… سن العاشرة في حياتي ـ واتصورها في حياة جل الاطفال ـ سن بداية الادراك لابجدية بعض معاني الحياة وهي ايضا سن التفطن لبعض السلوكيات التي لم نكن نفقه فيها الكثير …
عبد الكريم قطاطة
في تلك السن مثلا بدأت اكتشاف المذياع من خلال مقدم جيران جدد لنا (عائلة ملاك) عائلة احبتني واحتضنتني بورك فيها ورحم الله امي عويشة والصحة لبقية افراد عائلتها، ثلاثة عزاب وبنت …كنت طفلهم المدلل وكنت وخاصة في العطل المتمتع بتأشيرة اقامة دائمة بحوشهم الاكثر رفاهة من حوشنا …غرفه مأثثة وسط داره مغطى (بمعنى آخر كامل الاوصاف فتني) وفي الحقيقة “وما حب الديار سكنّ قلبي ولكن حب من سكن الديار” وهنا اعني المذياع ولا شيء غيره …ضربة البداية كانت مع دعوتهم لي صبيحة الاحد للاستماع الى برنامج الاطفال (جنة الاطفال للسيدة علياء) ودعوني اوضح امرا هاما في هذه النقطة …
ان كل ما اقوله في هذه المرأة العظيمة لن يفيها حقها …منذ اللحظة الاولى التي استمعت الى ذبذبات صوتها وهي تفتح البرنامج بمقدمتها الشهيرة الدائمة: صباح الخير يا لولاد … ويرد عليها الاطفال بـ: صباح الخير سيدة علياء … احسست بوقع سحري ينفذ الى اعماق اعماق اعماقي … كنت ارى في صوتها نهرا ينساب في كل خلية من جسدي …كنت اشاهد في ضحكاتها احيانا وفي عتابها الجميل لاطفالها، ذلك الملاك الذي يرفرف بجناحه الابيض ليحملني تحت ابطه ويحلق بي في عوالم جميلة … كنت احسد (ولا اقول اغبط) لان مشاعري انذاك كانت بالفعل حسدا لمجموعة الاطفال الذين يشاركون معها في الحصة …
تمنيت ان اكون محمد الامين الغربي، احد اشهر الاطفال في التمثيل في حصتها … او مريم الجربي التي انطلقت كمطربة مع السيدة علياء وهي بنية صغيرة وواصلت الغناء كمطربة شابة لم يكتب لها النجاح … كانت تتغنى بالاغنية البوز انذاك “عاد ابي للدار من عمل النهار” … وكنت خاصة اكره شديد الكراهية “عم راشد” الذي يشاركها في بعض فقرات الحصة … اكرهه لا لشيء الا لانه ياخذ مني صوت السيدة علياء لنزر قليل من الوقت … ولأن الزمان يعيد نفسه (عذرا لاساتذة التاريخ) فانني كم ضحكت وانا اتصفح رسائل المستمعين عند تنشيطي لبعض البرامج بشكل ثنائي مع بعض الزملاء …هؤلاء المستمعون الذين يعبرون عن ضجرهم من الوقت الذي ياخذ فيه زميلي المصدح …. ولا اشك ان عديد الزملاء الاذاعيين يعبر لهم مستمعوهم عن نفس الشعور …
كنت اتسمر كل احد بداية من الساعة الثامنة والنصف امام مذياع الجيران في انتظار جنة الاطفال التي تنطلق مع تمام التاسعة … اتذكر جيدا ان الجنة كانت مسبوقة دوما باغان فكاهية … المورالي والخميسي والسملالي والجراري وغيرهم… وكانت الساعة التي اقضيها في ترشف الجنة جنة بحق …فيها ما لا عين رأت، رغم الخيال المجنح الذي اعيشه فتتحول الكلمة الى صورة بالابيض والاسود (الالوان لم يحل ركبها في ذلك الزمن) ولكن فيها أذن سمعت وسمعت وسمعت …. وهنا لابد من الاشارة الى ان حلمي الذي كان يقتصر على رؤية هذه المرأة العظيمة في تأطير اجيال واجيال من الاطفال لم اكن اطلاقا اتصور انه سيتحقق وبشكل رائع الى حد الثمالة …
في نهاية التسعينات وفي احد اعياد ميلاد اذاعة صفاقس ارتأيت ان يكون عيد الاذاعة عيدين …ارتأيت ان ارد الجميل لعلمين من اعلام الاذاعة، السيدة علياء ومحمد حفظي رحمهما الله … واثثت البرنامج الخاص حولهما باعتبارهما رمزين من رموز الاذاعة … بكل امانة همي الاكبر كان: هل توافق هذه الاستاذة في تلبية الدعوة؟ اعني هي التي كانت تهمني بدرجة اولى وثانية وثالثة واخيرة …_ ولكم ان تتصوروا سعادة تلميذ في الكتّاب وهو يستقبل سيدته علياء في حصة دامت 8 ساعات ….ياااااااااااااااه كنت منذ اللحظة الاولى لانطلاق البرنامج “مزبهلا” بهذه القامة الفارعة اعلاميا وكنت كثيرا ما استرق النظر الى عينيها علني استشف منها بعض الرضى … قلت استرق النظر لاني والله لم اكن قادرا على التحديق في مقلتيها …يا لكاريزمتها ويا لضعفي … يا لجبروتها الجميل الممتع ويا لـ …لست ادري ماذا بالنسبة لي …
هو خليط من الانبهار والفخر والخوف من اية زلة او حرف يخدش سمفونية اللقاء …كنت والله كتلميذ يكتب انشاء وينتظر رد فعل معلمه بكثير من الرهبة والخوف على ما كتب …كانت متقدمة في السن نعم …ولكنها ولأني احبها بشكل خرافي كانت ليلتها عروس البرنامج وكانت الملكة بتاج فكرها وبحنية عواطفها …انها السيدة علياء وما ادراك …ولكم الان ان تتصوروا سعادتي في خاتمة البرنامج وانا اسالها بكل رجاء وخوف ان تختم اللقاء بكلمة حرة …صمتت السيدة علياء بعض الثواني ـ القرون ثم نظرت لي بعين الام الحنون وقالت …يا ابني عبدالكريم اقسم بالله العظيم انني وانا التي دعيت لعديد البرامج الاذاعية والتلفزية لتكريمي، اقسم انني لم احس بالسعادة التي احسست بها الليلة … لن انس هذه الليلة يا ابني العزيز عبدالكريم …
ياااااااااااااااااااااااااه انا ابنها العزيز … وانا الذي كم تمنيت ان ابوس رجلها وامسح لها نعلها …تماما كما كنت افعل مع والدتي رحمهما الله … الاوسمة عند العديد يُفتخر بها عندما تأتيهم من هياكل وطنية او دولية …والاوسمة عندي هي “يرحم اللي ولد وربّى” يقولها المستمع مهما كانت الشريحة التي ينتمي اليها عمريا تعليميا جنسيا اجتماعيا … اعترافا بالجميل … والوسام عندي ان تخرج البعض من ظلمات الامية الى تعلم الكتابة ثم القراءة (ام غسان من مساكن، وحدهم العرف من الرقبة تطاوين، رحمها الله ) والوسام عندي ان تقف الى جانب الفتاة الريفية وانت تستشعر بقدرتها على الكتابة رغم محدودية مستواها التعليمي فتبث فيها الارادة والحب والامل واذا بك تفاجأ بها يوما قصاصة (بنت القرية من وذرف)…
والوسام ان يقف امام مبنى الاذاعة في ثورة الخبز مواطن عادي قبل بداية برنامجي الصباحي (العاشرة صباحا) ويرجوني بكل قوة ان لا امتع لساني في مثل هذا اليوم حتى لا نفقدك نحن احباؤك …و لان تونس في حاجة لك ولامثالك __هكذا قالها ذلك الموطن العادي _بدجين ومريول وعيناه تبرقان خوفا ورجاء وصدقا …. 1996 ثم افاجأ سنة بموظف عال في وزارة الداخلية بعدد من النجوم تحلي لباسه ليقول لي: نعم هو ذاك انا الذي وجدتني امام مبنى الاذاعة يوم ثورة الخبز … ويضيف احباء تونس في كل القطاعات يا سي عبدالكريم … اخيرا وليس آخرا …الوسام ان تقول لي السيدة علياء لن انسى هذه الليلة يا ابني العزيز …كنت اكو ن اقل سعادة لو وصفتني بالمنشط الناجح …افهموها ماذا تعني عندي …انا ابنها العزيز ….
هكذا كانت البداية مع المذياع …ولان سيدي ابن آدم يعطيوه الكرع يمد ايدو للجديق … اصبحت وخاصة في العطل (وهي ثلاثة سنويا …نصف شهر لعطلة الشتاء …نصف شهر لعطلة الربيع … وثلاثة اشهر لعطلة الصيف).. اصبحت مقيما يوميا في دار الجيران كامل اليوم باستثناء وقت الغداء…الوالدة رحمها الله كانت تهددني بغلق سفارتنا مع دار الجيران ان انا تغديت معهم (“عيب كيفاش ناكلو في دار الجيران ..اش يقولو علينا ؟؟”)..ولاني كنت شديد الخوف في طفولتي تجاه والدتي الى درجة انها كانت تقول لي قف والله كان ما تاقفش نقتلك …فاذعن واقف … كنت انفذ تعليماتها دون جدل اوجدال …يااااااااااااااااااااااااااااه كم هي جميلة حتى في دكتاتوريتها التي لم اع عمقها الا في مراحل متقدمة من عمري وساعود لتلك الدكتاتورية في ورقات قادمة …
اقامتي بـ”ريزيدانس” ملاك اصبحت يومية وبدات اكتشف القامات والهامات في الاذاعة الوطنية انذاك …انذاك ونظرا لغياب عالم التنشيط تماما كانت كل البرامج مسجلة تقريبا باستثناء الاخبار والمباريات الرياضية والربط بين البرامج الذي يقوم به مذيعو الربط … في مثل هذه الحالات اذاعيا الصوت هو المحدد لاختيار المذيعين …ويكفي ان اذكر بعض الاسماء : عادل يوسف عبدالعزيز الرياحي نجوى اكرام، وفي تقديم الاخبار محمد المحرزي حامد الدبابي (نشرة الصباح) احمد العموري وخاصة منير شما …الذي انتقل في ما بعد للعمل باذاعة لندن …كانت حنجرات ذهبية ونطقا سليما وهيبة دولة …اعني هيبة اذاعة …هذه الهيبة الاذاعية التي “مرمدوها” في هذا الزمن الرديء وساعود حتما لهذا المحور في ورقات اخرى…
الاذاعة ايضا انذاك كانت في النهار مقتصرة في برامجها اما على الجانب التوعوي او الغنائي ولعل اشهر البرامج الغنائية انذاك قافلة تسير اسبوعيا مع اسماعيل الحطاب (اغان شعبية بدوية) وخاصة برنامج اغنية لكل مستمع وهو برنامج يعتمد على اهداءات الاغاني والمصدر الوحيد انذاك قصاصات مجلة الإذاعة … من الحادية عشرة الى منتصف النهار … كذلك كانت هنالك برامج تمثيلية وهذه كانت تستهويني جدا …كنت منبهرا بصوت الممثل محمد الهادي وبعبد السلام البش وفاطمة البحري وجميلة العرابي رحم الله من مات منهم … وكان لهؤلاء وخاصة محمد الهادي تأثير كبير على حبي للالقاء خاصة ….مما جعلني ابرز فيه في نشاطي المدرسي بالتعليم الثانوي (مسرحا) مع المرحوم عياد السويسي وشاركت انذاك في مسابقة جهوية للالقاء ترأس لجنة تحكيمها العملاق المسرحي حسن الزمرلي وفزت بالجائزة الاولى بقصيدة الزوج القاتل لتيمور (احببتها حب الوليد لامه… ورعيت هذا الحب لا اتبرم ، هذا مطلعها) وتختم ببيت المتنبي (لا يسلم الشرف الرفيع من الاذى … حتى يراق على جوانبه الدم ) …
لست ادري كيف يتعامل المستمع في هذا الزمن مع جهاز المذياع …كنت لا احس به الا وانا احتضن الجهاز وكان الجميع يخافون على “كريّم” من التيار الكهربائي …لم تكن بطاريات انذاك …وكانت امي عويشة رحمها الله تردد (مرحبا بيك في كل وقت اما رد بالك من الكوران… اش يصير فينا يا وليدي وكيفاش نسلمو من عيادة لو كان لا قدر الله يضربك الكوران) وكأن احساسي لا يكتمل ومتعتي لا احس بها الا والمذياع في حضني …تقولون القدر …؟؟؟.. فبحيث لربما… انذاك كانت المحطة الوحيدة التي استمع اليها يوميا الاذاعة الوطنية …لذلك لا اشكال مع الجهاز (راديولا او فيليبس) حيث تتثبت الابرة على موجة الاذاعة الوطنية حتى موعد تقاعدها …
في تلك السن ايضا اكتشفنا السينما ….اي نعم …لقائل ان يقول كيف ذلك وانا الذي لم اقصد يوما المدينة الا عندما حملني ابي للمصور (الزواري بنهج الباي) لاعداد صورة لبطاقة التعريف المدرسية التي نستطيع بها ا ن نجتاز امتحان السيزيام … نعم كانت اول مرة في حياتي اغادر فيها “قبيلة” الساقية لاكتشف صفافس المدينة وكان هنالك مصوران فوتوغرافيان فقط الزواري والفريخة ثم التحق بهما بعد زمن بللعج …الان بين مصور ومصور (وهم في جلهم اشباه مصورين) تجد مصورا …السيد الزواري رحمه الله كان يعمل مع اخيه …اخوه للاستقبال وللاستخلاص وهو يمكيج للحرفاء …والماكياج هنا يقتصر على مشط الشعر وإلباس الحريف من الصغار فيستة وكرافات … ولمعلوماتكم فيستة وكرافات وحيدة …لذلك يسهل على الجميع معرفة هوية المصور من خلال العلامة المميزة والمشفرة والمسجلة في دفترخانة ايزو (الفيستة والكرافات) …
اذن كيف لنا ان نذهب الى السينما ونحن لا نعرف يوما المدينة ..؟؟؟ بسيطة … السينما كان يأتي الينا ….نعم كانت كتابة الدولة للارشاد والثقافة والاعلام تخصص حافلات تنتقل الى عديد القرى لتزيح عنهم كابوس القلق المقرف من جهة، وذلك ببعض الافلام المصرية التي عادة ما تكون اما غنائية (فريد وعبدالحليم خاصة) او افلام الصحيح فيها ما يموتش (فريد شوقي المليجي وتوفيق الذقن) … ولكن ومن جهة اخرى وهذا هدف ايضا من اهداف تلك السيارة ….كانت هذه العروض مسبوقة دوما بنشرة اخبارية لأهم الاحداث في ذلك الشهر، السياسية منها والرياضية وبصوت الكبير احمد العموري .. .وطبعا تبدأ هذه السيارة الحافلة منذ العشية في الترويج لبرنامجها وكان كل ما يهم الاب الشعرواي سماع جملة (اماكن خاصة بالنساء) …انذاك يصدر الاب قراره المعتق للرقاب بكلمة (سيكورو) وهي نفس اللفظة الايطالية والتي تعني الامن، لا خوف على الحريم …شفتو الوالد رحمه الله كم كان متعدد اللغات …
كنا نخرج على بكرة ابينا للحدث …النساء متلحفات بسفاسيرهن وبعضهن بخامة سوداء على نصف وجوههن (النقاب التونسي) والاطفال انصاف حفاة انصاف عراة …والكبار من الشباب يتزينون ويحلقون اللحية محافظين على الشنب رمز الفتوة والرجولة انذاك، طامعين في نظرة عابرة على صبية تتعمد اما رفع صوتها على اخيها الذي يريد ان يتخلص من قيد معصمها وهي تولول (اقعد هوني يعطيك رشقة) … وهي في الحقيقة تريد من بعض الشباب ان يستمعوا الى صوتها العذب والذي هو غالبا ما يكون “يفجع” … ولكن اشكون يعرف … يمشي الجافل ويجي الغافل… او هي تتعمد اطاحة السفساري من على راسها ليظهر نصفها الاعلى وهي ايضا طامعة في ان تعرض بعض محاسنها علها تجد العريس الذي طال انتظاره (وهي في السابعة عشرة من عمرها) …على فكرة، وصول الفتاة في ذلك الزمن الى سن العشرين دون زواج يعني مصيبة لها وللعائلة… خاصة والنساء العجائز في السن يرددن على مسامعها _(يا بنيتي ما تتشرطش خوذ اول واحد يجيك ماهو الا راجل ..اما خير والا تقعد بايرة) …وترد المسكينة واسنانها تعزف نغمة الغضب الشديد: بالله سكر عليا كشختك عزوزة الستوت هذي …احنا لقيناه باش نتشرطو …وترد العجوز ..كلمتني يا بنيتي ..فتردف الصبية لا لا نغني في يا تكسي الغرام …
قدوم تلك السيارة كان مهرجانا باتم معنى الكلمة …. ولعل ما اتذكره جيدا اننا في تلك السن كنا نتفاعل خاصة مع افلام القصص التي يلتقي فيها فريد شوقي والمليجي اذ تصل درجة تفاعلنا مع البطل (فريد شوقي) الى الصياح، ومحمود الملليجي يتصيده وراء جدار _(“رد بالك اهو قفاك” او “اوكة قفا الكاناباي” أي الفوتاي) … وكم تكون فرحتنا وتصفير البعض منا (سواي لاني لم اجد يوما فن التصفير) كم تكون فرحتنا كبيرة وفريد شوقي “يدمدم ” المليجي او الذقن و_يفرشخو تفرشيخ …
اصل بكم الان الى سنة هي ايضا مفصلية في حياتي كطفل …انها سنة السيزيام …يااااااااااااه اعيدها لجيلي: الا تحسون. باليتم معي .؟؟؟؟ …
كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.
كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أوبعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.
هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:
أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،
ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.
ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.
ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.
المقنترحات العاجلة:
ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.
واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:
أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.
ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.
ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.
رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.
خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.
خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.
كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.
لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.
فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت علىمسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.
كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها
ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.
إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا
ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…
ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها
المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز
نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.
علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…
ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟
ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…
هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…
خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…
وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…
أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟