تابعنا على

جور نار

“الدّابل بايند”تونسيّا… أو تونس بلد الإكراهات المُضاعفة

نشرت

في

يروي لنا عالم النفس والاجتماع الأمريكي بول واتسلافيك هذه القصة الطريفة لتفسير مفهوم “الإكراه المُضاعف أو المزدوج” (double bind  في الانكليزية و double contrainte في الفرنسية) :

منصف الخميري Moncef Khemiri
منصف الخميري

أمّ تزور ابنها وتُهديه ربطتا عنق، واحدة زرقاء وأخرى حمراء. أثناء الزيارة الموالية، استقبلها الإبن مبتهجا وفي عنقه الربطة الحمراء، فقالت له والدته : يبدو أن الربطة الزرقاء لم تعجبك ؟ في الزيارة الثالثة اختار الربطة الزرقاء، فقالت له أمه : بطبيعة الحال هذا جليّ، لم تعجبك الربطة الحمراء ؟؟ وفي المرة الرابعة لم يكن بوسع هذا الشاب إلا أن يلبس الربطتين معا لإرضاء أمه التي ردّت مصدومة : “لا أستغرب أن أراك اليوم في مركز شبابي لغير المتوازنين نفسيا يا ولدي”.

فالإكراه المضاعف هو أن يصدر أمران متناقضان ولا يمكن الاستجابة للأول دون الإخلال بالثاني بما يجعل الشخص الذي يتلقّى هذه الأوامر أو التعليمات عاجزا عن الاختيار ويجعله كذلك عُرضة لارتباكات نفسية وذهنية تصل حدّ العزلة والانغلاق. حسب غريغوري بيتسون أول المشتغلين على آليّة “الإكراه المضاعف” في السنوات الخمسين من القرن الماضي، فإن وضع الأطفال على سبيل المثال في وضعيات اتصالية متكررة تؤثثها التعليمات المتناقضة يولّد لديهم بالضرورة سلوكات سكيزوفرينية. يقول بيتسون “إن الشخص المُعرّض للإكراه المزدوج تغمُرُه مشاعر عجز وخوف وحنق دون أن يُتاح للمحيط إمكانية تحويلها.”

السياق التونسي تُربة خصبة جدا لإنبات الإكراهات المضاعفة

اجتماعيّا :

المرأة عندما تعبّر عن تحررها وابتهاجها بالحياة كسائر خلق الله يقع وسمها بالخفّة والتهتّك والتبرّج وحتى بأبشع من ذلك، ولكن عندما تعبّر عن استقامة وصلابة في المواقف توسم بالتحجر والتخلف وجفاف المشاعر وإلغاء كافر بأنوثتها، وفي كل الحالات هي خاسرة ومطالَبة ببذل جهود مضاعفة لإقناع المجتمع بأنها مستقيمة في غير برود ومتحرّرة في غير “مُجون”.

الفتاة عندما تتعرف على شاب وتأخذ لنفسها حيّزا من الوقت للتعرف عليه، قد تتقدّم بها السنّ نسبيّا وتُضيع وقتا ثمينا لأنها لم تُعجّل بزفافها، ولكنها عندما تستعجل الأمر قد تكتشف أبعادا لا يمكنها معها الاستمرار في العلاقة. بمعنى ان التجربة مهمة في ضمان ديمومة العلاقة لكنها مُكلفة اجتماعيا خاصة عندما تبوء بالفشل، ولكن انعدام التجربة يورط الفتاة بصورة خاصة (أكثر من الشباب الذكور) في علاقة ثنائية خاسرة بالنظر إلى مزاج الآخر واشتراطاته وعُقده وعلاقته بأمه ونظرته نحو المرأة عموما…

مدرسيّا :

يُطلب من المربين أن يكونوا مُجدّدين ومُبدعين ومُبادرين ولكن قد تقع مساءلتهم لكونهم اجتهدوا أكثر من اللازم، ولكن عندما يتقيّدون بما يُطلب منهم رسميا لا أكثر يوسمون بالجمود والتحجر وتقديس مضمون “الكراسات الصفراء”، ففي كل الحالات هم محجوجون ومغضوب عليهم.

في التوجيه الجامعي، يُقال للتلميذ الناجح في الباكالوريا إنه يتوجّب عليه بألاّ يكتفي بعدد قليل من الاختيارات التي يراها ملائمة أكثر من غيرها لمزاجه وميولاته وطبيعة مؤهلاته لأنه قد لا يتحصل على أي واحد منها ويظل مؤجلا إلى الدورات اللاحقة، ولكنه يتردد كثيرا قبل تعمير اختيارات إضافية (لا يرضاها لنفسه مهما حصل) لأنه قد يُقصى من الأولى ولا يبقى أمامه سوى القبول بالأمر الواقع : وضعية فيها شدّ عصبي وعاطفي كبير جدا متبوع بحيرة مزعجة وألم نفسي لا يوصف.

يُطلب من التلميذ أحيانا أن يكون تلقائيا في سلوكه، فإذا استجاب فذلك يعني أنه خضع (لاتلقائيا) للأمر الذي وُجّه له بما ينزع عن سلوكاته أي طابع تلقائي، أو عندما يُطلب منه أن يقول الحقيقة حول حدث ما بالمؤسسة أو داخل القسم، فلو قالها عُوقب وإن لم يقلها عُوقب أيضا.

في مؤسسات التعليم العالي إلى حدّ وقت غير بعيد، يُطلب من الطالب أن يستحضر شهادة تثبت الإعفاء من الخدمة العسكرية ولكن لكي يُعفى من أداء الواجب العسكري مؤقتا عليه الاستظهار بشهادة ترسيم في التعليم العالي. وهو إشكال سكيزوفريني كان يكفي اتصال هاتفي بسيط بين ديواني الوزارتين لتجاوزه وإعفاء آلاف الطلبة من تبعاته السلبية على أعصابهم ومبيتهم ومعيشهم ودراستهم.

إداريّا :

العسكري الذي يرغب في عدم خوض عمليات حربية محفوفة بالمخاطر، يُطالَب بأن يُقدّم مطلبا مُعلّلا يقول فيه إنه يعاني من اختلالات عقلية كبيرة تصل حدّ عدم القدرة على التمييز بين الصديق والعدوّ، ولكن مجرد التعبير عن القدرة في تكوين هذا الملف هو دليل على كونه يتمتع بملكات عقلية عادية تجعل منه جنديا قادرا تماما على خوض غمار الحرب والتمييز بين جيشه وجيش الأعداء. (كما في الشريط السينمائي Catch22 لمايك نيكولس الذي يروي قصّة الطيّار يوسّاريان خلال الحرب العالمية الثانية محاولا إقناع قيادته بأنه مجنون…دون جدوى).

يُقال للموظف إن عليه أن يجتهد ويُثابر ويُبادر لينال الترقيات التي هو جدير  بها، ولكنه لا ينال شيئا في النهاية لأن الترقيات تُسند بناء على مقاييس أخرى لا علاقة لها بالعمل والجهد… وعند اكتفائه بـــ”عشرة الحاكم” أي المجهود الأدنى، يُنظر إليه بنوع من الازدراء وعدم الاعتبار لأنه لا يضيف شيئا ولا يساهم في تطوير المرفق الذي يعمل صلبه. ففي كل الحالات هو مقهور ومقبور ومكسور.  

سياسيّا :

تعترض على سبيل المثال على مسار 25 جويلية المتعثّر والذي لم يقدر إلى حد هذه اللحظة على بناء شيء مرئي يراه التونسيون ويلمسونه، ولكن المساهمة في الإطاحة بهذا المسار يُعيد (أو على الأقل يفسح المجال أمام قوى العهد السابق) المشهد القديم الذي سئمه الناس في ظل اكتوائهم بويلاته وعبثه وجرائمه… ففي كلا الحالتين، نظل واضعين أيدينا على قلوبنا خشية عودتهم من ناحية وخوفا من مآلات حزينة لا نتوقّعها ولا نطمئن كثيرا لعدم وقوعها. هذا لوحده “حالة مدرسية” جديرة بأن تُدرّس لدى ورثة “مدرسة بالو ألتو بكاليفورنيا” كتيّار فكري اشتغل كثيرا على “الإكراه المُضاعف” في سياق نظريات الاتصال والعلاقات بين الأفراد والاضطرابات النفسية.

النظام السياسي “في سياق ديمقراطي” لا يمكن أن يقمع الناس بشكل فجّ، ولا يمكن أن يسمح بالتحركات الاجتماعية ويطلق لها العِنان في نفس الوقت لأنها مشروعة ويعرف جيدا أنها مشروعة، ففي الحالتين، هو نظام مهزوم في عيون الناس لأنه أكثر عجزا من أن يمارس قمعا سافرا وأوهن من أن يجترح حلولا وتصورات وسياسات تنهض بمعيش العِباد ومكانة البلاد. 

في سياقات مثل التي نحن فيها اليوم، تحمّل مسؤوليات عليا في مؤسسات الدولة قد يجعلك تساهم بشكل ما في تطوير بعض الجوانب الحيوية في حياة الناس، ولكن مثل هذه المهام قد تؤدي بك إلى مهالك لا تتوقّعها لمجرد إمضاء وثيقة إدارية لا تعلم ما الذي تُخفيه أو لمجرّد الاشتباه في “كونك جنيت فوائد لنفسك…”، فيفرّ الجميع وتنكمش الكفاءات الحقيقية ولا يبقى سوى الليّنين والطيّعين والآكلين على جميع الموائد والنائمين على كل الوسائد.

وأخيرا ريفيّا :

لا يمكنني أن أُنهي هذه الورقة التي حاولَتْ التعريف بالدّابل بايند بدون استحضار تلك الطّرفة الريفية الرائجة في دواخلنا التونسية والتي تقول إن جمعا من المزارعين أمسكوا يوما بذئب جائع يترصّد قطيعا من الأغنام، فوضعوه أمام اختبار مفخّخ وتعجيزي… وهو الحيوان الذكي الذي يتصف بدهاء ومكر خرافيين : قالوا له، أنظر جيدا إلى السماء وقيّم لنا مدى اكتناز الغيوم بالأمطار، فلو أمطرت قتلناك ولو أمسكَتْ قضينا عليك (بتصرف) ! فكّر الذئب مليّا وأجاب “والله مضيرطة” ! أيْ لاهي سماء واعدة ولاهي مُمسكة.

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

الوضع الحالي (ج 2): الساحة الوطنية… مقترحات لدرء الخطر

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.

كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أو بعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.

هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:

أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،

ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.

ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.

ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.

المقنترحات العاجلة:

ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.

واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:

أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.

ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.

ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.

رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.

خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.

خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.

كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.

أكمل القراءة

جور نار

من الشبّاك

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.

فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت على مسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.

كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها

ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.

إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا

ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…

ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها

المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز

نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.

أكمل القراءة

جور نار

وقت مستقطع… للحبّ!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…

ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟

ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…

هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…

خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…

وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…

أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار