” هذه هي تونس الجديدة بعد 25 جويلية” هكذا تندر التوانسة على خبر توجه إحدى الفتيات لخطبة حبيبها
وواضح طيلة الأيام الماضية أن كثيرين يعلقون آمالا كبيرة على تونس بعد 25 جويلية.. و من حق الجميع أن يحلم و أن يأمل في غد أفضل.. العاطل و العامل، الجاهل و المتعلم، ابن الريف و ابن المدينة ، الفقير و الغني، المرأة و الرجل، المسلم و غير المسلم، الشاب و الشيخ…. كل تونسي من حقه أن يبني في خياله ما يريد…
<strong>عبير عميش<strong>
ألم يكن شعار قيس سعيد في انتخابات 2019 ” الشعب يريد”، ألم يفتح قيس سعيد باب الحلم أمام جزء كبير من الشعب ليلة 25 جويلية بتأويله الخاص للفصل 80؟
و لكن ماذا يريد هذا الشعب فعلا ؟ فيم يرغب و بم يحلم؟ هل هناك مشروع مشترك بين أبنائه؟ هل هناك تصور مشترك لتونس ما بعد 25 جويلية؟ هل الشعب واحد أم متعدد؟
هل بما رأيناه طيلة الأيام الفائتة من رغبة في الاستئصال الجماعي نحن قادرون على البناء المشترك؟
إن ما رأيناه من حملات ممنهجة لتشويه الخصوم عن حق و عن باطل و من إشاعات و افتراءات يتجاوز فكرة المحاسبة إلى عقلية الحقد و الكره حيث انقلبت الموازين و صار الجميع مطالبا بإثبات براءته فكل رجل أعمال هو سارق ما لم يُثبِت العكس و كل موظف هو مرتش ما لم يُثبِت العكس و كل إعلامي هو متواطئ و خائن ما لم يُثبِت العكس و كل مسؤول هو فاسد ما لم يُثبِت العكس…
ماذا بعد تخميرة الأيام الأولى و رغبة الغالبية في المحاسبة (التي بلغت درجة التشفّي أحيانا) و شماتة الكثيرين في النهضة التي تغوّلت و في رئيسها و عدد كبير من قياداتها الذين جثموا طيلة عقد كامل على صدور التوانسة و على مفاصل الدولة و تبادلوا الأدوار في مسرحيات سمجة…
ماذا بعد هذه التخميرة ؟ ما الذي يجب فعله لتصبح تونس أفضل؟ هل القائد وحده ( قيس سعيد) قادر على إحداث الأثر و التغيير المطلوبين؟ خاصة و أن قراراته و كل إجراءاته _ حتى اليوم _ قائمة على كره النهضة و تصفية حساباته مع رموزها و باراشوكاتها و كل كلماته التي تبثها صفحة رئاسة الجمهورية مبنية على هذه الفكرة فهم الآخرون و المتسللون و المنافقون و المفسدون و الفيروسات السياسية الذين سيحاربهم و يحاكمهم و يبعدهم..
سعيد إلى اليوم لم يتوجه إلينا بتصور لما يريده لتونس بعد ستة أشهر مثلا، ليست لدينا فكرة عن توجهات الحكومة التي ستقود البلاد طيلة الفترة القادمة و لا عن أولوياتها و خططها و الملفات التي ستشتغل عليها ، بل أكثر من ذلك نحن إلى اليوم و بعد حوالي نصف شهر لا نعرف من سيكون رئيس الحكومة القادم و إن بدأنا نتعرف على بعض المكلفين بتسيير الوزارات على طريقة الري قطرة قطرة…
كيف سيكون وضع الأحزاب، كيف ستكون علاقته مع المنظمات الوطنية، هل ستُجرى انتخابات سابقة لأوانها ، هل سيقع تغيير النظام الانتخابي و وفق أية آليات ، هل سيقع تعديل النظام السياسي و نحو أي اتجاه…
إن جبهات عديدة مفتوحة و تساؤلات أكثر منها مطروحة مازالت لا تجد إجابة إلى اليوم و لا أعتقد أن مهلة الثلاثين يوما التي حددها الرئيس في بيان 25 جويلية كافية للإجابة عنها
ماذا سيفعل الرئيس و قد صار الممسك بكل السلط و المسؤول الأوحد أمام الشعب لمجابهة الوضع الاقتصادي المنهار و تفاقم مشاكل المالية العمومية؟ فلئن نجح البنك المركزي في خلاص قسط الدين بتاريخ 5 أوت فكيف سيكون الوضع في قادم الأشهر خاصة بعد أن ارتفع سقف أحلام التونسيين الذين و إن أسكتتهم اليوم بعض إجراءات المحاسبة و بعض خطابات الرئيس المهدِدة و المنددة بالغلاء و الاستغلال و المطالبة بتوفير المواد و تخفيض الأسعار فإن أصواتهم سترتفع في قادم الأيام للمطالبة بالتشغيل و الانتداب و تحسين الأجور و تطوير البنية التحتية… فحتى شعار “خبز و ماء و هاذاكا لا، و إلا هاذوكم لا..” لن يطول صبر الناس عليه كثيرا خاصة أن رئيس الدولة ما فتئ يردد كل مرّة أمام ضيوفه و متوجها إلى الشعب أن تونس دولة غنية لكنها منهوبة و أموالها هُرّبت إلى الخارج. و خطاب كهذا لا بد أن يجعل الشعب يحلم بأنه ينعم بثراء بلاده و يتمتع بثرواتها…
فهل أن تونس هي فعلا بلد غني كما يقول سعيد.. هل لتونس فعلا ما يكفي من الموارد لتعيش في رخاء؟
إن تونس بلغة الأرقام تنتمي إلى مجموعة الدول الفقيرة فهي بحساب التقارير العالمية في المرتبة 126 من 193 دولة، حيث أن معدل الدخل السنوي للفرد أقل من 4000 دولار فيما بلغ الدين الخارجي حوالي 30 مليار أورو أي تقريبا 90٪ من الناتج الإجمالي المحلي و يعاني الاقتصاد من نسبة نمو سلبية تقدر بـإلاّ 8٪
أما الثروات الباطنية من بترول و غاز فهي عاجزة عن تحقيق اكتفائنا الذاتي كما أن الفوسفات حتى و إن عاد إلى معدل الإنتاج الذي كان عليه سنة 2010 فهو لن يوفر أكثر من ملياري دولار كقيمة معاملات…
إن هذه الأرقام تبيّن أن البلاد ليست غنية كما يقول سعيد و شعبها يعيش من القروض الخارجية و هي في حاجة إلى إصلاحات سريعة كما طالب بذلك صندوق النقد الدولي منذ سنوات.. إصلاحات قوامها أساسا الضغط على كتلة الأجور و ما يعنيه ذلك من إيقاف للانتدابات و للزيادات و إيقاف نزيف المالية العمومية و خاصة فيما يتعلق بصندوق الدعم و يكفي إلقاء نظرة بسيطة على قيمة ديون شركات الكهرباء و استغلال المياه و ديوان الحبوب لمعرفة حجم الإصلاحات الضرورية و هو ما يقتضي إجراءات غير شعبية كان كل رؤساء الحكومات يهربون منها فهل سيقدم عليها سعيد و يغامر بفقدان شعبيته؟
إن الرئيس يورّط نفسه بتصريحات كتلك فحتى و إن كانت رغبته صادقة في إيقاف نزيف المالية العمومية و في التقليص من حجم الفساد و التهرب الضريبي و في استعادة ما أمكن من الأموال من الخارج فإن هذا يحتاج سنوات طويلة من العمل و قدرة على تطبيق القانون و تعاونا بين الحاكم و المحكوم.. فهل سيكون بوسع التونسيين أن يصبروا و أن ينخرطوا في هذا التمشي إن لم يخرج إليهم بخطاب هادئ مطمئن غير متشنج يقطع مع الصور التي تعودناها منه و يحادثهم بلغة الواقع و الأرقام و يبني معهم مشروعا مشتركا تكون فيه الأولوية لتحسين الأوضاع الاقتصادية بمشاريع حقيقية بنّاءة بعيدا عن شعبوية الدعوات إلى التقليص من أسعار بعض المواد الاستهلاكية رغم مشروعيتها و انخراط البعض فيها عن خوف لا عن إرادة حقيقية
إن على الرئيس إن أراد تحصين شعبيته في قادم الأيام و ضمان البقاء في قصر قرطاج لدورة رئاسية ثانية أن يخطب ودّ الشعب كل الشعب غنيّه و فقيره بتكريس القانون و بتغيير المنوال الاقتصادي بإجراءات ينخرط فيها الجميع عن وعي و اقتناع دون تهديد و وعيد… و بتغيير النظام السياسي بطريقة تضمن لكلّ من لم يخُن و لم يُفسِد بالتواجد في المشهد… و بالاتفاق مع الجميع على خارطة طريق واضحة بعيدا عن كل التأثيرات و التوجيهات الخارجية و النأي بتونس عن لعبة المحاور الإقليمية. أي أن يكون رئيس كل التونسيين بمختلف انتماءاتهم لا رئيس أنصــــاره و مريديه فحسب ، و حينها ستزف اليه تونس عروسا راغبة غير متمنّعة
بين فيضانات 2018 وفيضانات 2026، تغيّرت التواريخ وتبدّلت الحكومات، لكن المشهد بقي ذاته: أمطار غزيرة، طرقات غارقة، أحياء معزولة، ضحايا و مفقودون ، زيارات ميدانية و خطابات مطمئنة…
والإشكال أن هذه الكوارث ليست بلا إنذار. فالأرصاد الجوية تحذّر عادة قبل 24 ساعة أو أكثر، والمعطيات العلمية حول التغيرات المناخية باتت واضحة، ومع ذلك تواصل الدولة التعامل مع الفيضانات بمنطق ردّ الفعل لا بمنطق الاستباق. وكأن المطلوب دائماً أن تقع الكارثة أولاً، حتى يبدأ التحرك بعدها. بعد فيضانات نابل 2018 شاهدنا جميعا يوسف الشاهد رئيس الحكومة آنذاك في تنقل ميداني إلى المنطقة المنكوبة وجلسات عمل و تيليتون لجمع التبرعات .. وقرارات ووعود … و هاهي نابل وما جاورها تُنكَب من جديد.
وُعِد التونسيون حينها بمراجعة البنية التحتية و إصلاح الطرقات و بناء الجسور و تطوير شبكات تصريف مياه الأمطار وتنظيف الأودية وإرساء نظم إنذار مبكر… لكنّ تلك الوعود كانت في أغلبها شعارات مناسباتية. فالأودية ظلّت مهملة، والبناء الفوضوي تمدّد، وشبكات التصريف لم تكن ضمن أولويات السلط لا الجهوية ولا الوطنية… كما غابت التصورات الفعالة لإدارة المخاطر الطبيعية. ورغم التوقعات الجوية بالتغييرات المناخية وبتأثر السواحل التونسية بالمنخفض الجوي، فإن النشرات الجوية لم تتجاوز حدود الخبر ولم تتحول إلى إنذارات وقرارات وقائيّة، وكأن حماية الأرواح مسألة ثانوية مقارنة بالخوف من “التهويل” أو من تبعات القرارات غير الشعبية.
في مثل هذه الأوضاع، يصبح التصرف الأسلم هو ذاك الذي يقدّم الإنسان على كل اعتبار… ولذا نزل قرار تعليق الدراسة بردا وسلاما على المواطنين فالخسائر المادية يمكن تعويضها، أما الأرواح فلا… و لكنه رغم ذلك يبقى قرارا منقوصا إذ لم يراع وضع الموظفين و العملة، وكأنّ الأزمة لا تعنيهم أو لا تؤثر فيهم أو كأنّ قدرتهم على المجازفة مفترضة سلفًا. فالفيضانات، في الواقع، تكشف تمييزًا ضمنيّا بين فئات المجتمع. فالتلاميذ تُعلَّق دروسهم حمايةً لهم أمّا الموظفون والعمال فيطلب منهم الحضور والعمل مهما كانت حالة الطرقات، ومهما بلغ الخطر، ومهما كانت وسائل النقل مفقودة أو مهدِّدة للحياة.
و لئن كان المواطن يتحمّل جزءا من المسؤولية في ما يقع بعدم احترامه للتحذيرات والقوانين واستسهاله البناء في مجاري المياه وعلى ضفاف الأودية، وبمساهمته في انسداد قنوات تصريف مياه الأمطار بسلوكاته اليومية الملوّثة، إلاّ أنّ هذه المسؤولية لا يمكن أن تكون شمّاعة تعلّق عليها السلطة إخفاقها وتهاونها. فالمواطن هو انعكاس لصورتها و أعمالها وهي التي تتحمّل المسؤولية الرئيسية وذلك بالتخطيط والوقاية والإعلام الصادق والردع وتطبيق القانون على الجميع .. فلا يحق للدولة تحميل الضحايا وزر سياساتها المرتبكة وتقصيرها في التعامل مع مثل هذه الوضعيات… حيث أن التعامل مع الفيضانات بعقلية الأمس لم يعد مجدياً، فما كان يُعتبر “أمطاراً غير معهودة” صار واقعاً متكررا وخطيرا وهذا يقتضي الإسراع في إعادة تصميم شبكات التصريف، ودمج التغير المناخي في السياسات العمرانية، والاستثمار الجدي في الوقاية بدل الاكتفاء بالترقيع بعد كل كارثة.
وبهذا الفهم لا يمكن أن نعتبر هذه الفيضانات قضاء وقدراً ، بل نتيجة خيارات وتأجيلات وتراكمات. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس لماذا نزلت الأمطار، بل لماذا نفشل دائما في حماية الناس منها رغم علمنا مسبقا بنزولها ؟ وحتى متى يتواصل هذا الفشل؟ في هذا السياق، لا يمكن تجاهل الشعبوية التي ترافق كل كارثة طبيعية في تونس، والتي تحوّل المأساة إلى مشهد سياسي أكثر منها قضية إنقاذ وإصلاح. فيصير المسؤول هو الخبر وتطغى صورته وتحرّكاته وخطاباته على صور المنكوبين وأحوالهم وتحجبها ، فمع كل فيضان أو فاجعة، يتكرّر السيناريو نفسه: زيارات ميدانية متأخرة، جولات في الأحياء المنكوبة، صور وفييوهات، تربيت على الأكتاف، عبارات تعاطف جاهزة من قبيل “نحن معكم” و“الدولة لن تتخلى عن أبنائها” و”الكلنا نعانيو” … دون أن تتبعها حلول جذرية…
و يمكن اعتبار أنّ ذلك التعاطف يدخل في خانة ترسيخ فكرة قبول الفشل والرضى بالأمر الواقع بدل المحاسبة والإصلاح وتقديم حلول حقيقية وفعالة .. ينسى المسؤول أو يتناسى أنّ المنكوبين، لا يحتاجون إلى من يربّت على أكتافهم بقدر ما يحتاجون إلى دولة تمنع عنهم الكارثة قبل وقوعها…. وإذا كان الإعلام في مختلف دول العالم الديموقراطي يقوم بدوره الحقيقي زمن الكوارث، فإن الإعلام التونسي ما زال دون المطلوب، إذ يكتفي بملاحقة الكارثة بدل أن يسبقها، فيصبح ناقلا للمأساة وموثِّقا للفشل بصور الغرق وشهادات الضحايا ونداءات الاستغاثة ومشاهد الدمار في الطرقات و الأحياء والمباني… بدل أن يساهم في إنقاذ الأرواح عبر بث التحذيرات المرتكزة على تحاليل علمية دقيقة (بلا تهويل أو تهوين) و عبر استضافة خبراء حماية مدنية وأرصاد جوية وهندسة وبيئة، لإرشاد الناس إلى الأماكن الآمنة و كيفية التعامل مع ذروة التساقطات.
وللإعلام أيضا دور أساسيّ في مثل هذه الوضعيات يتمثل في مقاومة الشعبوية. فبدل تضخيم صور الزيارات الرسمية والتعاطف اللغوي ، عليه أن يطرح الأسئلة المهمّة حول مدى الاستعداد للتدخلات وطبيعة الآليات الموضوعة على ذمة المواطنين، وأن يبحث عمّا أُنجز منذ الكارثة السابقة، وأن يستقصي عن مدى تقدم المخططات والمشاريع وعن مدى تجسيد الوعود الفائتة، و أن يستفسر عمن يتحمّل المسؤولية، ويتساءل لماذا تتكرر الأخطاء نفسها؟ أي أن يقوم بدوره الاتصالي والتحسيسي الذي يساهم في رفع الوعي وحماية المجتمع خاصة زمن الأزمات.
لكن إعلامنا في تونس صارت غايته الإثارة و أخذ أصحابه _ إلا من رحم ربّك _ يتسابقون من أجل التشبه بالكروكوزات و جماعة الانستغرام، حتى صار خبر عركة على قرنيطة يتصدر صفحات وسائل الإعلام ” الكبرى”!
أسال تصريح لاعبنا الدولي حنبعل المجبري حول تأخر تونس وحول استغراق شعبها في الحلم بدل الفعل، حبرا كثيرا وقد تردّدت بعض الشيء قبل الكتابة في الموضوع..
لكنّ ما استفزّني هو استنقاص البعض من مواطنة اللاعب بحجة أنّه يعيش خارج البلاد (وكأنّ الوطن جغرافيا لا ذاكرة، وكأنّ المواطنة بطاقة إقامة لا جرح يسكن القلب) ومصادرة حقه في الكلام والنّقد، ومطالبتهم له بالسكوت عن الإخلالات، وهل أودى بنا إلى التهلكة غير الصمت والمهادنة والأغلبية الصامتة والسير حذو الحائط؟ و عندما يتجرّأ أحد المواطنين مهما كانت صفته ليوجّه لوما أو نقدا أو ليحدد مَواطن الخلل تُصوَّب نحوه السهام ويصير هو المذنب ؟؟
إنّ ما قاله حنبعل ليلتها ليس شتما أو استنقاصا من شأن البلاد أو إهانة لها بقدر ما هو صرخة من الداخل، من عمق الانتماء لا من خارجه ولحظة صدق مع الذات ومحاولة شُجاعة لفهم أسباب التعثّر، وتشخيص موجع لحالة تتجاوز المستطيل الأخضر إلى مربّعات الحياة كلّه …
حنبعل لم يقل إن تونس فاشلة، بل قال إنها متأخرة ، والفرق بين الكلمتين كبير.. الفرق بين الكلمتين مسافة فعل وأمل … التأخر يعني أنّ الطريق لم يغلق بعدُ، وأنّ الّلحاق ممكن، لكنّ ذلك يفترض شرطًا أساسيّا هو الاعتراف بالمشكلة والإسراع بالحلول الحقيقية لا الترقيعيّة … ومشاكل تونس بالجملة تحتاج منا فعلا وفعلا وفعلا … فليس بالأحلام و الأماني الطيّبة تُبنى الأوطان. المعضلة الحقيقية في تونس هي في العقلية التي تدير الرياضة والإدارة والتعليم والنقل والصحة وكلّ المؤسسات ..
المعضلة الحقيقية هي في طريقة التفكير وفي كيفية تبرير العجز إذ تُرفع شعارات الصبر، ويتحدث المسؤولون عن الظروف و المؤامرات و الإرث القديم و”حطّان العصا في العجلة ” .. ويُطلب من المواطن أن يتفهّم وينتظر، و“يزيد يصبر شوية” …
إنّنا في تونس لا نبحث عن حلول عملية وناجعة للفشل بل نغرق في التحاليل والخطب الرنانة ونعوّض الفعل بالجدل.. نحلّل أكثر مما نخطّط وننتقد أكثر مما ننجز .. تونس ليست متأخرة لأن أبناءها عاجزون، بل لأنها ما زالت أسيرة عقلية تُجيد الكلام وتخاف الفعل و تدمن التباهي والعيش على أمجاد الماضي دون أن تمرّ إلى تحمّل المسؤولية والاقتداء بالأسلاف
في تونس نحلم أكثر ممّا نعمل، ونتكلّم أكثر ممّا نحقّق و نُتقن التنظير في المقاهي ووسائل التواصل، ونفشل في أبسط أشكال التنظيم في الواقع. نطالب بالنتائج دون أن نتحمّل أثمانها، فلا نقبل بالانضباط ولا باحترام الوقت ولا بالجدية، ولا بالتكوين، ولا بالمحاسبة ..
نريد الوصول دون عناء الطريق، ونغضب حين لا يصل القطار … تكلّم حنبعل المجبري _كما تكلّم حنبعل برقة قبل قرون ، حين رأى الخطر قادمًا من الدّاخل قبل أن يأتي من الخارج _ فقال يوم المباراة إنّ الطريق صعب، وإن التأخّر ليس قدرًا بل نتيجة…. لكن قرطاج، الجديدة كما القديمة، لا تحبّ من يفسد عليها وهم الاطمئنان وتخشى ممّن يُذكّرها بأن الزمن لا ينتظر المتردّدين …
منذ قرون طويلة لم يسلك حنبعل القائد المحارب، الطريق الآمن و تجرّأ على عبور ما قيل إنّه غير قابل للعبور مرددا عبارته الشهيرة “إمّا أن نجد طريقًا… أو أن نصنعه”، في رفض تام لمنطق الانتظار والاستسلام والعجز … واليوم حنبعل اللاعب المحارب يفعل الشيء نفسه فيرفض الحسابات والبقاء الآمن و يكفر بعبارة “ليس بالإمكان أفضل ممّا كان”.
و إذا كان حنبعل برقة قد كشف لتونسيّي ذلك الزمان أن الخطر الحقيقي لا يأتي دائمًا من وهن القوّة المادية والجسدية بل من العقل الذي يقبل الخضوع، فإنّ حنبعل المجبري يذكّرنا بأن الخطر الحقيقي على تونس اليوم ليس في ضعف الإمكانيات، بل في ضعف الجرأة على تسمية الأشياء بأسمائها ..
لهذا أزعج كلام حنبعل الكثيرين لأنه كسر مرآة الوهم التي اعتدنا أن نُجمِّل فيها أنفسنا. لأنه _ بحرارة الروح _ قال ما لا يرغبون في قوله و ذكّرنا بأننا نُكافئ الصّامت ونُعاقب المتكلم وأنّنا نُمجّد الرداءة إذا لبست ثوب الوطن، و نُخوِّن النقد بدل أن نُصغي إليه..
كلام حنّبعل يوم الخسارة عرّى بعضا من حقيقتنا وأشار إلى مكامن الدّاء، ولن تتقدّم تونس وأهلها إلاّ يوم تواجه مشاكلها بصدق، وتمتلك شجاعة النظر في المرآة دون غضب، وتكفّ عن معاداة الصراحة، وتعتبر النقد فرصة لا خيانة.
بين فيضانات 2018 وفيضانات 2026، تغيّرت التواريخ وتبدّلت الحكومات، لكن المشهد بقي ذاته: أمطار غزيرة، طرقات غارقة، أحياء معزولة، ضحايا و مفقودون ، زيارات ميدانية و خطابات مطمئنة…
والإشكال أن هذه الكوارث ليست بلا إنذار. فالأرصاد الجوية تحذّر عادة قبل 24 ساعة أو أكثر، والمعطيات العلمية حول التغيرات المناخية باتت واضحة، ومع ذلك تواصل الدولة التعامل مع الفيضانات بمنطق ردّ الفعل لا بمنطق الاستباق. وكأن المطلوب دائماً أن تقع الكارثة أولاً، حتى يبدأ التحرك بعدها. بعد فيضانات نابل 2018 شاهدنا جميعا يوسف الشاهد رئيس الحكومة آنذاك في تنقل ميداني إلى المنطقة المنكوبة وجلسات عمل و تيليتون لجمع التبرعات .. وقرارات ووعود … وهاهي نابل وما جاورها تُنكَب من جديد.
وُعِد التونسيون حينها بمراجعة البنية التحتية و إصلاح الطرقات و بناء الجسور و تطوير شبكات تصريف مياه الأمطار وتنظيف الأودية وإرساء نظم إنذار مبكر… لكنّ تلك الوعود كانت في أغلبها شعارات مناسباتية. فالأودية ظلّت مهملة، والبناء الفوضوي تمدّد، وشبكات التصريف لم تكن ضمن أولويات السلط لا الجهوية ولا الوطنية… كما غابت التصورات الفعالة لإدارة المخاطر الطبيعية. ورغم التوقعات الجوية بالتغييرات المناخية وبتأثر السواحل التونسية بالمنخفض الجوي، فإن النشرات الجوية لم تتجاوز حدود الخبر ولم تتحول إلى إنذارات وقرارات وقائيّة، وكأن حماية الأرواح مسألة ثانوية مقارنة بالخوف من “التهويل” أو من تبعات القرارات غير الشعبية.
في مثل هذه الأوضاع، يصبح التصرف الأسلم هو ذاك الذي يقدّم الإنسان على كل اعتبار… ولذا نزل قرار تعليق الدراسة بردا وسلاما على المواطنين فالخسائر المادية يمكن تعويضها، أما الأرواح فلا… و لكنه رغم ذلك يبقى قرارا منقوصا إذ لم يراع وضع الموظفين و العملة، وكأنّ الأزمة لا تعنيهم أو لا تؤثر فيهم أو كأنّ قدرتهم على المجازفة مفترضة سلفًا. فالفيضانات، في الواقع، تكشف تمييزًا ضمنيّا بين فئات المجتمع. فالتلاميذ تُعلَّق دروسهم حمايةً لهم أمّا الموظفون والعمال فيطلب منهم الحضور والعمل مهما كانت حالة الطرقات، ومهما بلغ الخطر، ومهما كانت وسائل النقل مفقودة أو مهدِّدة للحياة.
و لئن كان المواطن يتحمّل جزءا من المسؤولية في ما يقع بعدم احترامه للتحذيرات والقوانين واستسهاله البناء في مجاري المياه وعلى ضفاف الأودية، وبمساهمته في انسداد قنوات تصريف مياه الأمطار بسلوكاته اليومية الملوّثة، إلاّ أنّ هذه المسؤولية لا يمكن أن تكون شمّاعة تعلّق عليها السلطة إخفاقها وتهاونها. فالمواطن هو انعكاس لصورتها و أعمالها وهي التي تتحمّل المسؤولية الرئيسية وذلك بالتخطيط والوقاية والإعلام الصادق والردع وتطبيق القانون على الجميع .. فلا يحق للدولة تحميل الضحايا وزر سياساتها المرتبكة وتقصيرها في التعامل مع مثل هذه الوضعيات… حيث أن التعامل مع الفيضانات بعقلية الأمس لم يعد مجدياً، فما كان يُعتبر “أمطاراً غير معهودة” صار واقعاً متكررا وخطيرا وهذا يقتضي الإسراع في إعادة تصميم شبكات التصريف، ودمج التغير المناخي في السياسات العمرانية، والاستثمار الجدي في الوقاية بدل الاكتفاء بالترقيع بعد كل كارثة.
وبهذا الفهم لا يمكن أن نعتبر هذه الفيضانات قضاء وقدراً ، بل نتيجة خيارات وتأجيلات وتراكمات. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس لماذا نزلت الأمطار، بل لماذا نفشل دائما في حماية الناس منها رغم علمنا مسبقا بنزولها ؟ وحتى متى يتواصل هذا الفشل؟ في هذا السياق، لا يمكن تجاهل الشعبوية التي ترافق كل كارثة طبيعية في تونس، والتي تحوّل المأساة إلى مشهد سياسي أكثر منها قضية إنقاذ وإصلاح. فيصير المسؤول هو الخبر وتطغى صورته وتحرّكاته وخطاباته على صور المنكوبين وأحوالهم وتحجبها ، فمع كل فيضان أو فاجعة، يتكرّر السيناريو نفسه: زيارات ميدانية متأخرة، جولات في الأحياء المنكوبة، صور وفييوهات، تربيت على الأكتاف، عبارات تعاطف جاهزة من قبيل “نحن معكم” و“الدولة لن تتخلى عن أبنائها” و”الكلنا نعانيو” … دون أن تتبعها حلول جذرية…
و يمكن اعتبار أنّ ذلك التعاطف يدخل في خانة ترسيخ فكرة قبول الفشل والرضى بالأمر الواقع بدل المحاسبة والإصلاح وتقديم حلول حقيقية وفعالة .. ينسى المسؤول أو يتناسى أنّ المنكوبين، لا يحتاجون إلى من يربّت على أكتافهم بقدر ما يحتاجون إلى دولة تمنع عنهم الكارثة قبل وقوعها…. وإذا كان الإعلام في مختلف دول العالم الديموقراطي يقوم بدوره الحقيقي زمن الكوارث، فإن الإعلام التونسي ما زال دون المطلوب، إذ يكتفي بملاحقة الكارثة بدل أن يسبقها، فيصبح ناقلا للمأساة وموثِّقا للفشل بصور الغرق وشهادات الضحايا ونداءات الاستغاثة ومشاهد الدمار في الطرقات و الأحياء والمباني… بدل أن يساهم في إنقاذ الأرواح عبر بث التحذيرات المرتكزة على تحاليل علمية دقيقة (بلا تهويل أو تهوين) و عبر استضافة خبراء حماية مدنية وأرصاد جوية وهندسة وبيئة، لإرشاد الناس إلى الأماكن الآمنة و كيفية التعامل مع ذروة التساقطات.
وللإعلام أيضا دور أساسيّ في مثل هذه الوضعيات يتمثل في مقاومة الشعبوية. فبدل تضخيم صور الزيارات الرسمية والتعاطف اللغوي ، عليه أن يطرح الأسئلة المهمّة حول مدى الاستعداد للتدخلات وطبيعة الآليات الموضوعة على ذمة المواطنين، وأن يبحث عمّا أُنجز منذ الكارثة السابقة، وأن يستقصي عن مدى تقدم المخططات والمشاريع وعن مدى تجسيد الوعود الفائتة، و أن يستفسر عمن يتحمّل المسؤولية، ويتساءل لماذا تتكرر الأخطاء نفسها؟ أي أن يقوم بدوره الاتصالي والتحسيسي الذي يساهم في رفع الوعي وحماية المجتمع خاصة زمن الأزمات.
لكن إعلامنا في تونس صارت غايته الإثارة و أخذ أصحابه _ إلا من رحم ربّك _ يتسابقون من أجل التشبه بالكروكوزات و جماعة الانستغرام، حتى صار خبر عركة على قرنيطة يتصدر صفحات وسائل الإعلام ” الكبرى”!