تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم … الورقة 72

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

…وعاد الكوكتيل !

كانت فرحة المستمعين عارمة وكان صدى عودته صحفيا كبيرة… ولم تدم عودته بالصيغة المسجّلة طويلا ….بضعة اسابيع وعاد الى شكله المباشر …

عبد الكريم قطاطة

الاّ انّ الملأ لم يُلق السلاح بل تجاوز المقصورات الخفيّة ليتحوّل الى المصدح في بعض البرامج بالهمز واللمز … لم اردّ وقتها على مثل تلك الاستفزازات لكن مرة اخرى تكفّلت بذلك بعض الاقلام في الصحافة المكتوبة… وهنا وللامانة والله شاهد على ما اقول لم اطلب يوما وفي كل حياتي المهنية ان يكتب عنّي ايّ زميل لا دفاعا ولا مدحا … رغم انّ مثل هذه الاشياء كانت ومازالت متواترة بكثرة في علاقة الاذاعيين او الفنانين بالاقلام المأجورة (مسّني ونمسّك)…

من جملة ما كُتب انذاك عن استفزاز بعض الزملاء بعد عودة الكوكتيل هذا المقال الصادر بجريدة الاعلان وبتاريخ 22 جويلية 1983 وتحت عنوان (لا تجرحوا كرامة عبدالكريم قطاطة)… يقول صاحب المقال: (بعد عودة برنامج من البريد الى الاثير إثر زوبعة لعبت فيها عدة اياد خفية غير نظيفة، وبعد طيّ صفحة الماضي واستبشار المستمعين بهذه المبادرة الجديرة بالتنويه والتي قامت بها الادارة الحالية لاذاعة صفاقس ونخصّ بالذكر السيد التيجاني مقني مديرها، يبدو انّ الايادي التي ابعدت المنشط الممتاز عبدالكريم قطاطة عن العمل الاذاعي عادت من جديد لتُسمّم الاجواء امام الميكروفون وتكيل له شتّى انواع الثلب والشتم والاهانة وذلك باحدى حصص مطلع جويلية … ونحن نعجب من هذا الموقف المُخزي والذي يتنافى وابسط قواعد الزمالة .. وعلى ايّة حال انّ حكم الجمهور وحده كاف للتعبير عن مدى تعلّق المستمعين بهذا المنشّط الذي سحر الالباب… وقد بلغ الى علمنا انّ رسائل استنكار عديدة وصلت الادارة للتعبير عن استيائها من هذه الاعمال وتناشد المسؤولين ان يضربوا بشدة على ايدي هؤلاء، حتّى يكفّوا عن عرقلة عبدالكريم الذي اثبت للجميع انّه الافضل والاحسن والانظف)

وللتاريخ لم يُعمّر ذلك البرنامج المعني طويلا واندثر …وللتاريخ ايضا طُويت صفحة الخلاف مع صاحبه بعد 10 سنوات …الكوكتيل بعد توقفه وعودته شهد ألقا كبيرا … في تلك السنوات اعتبر المتلقّي والناقدون في الصحافة المكتوبة وحتى بعض الزملاء في اذاعتي تونس والمنستير… اعتبروا عودة الكوكتيل انتصارا لنهج اذاعي جديد، اذ رأوا فيه نفَسا ذا جرعات من الجرأة مضمونا وفيه شيء من الامتاع شكلا … ودائما للتأريخ وليس من باب استعراض العضلات، يكفي ان اعرض عليكم موقفا من قامة من قامات التنشيط انذاك، المرحوم نجيب الخطاب، عندما صرّح في استجواب صحفي بجريدة البيان وبتاريخ 4 جويلية 83 وهو يُجيب عن سؤال حول اذاعة صفاقس، بالقول: (بالنسبة لاذاعة صفاقس لا اضيف شيئا عندما اقول انّي معجب بعبدالكريم قطاطة الذي عرفته كفنّي ممتاز وذكيّ جدا في تركيب الافلام بالتلفزة التونسية، واملي ان انتج في يوم ما، برنامجا اذاعيا مشتركا بيني وبين عبدالكريم)…

هذه شهادة من جملة العديد من الشهادات التي لم اذكرها والتي فقط اردت من خلالها التذكير بانّ النجاح ووهجه قد يسير بنا الى الهاوية اذا لم نضعه في مكانه الطبيعي … اي وجب على ايّ نجاح نحققه في حياتنا ان يكون دافعا للافضل … للأجود … للارقى … والا تحوّل وهج النجاح الى نار تحرق في داخلنا الارادة لمواصلة الطريق باكثر حماسا ورغبة في التجاوز … من ثمة اصبحت مسؤوليتي في الكوكتيل مضاعفة… بدرجة اولى المحافظة على ثوابته، وبدرجة ثانية البحث عن اشكال اخرى لاخراجه من التحنيط… لذلك يبقى العمل الاذاعي الناجح رهين التجديد والخلق والبحث … من هذه الزاوية ومن زوايا اخرى كان عليّ ان لا اكتفي بالمثابرة اليومية بل اتجاوز ذلك الى ابعاد اخرى …قلت من زوايا اخرى وهاكم التفاصيل …

اوّلا انا جُبلت على الاعتراف بالجميل مهما كان حجمه … ومن خلال تعاملي مع السيد التيجاني مقني احسست الى حد اليقين انّ الرجل كان نزيها جدا معي … هو لا يتكلم كثيرا نعم …ولكن للصمت ولنظرات الاعين مفرداتها الرشيقة ايضا … وكان واجبا عليّ ان اقول له وعلى طريقتي شكرا لك يا رجل … هذه زاوية اولى … الزاوية الثانية كيف عليّ ان اتعامل مع الملأ الذي كان وسيكون ؟؟؟ من طباعي ايضا انني لا اغضب سريعا ولا اردّ الفعل سريعا وحتّى ردود افعالي كانت ومازالت مغايرة للسائد … انا اصمت كثيرا واردّ الفعل بالعمل…

هذه الزوايا الثلاث التي تحدثت عنها جعلتني افكّر في عمل غير مسبوق… اذاعة صفاقس على بعد بضعة اشهر من الاحتفال بعيد ميلادها الثاني والعشرين (8 ديسمبر 1983)… اذن الفرصة مواتية لفعل شيء ما يرتقي الى مستوى الحدث … ماذا لو كان الاحتفال في شكل سهرة اذاعية مباشرة حتى الصباح ؟؟؟ اعرف ان مثل هذا لم يحدث سابقا في تاريخ الاعلام الاذاعي التونسي؟؟؟ … ايه وين المشكل ؟ … لماذا لا نكون سباقين في ذلك باذاعة صفاقس ؟؟ وقفزت سريعا الى مكتب المدير …. استقبلني ببشاشته التي اصبحت جزءا من لقاءاتنا وقال: اشنوة شكون تسلّط عليك هذي المرّة ؟؟… انا لم اكن اشتكي من ايّ كان ولكن هو يعرف انهم متسلطون … اي اصبح مدركا لما يجري في الكواليس …

ضحكت وقلت: لا لاباس اما عندي فكرة مشروع نحب نعرضها عليك … اصلح جلسته وقال: ان شا الله خير… قلت له: اذاعة صفاقس ستحتفل بعيد ميلادها الثاني والعشرين عن قريب … اجاب ايه نعرف والمطلوب ؟؟ … قلت له ما رايك لو يكون الاحتفال حدثا هاما بالنسبة لمؤسستنا … قال لي: هات اشنوة المطلوب منّي، اما راهو الخزينة نهاية عام وما فيهاش برشة فلوس … قلتلو: لا الفكرة من نوع البلوشي… تهلل وجهه وقال: ايّا هات اش عندك … طرحت عليه فكرة برنامج اذاعي بما يّسمّى (نون ستوب) اي بث ليلة كاملة دون انقطاع ….لم يردّ للحظات ثمّ قال لي سافكّر في الموضوع … خرجت من مكتبه دون ان افكّ شفرة (سافكّر في الموضوع) … كنت واثقا من انّ “الملأ” لن يوافق… ولكن كان هنالك بداخلي احساس انّ سي التيجاني بمقدوره ان (يتملّح) من الملأ …

يومان فقط وبعدها دعاني السيّد التيجاني الى مكتبه … وكعادته وبنظّارته التي تحجب عنّي قراءة ما بداخله قال لي: اقعد سي عبدالكريم…جلست ولم يمهلني طويلا حتى سأل: انت واثق من قدراتك على ننفيذ المشروع اللي حكيتلي عليه لعيد ميلاد اذاعة صفاقس ؟؟؟ اجبته نعم وبكل حزم … ابتسم وقال في دعابة: معناها ما كذبوش عليك اللي قالو انّك مغرور …. قلتلو هذا كلام نعرفو وما يقلقنيش …. فما كان منه الا انّو زاد تفّحّها يقوله: اما هوما قداش يحبّوك (طبعا بلهجة ساخرة) …. فرددت عليه بنفس اللهجة: لو كان تشوف انا ! … عاد الى جديته وقال لي: اشنوة يلزمك لتحقيق الفكرة متاعك؟ … قلتلو: موافقتك …. قللي اعتبرني موافق نحكي ماديا … قلتلو باستثناء تخصيص استوديو للمونتاج واخرين للبث لا شيء لانني ساعمل وكل الفريق مجانا هدية منّا لاذاعتنا …

نظر اليّ بكلّ عمق وقال: (اخدم على روحك وانا عندي ثقة فيك) … بكلّ صدق خرجت من مكتبه كطاووس … وبكلّ صدق اعتبرت موافقته دفعا ايجابيا لي وضربة قاصمة للملأ … وبدأت في نسج سيناريو البرنامج … اوّل ما عملت عليه ان يكون التنفيذ جماعيا لذلك دعوت العديد من الزملاء للخوض في الموضوع ولتمكينهم من المساهمة في البرنامج ….لكن وبكلّ صدق ايضا كنت حاسما في اختيارات محتوياته … انا هكذا متسلط جدا عندما اتبنّى فكرة ما … لا يزيحني عنها الا من يقنعني بالافضل منها … وشرعت في العمل … كنّا خليّة نحل في اعداد ومونتاج الاركان المسجلة والريبورتاجات … ثم قمت بعدها بتوزيع الادوار بين كامل اعضاء فريق المنشطين في استوديوهين وانطلقت السهرة الحدث …

احتفظ منها باشياء عديدة ولكن اهمّها انني يومها اكتشفت مدى تناغمي مع زميلي عبدالجليل بن عبدالله في التنشيط الثنائي… وثانيهما ونحن على بعد هنيهات من اختتام البث، وباب استوديو البث يُفتح ليدخل منه السيّد التيجاني مقني وكلّه سعادة وليشدّ على يديّ بكل حرارة وعمق … وليقول برافو ربحنا جميعا الرهان… وكنت اكثر سعادة وانا اقرأ رجع الصدى في الصحافة المكتوبة لعلّ اطرف ما جاء فيها ما كتبه احد الزملاء في جريدة البيان بتاريخ 13 فيفري 84: (سهرة عيد الميلاد التي تواصلت الى الصبح شدّت آلاف المستمعين، فمن ذلك فتاة صغيرة تدرس بالمدرسة الابتدائية سهرت مع الحدث ولما كانت في القسم داعب النوم جفنيها فسألها المعلم عن السبب، قالت: عبدالكريم وعيد ميلاد اذاعة صفاقس… ردّ المعلّم: انت اشجع منّي… انا لم استطع متابعة البرنامج للصباح)

… وانا اكتفي بما كتبته في الورقة 72 منذ الصباح …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

الوضع الحالي (ج 2): الساحة الوطنية… مقترحات لدرء الخطر

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.

كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أو بعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.

هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:

أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،

ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.

ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.

ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.

المقنترحات العاجلة:

ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.

واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:

أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.

ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.

ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.

رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.

خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.

خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.

كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.

أكمل القراءة

جور نار

من الشبّاك

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.

فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت على مسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.

كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها

ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.

إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا

ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…

ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها

المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز

نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.

أكمل القراءة

جور نار

وقت مستقطع… للحبّ!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…

ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟

ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…

هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…

خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…

وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…

أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار