احيانا يعيش الواحد منّا الزمن خارج الزمن ..فزمن الفرح غير زمن الصدمات والازمات ..ويصبح تعداد الساعات مختلفا تماما ..وتصبح الساعات كاذبة ..فساعة الفرح تتحول الى عشر ثانية، ودقيقة الأزمة تصبح جبلا من القرون الجاثمة على صدورنا ..
<strong>عبد الكريم قطاطة<strong>
يوم جاءتني رسالة الاستغاثة من حبيبتي ورغم قصر المسافة بيني وبين مقصدي والتي لا تتجاوز زهاء الكيلومتر الواحد، احسست وانا اهرول بأني اشارك لأول مرة في سباق الماراتون مشيا… كنت اجري كطفل صغير ..لاهثا في قمّة عطشه ..واحسست انّ العشر دقائق تثاقلت لتصبح عشر ساعات …يجب اناصل ..يجب ان اعلن ثورتي وغضبي عن سرقة واختطاف من احب ..ومن لي غيرها …؟؟؟ عيّادة ..هي ولا احد غيرها …وهل هنالك في الوجود من مثل الام لتحس بفجيعة طفلها ….؟؟؟ وقفت امامها خائر القوى كحطام طائرة … ونظرت عياّدة الى حطام طفلها وعبثا حاولت بنظرتها ان تعرف ما في صندوقي الاسود ..وسألت في ذعر: لاباس ..؟؟ ضربك حدّ؟ تعاركت انت وحدّ؟ اشبيه وجهك اّصفر ملخلخ ..؟
نظرت اليها بكل رجاء الدنيا وقلت لها: ولدك ماشي يموت …ولدك يحبّو يقضيو عليه … وارتعدت فرائصها: اسم الله على ولدي اشكون اش عملتلهم ..؟؟… ودون سابق مقدّمات ذكرت لها اسم حبيبتي … هي تعرف ولهي بها .. تعرف ابنها المتيّم بمن احبّ ..لذلك لم يفاجأها اسم حبيبتي وردّت: اشبيها .؟؟؟… وطفقت اسرد عليها ما حدث وخاصّة استحالة قبولي لهذا الخطب …نظرت إلي يعين حزينة وانهمرت منها الكلمات: عاد اشبيه ..تاخذ للّتها … يخّي ما اتخلق في الدنيا كان هي ..؟؟ _ وانفجرتُ: لا لا ..هي او لا احد … وبكل بساطة وحنّية وجدتها تردّد: ايه اش تحبّنا نعملو؟ هذا مكتوب ربّي … هي ربّي يهنّيها وانت تاخذ للّة النساء …واحنا يشرق علينا نمشيو نعاركوهم ..؟؟.. وانت يشرق عليك تمشي تعمل حاجة والا بوحاجة ؟؟؟ …. نحبّك عاقل وسيد الرجال …
لم يكن ارسالنا المشاعري يومها انا وعيّادة على نفس الموجة ..هي كانت ترسل على موجة طويلة المدى (العقل) وانا كنت ارسل على موجة قصيرة المدى (القلب)… انتفضت كجبّار مارد وقلت بشكل حازم: شوف ما نطوّلوهاش وهي قصيرة، تلبس سفساريك توة وتمشي تخطبهالي … وانتفضت عيّادة بدورها وهي جامدة في مكانها: نخطبهالك ..؟؟ اش عندك؟ زيتون بوك والا ورثة امّك …؟؟ اشنوّة تحبّني ضحكة قدّام ناس ما نعرفهمش ..؟؟ اش نقلّهم كيف يقولولي اش يعمل ولدك واش عندو ..؟؟؟ لم ادعها تكمل خطبتها الموضوعية والمنطقية …كنت اعرف ان ارتباط اي شاب بفتاة في ذلك الزمن يقاس بما يكسب لا بما يكنّه من مشاعر … بل قد يصبح الافصاح عن المشاعر جريمة لن تغتفر في حق من يحب ولكن انّى لي ان اعرف وقتها ….قفزت من امام عيّادة وبلغة التهديد والوعيد صرخت: شوف كلمة وحدة يا تمشي تخطبهالي توّة زادة موش غدوة، والا وجهي ما عادش تراه ..والله لا عاد تراه ..
عندما التفت بعد ذلك الزمن الى صنيعي وددت لو وجدت او اكتريت جلادا ليوثقني امام كل الناس ويهوى على ظهري العاري دون شفقة او رحمة ..تماما كما فعل جماعة قريش ببلال وهو يعلن عصيانه على اسياده…. كيف لا وانا لم ادع المجال لايّ صلح وبوجهي الصارم الا وعيّادة تلتحف بسفساريها ودموع القهر تنسكب من عينيها لتُنفّذ قسرا اوامر جلاّدها ..امّي كانت تعرف طفلها جيّدا ..كانت تعرف انّي عنيد جدا بل انّي العناد ..وكانت تدرك اتّي افعلها ..وانّها ستثكل في عبدالكريم اذا لم تنفذ وللتّو امره الهتلري القاصم لكبريائها وعزّة نفسها ..ولكن كانت تدرك ايضا اتّها يجب ان تفعل اي شيء من اجل وردة عمرها …اوليس المثل المصري يقول: من اجل الورد نسقي العلّيق ؟؟ وسارت عيّادة الى اهل حبيبتي “ساق لقدّام وعشرة التالي ..هايمة على وجه الارض من هنا تكوي ومن هنا تشوي”… هكذا روت لي بعد سنوات كيف عاشت الحدث الجريمة التي ارتكبتها في حقّ جنّة عمري ..في حقّ امّي الرائعة العظيمة وانا كالاهبل اسوقها الى الذل والاذلال ..
لم تكن المسافة التي تفصل بين حوشنا ومنزل حبيبتي تزيد عن الكيلومتر ونصف … ولكن وكما الزمن ..المسافات تطول وتقصر حسب الاحداث لا حسب المقاييس العادية البائدة والكاذبة … وتصوروا فقط زمن انتظاري لعودة عيّادة من الامتحان الرهيب ..نسيت وقتها الباكالوريا والمراجعة والاصدقاء ..وطفقت كامل قرون الانتظار اشعل سجائري “المنته”… كنت تماما كذلك النصف مجنون الذي لا يدري ماذا يريد رغم انّه يدري ..كنت لا ادري ايّ خطب فادح ينتظرني او ايّ بحر من الفرح سيغمرني واغرق فيه واتنفس تحت الماء دون ان اغرق ..يومها عرفت عمليّا ما معنى قطع كل الوقت وانا امشي ذهابا وايابا في انتظار عودة عيادة من مهمّتها كسفيرة فوق العادة لدولة مشاعري .. ولمحتها …انها هي تلك المرأة القصيرة طولا ..العظيمة حتى عنان السماء.. الكاريزما حتى ما فوق السحاب شخصية .. لم اجد ذرّة واحدة من الشجاعة كي اهرول اليها لاستقي اخبار الغزوة ..كانت رجلاي مثبتتين في الارض وكنت على نفسي ادور ادور ..هل احسستم يوما مثلي بما معنى الواحد منّا يدور وهو ثابت كعمود على رجليه ..؟؟؟ هل عشتم مثلي رهبة انفراج الستار لاكتشاف ما قد يكون وراء الستار ..؟؟
ووصلت عيّادة ..وهرعت عيناي مسرعة لقراءة ما في عينيها …وخارت قواي..كنت طوال عمري اعشق فكّ رموز الاعين وما زلت ..ولئن اكّد العلم انّ هنالك شيئا ما داخل الاعين البشرية هي كالبصمات لن تشترك عين واحدة مع عين اخرى فيها ..فاني كنت وما زلت التجئ الى عين محدّثي صديقا كان او طالبا او قريبا ..لابحث في عينيه عمّا لا يستطيع قوله ..وكم كانت الاعين تستجيب لبحثي لتعرّي صاحبها مهما حاول التخفّي ..خارت قواي وانا المح عينيّ عيّادة …وزاد انهياري وانا ارى الدمع فيهما ..رغم انّها لم تكن يوما من اللواتي يبكين بسهولة ..اتذكّر جيّدا انّها كان تردّد دوما: يعطيهم شيّة الدموع ..كيف نستحقهم في همّ ما نلقاهمش… ولكن ايّ هم اكبر من همّها وهي تعود منكسرة كسفيرة فوق العادة في الامم المتحدة وهي تحاضر من اجل سعادة واسعاد ولدها ..احسست وقتها انّها حاضرت على منبر الامم “المتخذة” … لم استطع النظر اليها …كنت الدمار بعينه وسالت وبصوت يكاد لا يُسمع الا باذينة القلب: اش قالولك ..؟؟ وجاوبتني ودمع العين يسبقها: قالولي احنا ما عندناش طفلة تحب … وقول لولدك راك مازلت صغير و يمشي يقرا على روحو خيرلو … هل تصدّقون اني اكتب لكم الان وانا في حاجة غامرة لصدر ابكي عليه …عيّادة الغالية يّقال لها هذا الكلام ..؟؟
ياااااااااااااااااااااااااه ما اخيبك يا عبدالكريم …اهكذا انت بكل هذه البشاعة ورّطت عيّادة ورميت بها في الوحل ..؟؟ مسحت أمي بكُمّ سفساريها دمعها وانتفضت وهي ترى ابنها مهزوما وقالت: اما انا ما سكتّلهمش …قلتلهم ولدي مازال صغير ايه ..اما هو في يوم من الايام يكبر ويكمّل قرايتو ويولّي سيد الرجال… هي قالتها نعم ..وكانت تدافع عن كبريائها الجريح وتدافع عن طفلها المكلوم … وعادت عيّادة الى هدهدة وليّدها: وراس ولدي اللي ما تاخذ للّتها ..وختمت تغريدتها بدعوتها الشهيرة: برّة ولدي راجع على روحك . امتحانك عادك بيه جاء .. يجعلك هلال على روس الجبال ..الشمس لا تحرقك والعدو لا تلحقك …
وقتها لم اكن اسمع كثيرا ولم اكن ارى كثيرا ولم اكن انا كثيرا ..كنت قطعة فراغ … وما افظع ان يكون الواحد منّا “لاهو هوّ ولاهو موش هوّ”… لست ادري كيف تحاملت على نفسي وغادرت الحوش … ولست ادري كم قضّيت من الزمن للوصول الى اصدقاء المراجعة .._ الزمن .. الزمن .. الزمن .. ما اقساه وهو يضحك على ذقوننا بكل شماتة .. ووجدت صديق عمري ينتظرني وبادرني بالسؤال بعد ان انتحينا ركنا منزويا: (اش صار لاباس؟ تي اتكلم يا …) نظرت اليه وبدأت بخاتمة ما حدث قائلا: خوك حلت به مصيبة …وقصصت عليه ما حدث “من طقطق …لسلامو عليكو” … ورغبة من رضا في تمييع الحدث وتخفيض هول ما حدث لي، ردّ على طريقتنا انذاك: (بول عليهم يعطيهم … توة موش وقت حب …الباك تستنى فينا ..ننجحو ونمشيو لتونس ونعيثو فيها فساد وطز فيهم…هو يعرف مدى تعلّقي بفتاتي لذلك لم يجرؤ على مسّها بايّة عبارة نابية ..
لم اردّ على ثرثرته وعدت الى: شك .. ضباب ..حطام .. بعضي يمزّق بعضي يمزّق بعضي…لم يعد يفصلنا على موعد اجراء امتحان الباكالوريا الا بضعة ايّام ..كابدت فيها نفسي حتى اتناسى ما حدث وانشغلت بقراءة الى حدّ الحفظ آخر ما صدر لنزار قباني من شعر _ ديوان هوامش على دفترالنكسة… والذي يحتوي على ثلاثة قصائد كتبها الكبير نزار بعد نكسة جوان ..كنت قبل ذلك الديوان التهم التهاما ومنذ بداية مراهقتي كل ما صدر له مفتونا بما ينثره قلم شاعر المرأة والحب من عناقيد ابداع …الان ديوانه الاخير فتح عيتيّ على لون جديد في اشعاره لم يكن يصيغها من قبل وهو يصرّح بذلك بقوله: مالحة في فمنا القصائد .. مالحة ضفائر النساء والليل والشجار والمقاعد ..يا وطني الحزين… حولتني بلحظة من شاعر يكتب شعر الحب والحنين لشاعر يكتب بالسكين .. لان ما نحسّه اكبر من اوراقنا .. لابدّ ان نخجل من اشعارنا ..نزار في شعر سياسي …
وجاء يوم الامتحان ..كنت كعادتي هادئا متوازنا رغم الخطب الجلل… منتصب القامة ذهبت الى معهد الهادي شاكر في اليوم الاول من الامتحان .وجاء موضوع الفلسفة: الحرية لا تُعطى بل عمل يجب القيام به… شيّخني برشة الموضوع وعطيت كل ما عندي في واحد من اهم مواضيع الفلسفة الحريّة… وجاء موضوع العربية: الشاعر ابن بيئته حلل وناقش … وهذا طرت بيه ..تجولت في مدار الشعر منذ العصر الجاهلي مرورا بالاسلامي والاموي والعباسي والحديث والمعاصر حتى ديوان هوامش على دفتر النكسة ..اخترت من الجاهلي عنترة ..لا تسقني كأس الحياة بذلّة، .بل فاسقني بالعز كأس الحنظل ..وطرفة … اخترت من صدر الاسلام حسان بن ثابت ….ثم مررت الى عمر ابن ربيعة وابي تواس وجميل بثينة ..وليت هندا انجزتنا ما تعد ..وشفت انفسنا مما تجد ..واستبدت مرة واحدة ..انما العاجز من لا يستبد …وصولا الى اكبر واعظم واروع شاعر عربي في العهد العباسي وفي كل العهود ..انا الذي نظر الاعمي الى ادبي .. واسمعت كلماتي من به صمم …المتنبي ومن غيره؟ ..
انتهاء بالشعر الحديث وتحديدا شعراء المهجر… وختامها نزار ابن القباني الدمشقي الذي احترف الهوى .. ان الهوى في طبعه غلاّب . كما جاء في قصيدته يا تونس الخضراء …نزار . شاعر الحب والسياسة …في كلمات، فتّقت مواهبي بكل ما احفظه لهؤلاء خاصّة اني مع سي محسن الحبيّب استاذ العربية كنا محظوظين لاننا في هذا الباب قمنا باحد الفروض . ونلت كعادتي 12 افضل عدد …المواد الاخرى كنت كعادتي… ضعيفا جدا في الرياضيات والفيزياء… فوق المتوسط في العلوم… قريبا من الحسن في التاريخ والجغرافيا نظرا إلى لارقام الكثيرة في هذه الاخيرة… وحسنا في الانكليزية …. لكن بالنسبة لنا تلاميذ شعبة الاداب الكلاسيكية “أ” في تلك الحقبة، المهم تسلّكها في العربية ضارب 4 وفي الفلسفة ضارب 6 …
انتهت اختبارات الباكالوريا ..وعدت الى شلّة الاصدقاء ..ولاعمالنا اليومية ويا لها من اعمال ..كورة وبولاط وسهريات في الاعراس التي نعرفها والتي لا نعرفها حيث لا تنفع معنا العبارة المشهورة انذاك لكل من لا يقبل المتطفلين لحضور فرحه “جو عائلي”… وهي بمثابة الورقة الحمراء التي تعيد كل من هو غير مرغوب فيه الى خارج ملعب العرس ..هذه العبارة لا معنى لها عندنا نحن بورة الكحلاوي والا “نبلبزوها”… واتقاء لشرّنا يُسمح لنا بالدخول خاصة ونحن لم نبلبزها يوما مع ايّ كان … المُهم يعطيونا قدرنا ..
بعد الامتحان بيومين …وصلتني رسالة موجزة منها … نعم من حبيبتي ..تقول: دارنا عطاو الكلمة لدار العروس ..اما ما تخافش انا معاك وليك انت اكهو … وهرولت مسرعا اليها ..ومن تكون غير عيادة ,,؟؟؟ وعانقتها بكل عنف حنون قائلا: قلتلك راهي تحبّني شوف اش بعثتلي..؟؟ وسردت عليها الكلمات الموجزة والتي كانت عندي اكبر من ايّ مجلّد .. ونظرت اليها فاذا بها تردّ ببرود واتّزان: اللي يعطي ربّي مبروك .. اندهشت من هذا الموقف الذي كم هو شبيه بالنهر المتجمد لميخائيل نعيمة -يا نهر هل نبضت مياهك وانقطعت عن الخرير .. ام قد هرمت وخاب عزمك فانثنيت عن المسير ).. لم يكن في اعين عيّادة ايّ معنى للحياة… كانت باهتة الى حد التجمد ..فعلّقت في دهشة: اشبيك ما فرحتليش ..فاجابت وبنفس الهدوء المدمّر: يا وليدي حتى يولد ونسميووه ._….
لم افهم يومها ما عنت .. وهل للمحبّ ان يخضع قلبه لسكانر العقل … مهبول اللي يقول ايه …ولانني اعرف واعشق هبلتكم فها انا اصرّ اصرارا على ان المحبّ مهبول او لا يكون …
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.
في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…
عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟
في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…
مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…
تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…
اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…
إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…
قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…
الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟
موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…
قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …
كنتُ بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مقالي الأسبوعي في جلنار، حين بلغ مسامعي صراخ وألم ووجع عائلات من قضَوْا تحت أكوام حجارة سور معهد المزونة، رحمهم الله.
تمرّد القلم بين أصابعي، ورفض إتمام ما بدأه والانصياع لأوامري، وما أكتب، معلنًا الحداد على من ماتوا، ووُئدت أحلامهم تحت حجارة سور جريح ينزف دم سنوات الإهمال والتخلي.
سور أصابته لعنة “باركينسون” تشريعاتنا المهترئة، فارتعش وجعًا. سور لم يرأف بحاله أحد من القائمين على شؤون ترميمه، وترميم ما يحيط به. سور سال دم جراحه، وأسال دم من مرّوا بجانبه وأمّنوه على أرواحهم. سور توجّع وتألم طويلًا، وبكى… ولم يسمع بكاءه أحد، حتى أبكى أمهات بعض من اعتادوا المرور بجانبه… سور تآكل، وبانت عورته، فغضب وانهار على من كانوا يمرّون بجانبه، يتكئون عليه، ويستظلون به من غضب الشمس وثورة الأحوال الجوية، وهم في طريقهم لطلب العلم.
الغريب ما قرأته بعد الفاجعة، وما سمعته من صراخ من خرجوا يهددون بالويل والثبور وعظائم الأمور. أغلب من خرجوا علينا يولولون، يطالبون بمحاسبة من تسبب في الفاجعة، ويطالبون بتحميل المسؤولية لكل من قصّر في أداء واجبه أو غفل عنه.
هكذا نقفز على كل وجع ومأساة، لنواصل الدعوة إلى الانتقام من كل ما سبق، ومن كل من سبقونا في تحمّل مسؤولية خدمة هذا الشعب… هل يجب أن ننتقم ونثأر بعد كل فاجعة أو فشل ممن سبقونا في تسيير شؤون مؤسسات البلاد؟ هل يجب أن نشيْطن كل من سبقونا في خدمة الوطن بعد كل وجع يشعر به جسد هذه الأمة؟ ألا يجدر بنا أن نعتبر مما حدث، ونبدأ بإصلاح حالنا وأحوالنا؟
أتساءل: ألا يتساءل أحدكم لماذا كل هذا العزوف عن تحمّل المسؤولية؟ أليس للفصل السادس والتسعين من المجلة الجزائية دور كبير في هذا العزوف، الذي أفرغ مؤسساتنا من كفاءات كنّا نفاخر بها، ونطمئن بوجودها على حالنا وحال مؤسساتنا وحال البلاد؟ ثم، أليس للفصل الرابع والعشرين من المرسوم عدد 54 نصيب مما نحن فيه، ومما عشناه ونعيشه؟ فمن كان يرى في السور عيبًا وخطرًا، لن يكتب عن الأمر، ولن يُنبّه لخطورته، خوفًا من أن يُتهم بنشر أخبار زائفة وإشاعات كاذبة…
ألم نغرق اليوم في وحل الفصل السادس والتسعين، ورعب المرسوم الرابع والخمسين؟ لماذا تنشر تشريعاتنا وبعض قوانيننا الخوف والرعب في نفوس كفاءاتنا، ومن يملكون القدرة على تحسين أوضاعنا؟ أيمكن للأمم أن ترتقي وهي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب من قوانينها؟ كيف نطلب من بعضنا خدمة الوطن وهم يعيشون رعب القانون، ورعب الحقد، ودعوات الإقصاء والثأر والانتقام من كل قديم، وكل مخالف في الرأي، وكل من لا يعلن لنا البيعة، ولا يقف صارخًا “مزغردًا”، مصفقًا لأخطائنا، ملمّعًا لفشلنا، داعيًا لنا بطول العمر وجزيل الثواب؟
يا من تستمتعون بوجع خصومكم، ومن لا تتفقون معهم، ومن تركوا أثرًا طيبًا وانتصروا عليكم بما حققوه وأنجزوه…الوطن أمانة بين أيادينا جميعًا، فجنّبوه الفتنة، وجنّبوه الأحقاد، وحافظوا على سور الوطن…ولا تخربوا سقفه، فإن انهار سقف الوطن، فنحن، نحن الشعب، من سيدفع الثمن… نعم… نحن الشعب من سيدفع الثمن.