دون لمسهن ومداعبتهن …والرغبة طبعا مشتركة …وكنت وانا __التنتوفة جسدا وعمرا __ ارقب ذلك بعين خجولة ….ولكن متفطنة …وكان موسيو دوميناتي يعرف اني اعرف وانا اعرف انه يعرف اني اعرف دون النبس ببنت شفة ….ربما كذلك لانه كان يحبني وينتظرني __ اي واحدة بواحدة انت تصمت وانا اجازيك .__..اقول ربما … لانه ربما ايضا لاني كنت متفوقا في دراستي باللغة الفرنسية عنده تماما كما اللغة العربية وهي التي شغفت فيها بمطالعة الكتب منذ الرابعة ابتدائي __ كامل الكيلاني عبدالمجيد جودة السحار في البداية ثم التدرج بعدها الى غراميات احسان عبدالقدوس في السادسة ابتدائي ….ذات يوم ونحن في تمرين حساب عند السيد دوميناتي من كتاب __الف وثلاث مائة مشكل __ كان ابن المدير السيد الدشرواي هو التلميذ الذي اتقاسم معه الطاولة الاولى في القسم …كان المشكل عسيرا بالنسبة لابن المدير فالتجأ خلسة الى الكتاب الاحمر لالف وثلاث مائة مشكل حيث فيه الحلول …قام بنسخ الحل واعدنا التمرين الى موسيو دوميناتي …يوم اعادة التمارين باعدادها نظر دوميناتي الى ابن المدير نظرة استغراب __انه يعرف تلاميذه جيدا و يعرف مقدرة وكفاءة كل واحد منهم __واستجوبه عن السر في التوصل الى الحل …
براف … اعترف التلميذ بفعلته ونال ما كتب له من عقاب __والعقاب انذاك ضرب بانماط مختلفة ولعل افظعها حسب ما اشاهده من توجع التلاميذ الضرب بالعصا على اطراف الانامل واليد ملتفة …بعدها نظر لي سي دوميناتي وسألني ..هل شاهدته وهو يستعمل الكتاب الاحمر ؟؟؟ ولاني لم اكذب يوما على اي معلم في الابتدائي__ على عكس الثانوي الذي اذا لم يوجد الكذب لكنا اخترعناه __اجبت اذن بصدق وعفوية نعم …نظر الى بغضب وقال .. لماذا لم تبلغني بفعلته ؟؟؟؟ لم اجبه ولكني لم اكن يوما قوادا ثم حتى اذا كان لي ذلك هل اقود بابن المدير ….ولم استفق من غفوتي الا و__داودي __يهبط على خدي ……….. كانت الواقعة بحجم الدمار دماااااااااااااار دمرني فتك بي اشقاني واتعسني …انا الذي لم تمتد اليه يد طيلة حياتي التلمذية …ثم من عند من ؟؟؟ من موسيو دوميناتي بالذات …..وكانت نقطة القطيعة مع مادة اللغة الفرنسية ومع مادة الحساب طيلة تعليمي الثانوي …
ياااااااااااااااااااااااااااااااااه كم هي جميلة تلك الايام وكم احس باليتم وانا اعود لروادها واضيف: رحمهم الله … …
ـ يتبع ـ

تصفح أيضا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد الأطرش:
عشت البارحة خصومة طويلة مع النوم، ولم أنجح في مراودته للبقاء معي حتى سويعات الفجر الأولى… خرجت أمام المنزل بحثا عن نسمات صيفية تُصالح بيني وبين النوم فلم أجدها…

سمعت حشرجة قرب السور الخارجي للمنزل لم أعهدها سابقا، فاقتربت من مصدرها لأعرف مَن هناك، وكأني بقطة وكلب يتهامسان ويتحاوران في مشهد لم أعشه سابقا أبدا، فبين القطط والكلاب معارك دامية عشتها في منزلي السابق وكنت شاهدا على العديد من الأحداث بينها ونجحت في الكثير من الأحيان في رأب الصدع بين الفصيلين، وأجبرتهما على الهدنة والمصالحة الشاملة وتقاسم الموارد من سكن وغذاء، لكن أن يصل الأمر أن أجدهما في جلسة ودية أو ما شابه خلف السور الخارجي للمنزل فهذا أمر أول مرّة أعيشه، يذكرني هذا المشهد بالتوافق الذي عاشته تونس أيام الباجي رحمه الله والنهضة وقياداتها…
جلست غير بعيد عنهما لأستمع إلى ما يدور بينهما من حديث… فالقطّة الرقطاء هي قطة الكوني ابن عمتي أما الكلب فهو من الكلاب الضالة والسائبة ولم أعرف أن بين قطة الكوني وهذا الكلب علاقة وديّة كالتي أعيش بعض أحداثها “هل أذنبنا في حقّهم يا صديقتي …لم كل هذا الحقد علينا…؟؟؟” هكذا قال الكلب مخاطبا القطّة…”هذا ويحاولون ايهامنا بأنهم سيعاملوننا حسب تعاليم الإسلام وما تركته السنّة…أي دين هذا الذي يأمرهم بمنع الغذاء عنّا؟ أيريدون قتلنا وابادتنا؟؟ هل تآمرنا عليهم؟؟ هل أضربنا عن القيام بواجباتنا؟؟ هل زاحمناهم في المناصب والمكاسب والوظائف العليا؟؟ هل أفسدنا في الأرض؟؟ نحن لم نسرق ولم ننهب ولم نظلم أحدا في حياتنا من البشر فلم كل هذا الحقد علينا؟؟؟” هكذا أجابت قطّة الكوني…
نظر إليها الكلب وقال “أتذكرين مواقفنا قبل 14 جانفي؟ ألم نبق على الحياد وحاولنا مساعدة الجميع على التعامل بهدوء مع ما وقع من أحداث؟ ألم نحرس ديارهم لأشهر طويلة حين كان الانفلات عنوان المرحلة؟؟ ألم تنقذ الكلاب الآلاف من المنازل من السرقة ؟؟ لماذا يعاملوننا هكذا ونحن الذين مات منّا الآلاف ولم نخرج حتى لنندّد بالأمر كما هم فعلوا ويفعلون، ألم يسجلوا بعض قتلاهم ضمن قائمة الشهداء وكأنّ الله لا يعلم شيئا عن الشهداء الحقّ وشهداء الفضاءات التجارية الكبرى؟؟ أمَسَكوا قطا او كلبا وهو يقنص من أعلى عمارات السكن؟؟؟”
ضحكت القطّة وقالت “نحن مختلفون عنهم يا صديقي… هم يحقدون على بعضهم البعض… هم يبحثون عن السلطة… جميعهم يريدون حكم البلاد فتراهم كأحزاب يخطبون ودّ الشعب بوعود وبرامج سياسية لا يحققون منها شيئا… ويوهمون الشعب بنجاحات وانجازات لم يحققوها… أنحن مثلهم؟؟ لا… نحن لم نبحث يوما عن سلطة أو جاه أو حكم… نحن لا أحد منا يخون الآخر… ولا أحد منّا يحقد على الآخر… ولا أحد منّا يعتدي على أملاك الآخر… هل سمعت يوما في صحفهم عن اتهام قطّ أو كلب بالفساد وتبييض الأموال ؟؟؟ لا أبدا ولن تسمع بالأمر أبدا…وهل سمعت يوما في نشرة أخبارهم التلفزية عن اغتصاب كلب لقطّة؟؟ لا لن تقرأ ذلك في صحفهم… فأخلاقنا ليست كأخلاق بعضهم… وعاداتنا ليست كعادات بعضهم… هم يشربون الخمر ويعودون إلى ديارهم يتمايلون ونحن لا نتمايل إلا حين يسممون أكلنا ظلما وعدوانا للتخلّص منّا”
نظر إليها الكلب ونبح صارخا في وجه كلب آخر اقترب منهما (كأنه يقول له روح لداركم ما الذي أتى بك هنا ؟؟؟) ونهره وأبعده عنهما ثم قال ملتفتا إلى القطّة الرقطاء: “أولا نحن لم يقبلوا بنا بينهم فكيف تريد منّا أن نطمح لسلطة أو حكم أو حتى للمشاركة في انتخابات ديمقراطية نزيهة وشفافة…” هنا قاطعته قطّة الكوني ابن عمّتي وقالت “نزيهة؟… أتقصد نزيهة صاحبة منزلنا سابقا محلاااااها تعطيني في السردينة كل يوم؟؟” نظر إليها الكلب غاضبا وقال ” أنت كصاحبك الكوني ساذجة وغبية… نزيهة من النزاهة أقصد وماذا تعرفين انت عن النزاهة؟؟” وأضاف قائلا “أتركيني أكمل كلامي ثم قولي ما تريدين يا حمقاء!!!… نحن لم نطلب يوما أن نكون ضمن الناخبين ولا ضمن المترشحين… أنا مثلا يا عزيزتي (هنا همست القطة قائلة: عزيزتي منذ متى أنا عزيزتك يا كلب يا زوفري؟!…) لم أرغب يوما في شيء منهم غير مساعدتنا على تأمين الغذاء والسكن وهي اتفاقية قديمة بيننا منذ آلاف السنين…فأنا لست مثل بعضهم أبدا ولن أكون… أنا كلب طيب ومواطن صالح وشريف لم أسرق أو أنهب ولم أعضّ أو أظلم أحدا في حياتي… وأنا كلب ملتزم ومنضبط في شغلي وأعرف ربنا… فلمَ يخرج علينا أئمّتهم يهددوننا بالويل والثبور ويفتون بمنعنا من الأكل والماء؟ أهذا من الحقّ بشيء يا قطّتي العزيزة؟…”
هنا نظرت إليه القطّة وهي في حالة هستيرية وقالت صارخة: “أولا لست قطّتك و(يكب سعدك)… ثانيا أنت تكذب، أنت أكبر عضّاض في الحيّ… لكن أنا متعلمة ومثقّفة وأعشق بلادي وأحب أهلها ولا ولن أخون وطني اأدا ولن أكون من الوشاة لأخبر عنك وعن أفعالك يا (بوناب) وتقصد ان للكلب نابا طويلا خارجا عن الصفّ…” ثم ضحكت ونظرت في اتجاهي وقالت “كيف حالك عمّي…؟؟؟” نظرت إليها ضاحكا وقلت “عمّك … منين يا كبدي ؟؟؟” ضحكت ونظرت إلي وقالت “أتعرف يا ابن خال الكوني أني أنا القطّة الرقطاء ورغم أنى لست مشهورة أو شخصية عامة لكني والحمد لله وطنية وواعِية بكل ما يدور حولي. ولم أكن سلبية أو عميلة أو خائنة أبدا في حياتي… شاركت في العديد من المظاهرات في عهد المغفور له بن علي وحتى في عهد الترويكا وتوافق الباجي مع الغنوشي… وتظاهرت ضد التعذيب والتزوير والفساد والتوريث والتمديد… لكن ذلك الكلب الضال لم يفعل ذلك أبدا… كان دائم البحث عن الأكل والنباح والصعلكة بين الأزقة ومراودة كلبة عمّ الصادق الحوانتي وكلبة جارنا الذي يعمل بأوروبا، تصوّر أن له من كلبة سائح إيطالي سبعة جراء تركها دون تأمين الغذاء في الخلاء فماتت من الجوع والبرد…أتعلم أيضا انه أكل من كل الصحون منذ عهد الأمين باي أصدقني القول وقد قلت ذلك للكوني ابن عمتك”
نظرت إليها وضحكت وقلت “لم أتحدث عنك مع الكوني أبدا”… اقترب الكلب منّي وقال “لا تصدقها يا صديقي أتعلم أني بعد نجاح الثورة اجتمعت أنا وبقية كلاب المدينة بعد أن عرفنا أن الأمور قد تتغيّر وأن الأمل قائم في دولة ديمقراطية يكون فيها للكلاب والقطط موطأ قدم، وقررنا أن نساعدكم أنتم البشر في دمقرطة البلاد والخروج بها مما كانت عليه… وقررنا أن نكون لكم عبرة وأسوة من خلال تنظيم حياتنا السياسية والاجتماعية ومشاركتكم صنع مجد هذه البلاد… وشخصيا استشرت اهلي وناسي وأصحابي من الكلاب طبعا، فنصحوني بترشيح نفسي في انتخابات مجلس حي للكلاب يكون نواة لحياة سياسية منظمة للكلاب والقطط بجميع أصنافها وطوائفها وعائلاتهم نجمع فيه شمل بعضنا البعض… ويكون لنا ممثلنا الرسمي لدى البشر لنطالب بحقوقنا كمخلوقات ذات كبد رطبة وأمم مثلكم، فأنا أحب الجميع قططا وكلابا وبشرا وحتى ثعابين لم لا؟ وأنا على يقين انهم أيضا يحبونني فأنا واحد منهم ومولود هنا بينهم، مشاكلهم هي مشاكلي وهمومهم هي همومي… أما عن مشاكل هذا الوطن فهي أيضا مشاكلي فأنا كلب ابن كلب وهنا ولدت وهنا أعيش وهنا أبقى لأموت، ولعلمك سيدي أنا أتابع اوضاع البلاد منذ أطردني جدي الكلب الأكبر ولي برامجي وأفكاري واضحة، وقادر على إيجاد الحلول الممكنة والواقعية لأغلب مشاكلنا جميعا…”
همست لي قطّة الكوني وقالت: “لا تصدقه صديقي فقد طالبناهم منذ أكثر من عشر سنوات نحن معشر القطط بأن ننظّم مؤتمرا وطنيا للمصالحة الشاملة خدمة للمصالح العليا للبلاد، فرفض وحاول فرض إرادته من خلال ميليشيات فايسبوكية تشتم وتهتك أعراضنا وأعراض عائلاتنا ونحن الليلة هنا لنتفق في أولويات المرحلة… فالمرحلة التي نعيشها وتهديدات المنع من الغذاء والإبادة التي تتهددنا والحملة التي تشنها بعض وسائل التواصل أرهقتنا وأجبرت العديد منّا للهروب إلى بعض المناطق المجاورة التي يطيب فيها العيش وتكثر فيها الفضلات المنزلية…
نظرت إلى القطة والكلب وقلت لهما: “من الأفضل أن تتصالحا فالتعايش هو الأمر الوحيد الذي سيخرجكما مما آلت إليه الأمور وقد تتعقّد أكثر لو اتفق عليكما الجميع ومنعوكم من الغذاء والماء وقد يمنعونكم إن واصلتم تعنتكم من الهبهبة للكلاب والمواء للقطط …” نظر إلي الكلب وقال بصوت عال” صاحبك كلب ابن كلب…سألتزم بما تريدون…” ونظرت إليّ القطة وأقصد قطّة الكوني ابن عمتي وقالت وهي تبكي “حسبي الله…حسبي الله…”….
شعرت باصطدام على جمجمتي كأنه مطرقة وسمعت صوت زوجتي وهي تقول : “تي قوم اشبيك راقد قدام الحوش… يخي ما تخافش مالهوش وشبيك تهبهب من بكري؟؟؟” وعرفت أني لم أكن كسليمان لأتحدث مع كلب وقطة ولم أجتمع أصلا بها … ولم أذكر مما دار بيني وبينهما إلا “كلب ابن كلب…وهب هب”…
ملا ليلة كلبة…

جور نار
محمد الأطرش يعود: نحن… ولعنة “الخوف الديمقراطي”!
نشرت
قبل 7 أيامفي
1 يوليو 2026من قبل
محمد الأطرش Mohamed Alatrash
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد الأطرش:
التقيت صديقا من مشاكسي أيام زمان فاقترح علي مجالسته لبعض الوقت في أحد مقاهي المدينة فقبلت بالأمر… جلس وأشعل سيجارته وقال “حين تسأل اليوم من يعترضك من المارة أو أحد الأصدقاء كيف حالك؟؟ غالبا ما تكون الإجابة (الأمور ليست كما هي… جميعنا نعيش تحت غطاء الخوف)… تسأله مم الخوف؟ يجيبك (لا نعلم…)

هكذا جميعنا اليوم أو أغلبنا، هل ورثنا ثقافة الخوف عن أبائنا أم هي ثقافة كسبناها مما عشناه ونعيشه، ما رأيك يا صديقي في هذا الأمر؟؟” قلت: “في العهود التي مرّت بها البلاد وعشناها كنّا نخاف كل شيء، فحين كنّا صغارا كان خوفنا كبيرا من أمّنا ومن إخوتنا الكبار، وكنّا نعيش الرعب مع والدنا خوفا من عقاب شديد لا نعلم لماذا ومن فرضه علينا وبأي قانون وقع فرضه…ثم حين كبرنا وكان ذلك في عهد بورقيبة رحمه الله أصبح الخوف أوسع واشمل…وأخذ طابعا آخر فعشنا الخوف من مكاتب الشُعب ومن يعمل فيها ومن رئيسها فكان أغلبنا يمرّ أمام مكتب الشعبة مطأطئ الرأس صامتا يلقي التحيّة دون أن يلتفت إلى على من ألقى التحية… وقد يصل الخوف ببعضنا بأن يرفع عقيرته بالصراخ (نموت نموت ويحيا الوطن…) وقد يرفع عقيرته بالنشيد الوطني وكأنه في تحية العلم الصباحية،
كبرنا وبدأنا نفاخر ببعض الشعيرات التي غزت ذقوننا ولم يغادرنا الخوف بل أقسم أن لا يفارقنا ويتركنا في حالنا، فاصبحنا نخاف عون الأمن وأقاربه واصهاره ومن يجالسه…ثم عرفنا دور العمدة ومدى قربه من السلطة والحكم فأصبحنا نخافه ونخاف من يعمل معه ومن يجالسه ومن يرافقه ونخاف أهله وأصهاره وحتى أصدقاء صغاره…ولم تسلم المدرسة ومن يعمل فيها من خوفنا… فكنّا نخاف حين نمرّ أمام بوّاب المدرسة من وشاية تسبقنا إلى مدير المدرسة… معلمنا أيضا لم يسلم من خوفنا…فكنّا أيضا نخاف من وشاة القسم، فبعض من هم أقرب منّا إلى المعلم ويلاطفهم بتوصية من زميل له يعمل بالمدرسة التي لا تبعد عن مدرستنا كثيرا، كانوا يقرؤون في حصة القرآن “قل أعوذ برب الناس” ثم يذهبون ليوسوسوا في أذن المعلم عمّا يفعله بعضنا خارج القسم والمدرسة، فتنزل ببعضنا أشدّ العقوبات فيغلق في وجهنا مضيق هرمز… عفوا باب القسم فنمنع من الدخول…
هكذا كان لكل من مرّوا بحياتنا وشاة ينشرون الرعب والخوف… فمدير المدرسة وحارس المدرسة وبوابها… والأستاذ… وابن الأستاذ وابن أخت الأستاذ… والعمدة وجار العمدة وقوّاد العمدة… ومخبر قوّاد العمدة… والمعتمد وابن المعتمد… وصديقة ابن العمدة وابن المعتمد وابن شقيق الوالي وحارس الولاية وقوّاد الوالي ومن يجالسهم ومن يتعاملون معه في السرّ والعلن… جميعهم أذاقونا وجع الشكّ في القوادة فكنّا نخافهم بسبب ودون سبب ولا نعرف حتى لِمَ وجب علينا أن نخافهم ونخاف وشاتهم …ث
م كبرنا…وحين أصبحنا في عمر يسمح لنا بالوقوع في حبّ ابنة جارتنا فتحية أو زميلتنا في القسم كنّا نخاف أبناء الحي والأحياء المجاورة… فالوقوع في الحبّ ليس في متناول الجميع في أيامنا تلك… وابن الفقير لا يسمح له بالتقرّب من ابنة العمدة أو رئيس الشعبة أو ابنة مدير المدرسة وقد يعيش الرعب لو عاكس ابنة المعتمد أو ابنة رئيس مركز الشرطة، ففي أيامنا تلك حتى الوقوع في الحبّ بالأكتاف…فـــ”مها” لا يمكن لــ”خليفة” ان يقترب منها ويعاكسها… و”الشعلاء” أيضا فليس لها الحق في أن تعشق أو تعجب بــ”نوفل” و”كمال”… فـــ”نوفل” هو ابن المعتمد و”كمال” هو صاحبه ابن العمدة… لـ”خليفة” لالحقّ كاملا في معاكسة “برنية” و”أم الخير” لكن لا حقّ له في الاقتراب من “ابتسام”…فالاقتراب حينها يصبح سامّا وقد يعرّضه لعقوبات وتتبعات ومضايقات وملاحقات و”شفطات” وويل وثبور وعظائم أمور…
وهكذا كان أيضا عهد بن علي رحمه الله… فتواصلت معنا لعنة أو لنقل ثقافة الخوف … الخوف مما سبق الى ما لحق… فكنّا نخاف بن علي رحمه الله ومدير ديوانه وأعضاء ديوانه وأقاربهم وعائلاتهم وأصهارهم ومعارفهم ومن يجالسهم من له أرقام هواتفهم… كما عرفنا الخوف من كل الوزارات ومن يعمل فيها ومن يديرها ومن يدخلها ومن يجالس من فيها وعائلاتهم وأصهارهم وأبناء عمومتهم… ودبّ الخوف أيضا في قلوبنا من أعضاء مجلس النواب واللجنة المركزية والديوان السياسي وكل من له علاقة أو صلة بهم وبأحد أقاربهم وأتباعهم ومن يجالسهم ومن يصاهرهم ومن يعرف أرقام هواتفهم … دون أن ننسى خوفنا الدائم من الوالي والمعتمد الأول والمعتمد والعمدة وصديق العمدة وعمّ العمدة وخال زوجة العمدة وابن أخت العمدة وسائق الوالي والمعتمد والخ الخ الخ….
ثم وقع إضافة بند آخر في قائمة الرعب، فتوسعت القائمة لتشمل ليلى وأخواتها ومن يجالسها ومن يصاهرها ومن يعرف رقمها ورقم إخوتها… ثم سافر بن علي رحمه الله لأداء مناسك الحج والعمرة والموت في البقاع المقدسة… واستوطن التتار والمغول والفيكينغ أرضنا وجاء جنكيز خان على حصانه المخطط رافعا سيف العدالة والديمقراطية والحرية فلا خوف بعد اليوم لا من ليلى ولا من فتحية ولا حتى من “مولاة الخلة الخمرية”…فأصبح الخوف الديمقراطي أكبر واستوطنت الأحزاب التي خرجت علينا كالفقاقيع كل مقرّات المغفور له التجمّع الدستوري الديمقراطي… فأصبح الخوف ديمقراطيا شموليا… فالولد يخاف من أمه ومن والده ومن إخوته ومن جاره وأصهاره وأبناء عمومته ومن كلبه ومن قطته…
فخرج علينا اليسار يهددنا بالويل والثبور والكثير من الجاوي والبخور… وخرج علينا شيوخ الدين يولولون ويكفّرون ويهددون بجهنم وبئس المصير والمسير… ثم جاء بعض من هم في الاتحاد فأصبحنا جميعا في نظرهم من الأوغاد فخرّبوا الكثير من البناء وأرهقوا البلاد والعباد…فحلّ الرعب والخوف والاستبداد… وحكم بعض رجال الاتحاد البلاد … فأصبحنا جميعا نخاف الأمين العام والكاتب العام ورفيق الأمين العام وصديق الأمين العام وجار الأمين العام وابن عم الأمين العام ومن يجالس الأمين العام ومن يصاهر الكاتب العام وقوّاد الأمين العام… فقط السؤال اليوم هل لخوفنا هذا ما يبرره؟؟؟”
ثم نظرت إلى ساعتي فضحكت وسكتُّ…فقال صديقي لِم ضحكت ولم سكتَّ أكمل؟ قلتُ: الساعة الآن منتصف الليل يعني الساعة صفر وبلغتك أنت صديقي الساعة الصفر هي ذاتها الساعة الرابعة والعشرون وأنا وعدت زوجتي ألا أكون خارج المنزل بعد الساعة صفر… ضحك وقال: “الخوف يدير الجوف يا صاحبي …”


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عبد القادر المقري:
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …

استطلاع
صن نار
-
غير مصنفقبل 7 ساعاتالقاهرة/بيكين: مؤتمر اقتصادي مشترك لتعزيز التعاون والاستثمار
-
صن نارقبل 12 ساعةفي زيارته إلى سوريا… دويّ انفجارات قرب إقامة الرئيس الفرنسي
-
صن نارقبل 12 ساعةبذريعة ملاحقة “جماعات إرهابية”: هل يعيد الأمريكان سيناريو فينزويلا… مع البرازيل؟!
-
رياضياقبل 12 ساعةكأس العالم: تلاسن بين “مبابي” ونائبة عنصرية من الباراغواي… قد يصل إلى القضاء!
-
عربيا دولياقبل يوم واحدجنوب كاليفورنيا: فوضى، حرائق، نهب واعتقالات بالمئات… في احتفالات ذكرى الاستقلال!
-
صن نارقبل يوم واحدردّا على مزاعم نتنياهو: لم تطلب قرى جنوب لبنان… أيّ انضمام إلى الكيان المحتلّ
-
صن نارقبل يوم واحد“هذه المرة” لأجل عيون ترامب: حكومة حماس تقبل بقرار حلّها!
-
سرديارقبل يومينحكاية… “مِشْنِي نَا”!
