دُعيتُ يوم الاثنين الماضي إلى إبداء الرأي على موجات الإذاعة الوطنية مع الإعلامي الشاعر عز الدين بن محمود في برنامجه الأسبوعي “مجرّد سؤال” بخصوص موضوع الاستشارة الوطنية للتربية والتعليم التي أذنت بها رئاسة الجمهورية، وقد عبّرت عن بعض الأفكار حِيال هذه المسألة أردت أن أتقاسمها معكم في هذه الورقة.
منصف الخميري
ولا بدّ من التوضيح في البداية أنني لست من الرافضين بشكل مطلق لهذه المبادرة ولا من الذين يضعون كل آمالهم على مثل هكذا خطوة نظرا إلى التحفّظات العديدة والتخوّفات المتنوعة التي لديّ (وأنا الذي عايشتُ وواكبتُ من الاستشارات والندوات الاستشارية والحوارات الوطنية ولجان التفكير وورشات الإصلاح والموائد المستديرة المخصصة للتشخيص والتمحيص … ما يؤثّث مجلّدات ضخمة من الأدبيات والمقترحات والمُعالجات لكنها لم تُثمر في أغلب الأحيان أية نتائج ملموسة تركت أثرا يُذكر في واقع مدرستنا التونسية)… بل أنا من المُتحمّسين دوما لأي مشروع خاصة عندما يقول اسمه ويُعلن عن نواياه بوضوح بصرف النظر عن التمشيات المعتمدة لتفعيله وتركيبة الهياكل القائمة عليه والمدى الزمني الذي سيستغرقه، وكذلك مدى توفّر الظروف المواتية موضوعيا وذاتيا. ولكن هذا لا يمنع من أن تكون لديّ عديد التحفّظات الجدية التي تحفّ بهذا المشروع والتي يرتبط بها وثيق الارتباط نجاحه من عدمه حسب اعتقادي، متّكئا في التنبيه إليها على تجاربنا السابقة لا في مجال التربية فقط بل في كل المجالات تقريبا فوق أرضنا غير المستصلحة في مجملها.
ما الذي يجعلني أغذّي بعض الأمل ولو بصفة حذِرة ونقديّة ؟
“عندما يسوءُ كل شيء، يصبح الأمل ضرورة وطنية” … يصلح هذا لأن يكون شعارنا الأوحد خلال هذه الفترة من تاريخنا، لأنه ليس أمامنا سوى وطن واحد سنذود عنه – كل بما توفّر لديه من طاقة وقدرة على تجاوز الكبوات المتتالية- وسنظل متعلّقين بأيّ بريق يسطع في الأفق مهما كان خافتا، ولأنه ليس لدينا من خيارات أخرى في وجه السّقوط المدوّي لمنظومتنا التعليمية العمومية وما يتبعُه من خسائر بشرية فادحة غير محاولة الإصلاح أو في أسوإ الأحوال معالجة بعض الشقوق الخرسانية الخطيرة منعًا للانهيار الأخير، ولأنه لا أحد مطلقا بوسعه الادّعاء أنه يملك الوصفة السحرية التي بها تنهض تربيتنا وتتجاوز علاّتها، بما يفرض عملا جماعيا واسعا يكون مصدر طاقة خلاّقة للأفكار ومقترحات الحلول والمعالجات…
بسبب كل ذلك، أمتنعُ شخصيا عن إيجاد المبرّرات لمقاطعة الاستشارة وعدم الاعتراف بمُخرجاتها كما يدعو البعض إلى ذلك، تارة لكونها استشارة شكلية لن يؤخذ بنتائجها وتارة أخرى لتولّي “من هبّ ودبّ” وضع مفردات الاستشارة (كما كتب مؤخرا واحد من بين الذين يعتبرون أن لا نجاح لأي إصلاح دون إشرافهم المُبين)، مع تقديري التام لبعض الأصوات الصادقة التي عبّرت عن تحفّظاتها المبنيّة على قراءة موضوعية للمناخ السياسي العام الذي تمرّ به البلاد، وتقييم هادئ للتجارب السابقة في مجال “جئتُ أستشيركم في قرار اتخذتُه” !
أربعة تحفّظات كبرى ليتهم ينتبهون إليها :
أوّلا : كأننا لا نريد القطع مع سياسات الهدْر وعُقدة “ما فعله الآخرون بالضرورة لن يكون”.
يمكن القول في هذا السياق إن مشروع الإصلاح التربوي لسنتي 2015 و 2016 والذي تمّ إسقاطه لاعتبارات سياسوية ونقابويّة صرفة وليس لإخلالات أو هِنات برزت على مستوى نتائجه وعشرات الوثائق المنبثقة عن لجانه الفنية المتخصصة، شكّل فرصة تاريخية حقيقية لوضع أسس معالجة أزمة مدرستنا التونسية ومُجمل المنظومة التكوينية. أقول هذا بالنظر إلى اتساع رقعة المشاركة في الحوار الوطني الذي جرى في كل الجهات وفي كل المؤسسات التربوية ابتدائيا وإعداديا وثانويا والذي امتدّ من 15 ماي إلى 17 جويلية 2015 بمساهمة مئات الآلاف من التلاميذ والأولياء ومختلف الفاعلين التربويين، وبالنظر ثانيا إلى حصول شبه إجماع وطني حول مشروع الإصلاح المتجلّي في مشاركة مختلف الوزارات المعنية واتحاد الشغل وطيفا واسعا من الفاعلين المدنيّين، وثالثا باعتبار العمل الجبّار الذي أنجزه الخبراء والمتخصصون صلب اللجان الأربعة عشرة التي اشتغلت على أهم المفاصل المتصلة بالشأن التربوي، ورابعا وأخيرا (وربما هذا هو الاعتبار الأهم) لأن كل اللجان أنهت أعمالها وأنتجت وثائق مرجعية هامة من التشخيص إلى مقترحات الحلول إلى مؤلّف التوجّهات والخيارات العامة… وصولا إلى القانون التوجيهي للتربية الذي كان سيُعرض على البرلمان للمصادقة آنذاك لكن القصبة تواطأت مع باردو وقُبر المشروع. وعليه ليس من حقّنا أن نُنكر هذا المجهود الضخم ولا نسعى إلى البناء عليه والاستفادة منه في أية إصلاحات قادمة.
ثانيا : ٍ ضرورة بلورة رؤيا مكتملة للإصلاح لأن شعار “تهالك المدرسة العمومية وإعادة البريق إليها” ليس عنوانا للإصلاح.
استمعت شخصيا إلى بعض الخطب الرسمية التي رافقت إعداد الاستشارة الإلكترونية المنتظرة، وكانت جلّها تكرّر بعض العناصر التشخيصية المُتّفق حولها مجتمعيا والتي ترِد حتى على لسان الأمهات المرابطات أمام المدارس… من قبيل ضرورة إعادة الاعتبار للمدرسة العمومية وإيقاف نزيف الانقطاع والتصدي لمظاهر العنف والجنوح في الوسط المدرسي الخ… دون وجود مؤشرات دالّة على أن أصحاب القرار منتبهون حقيقة إلى ما وراء هذه الشعارات العامة وإلى ما يتوجّب اتخاذه من إجراءات وضبطه من سياسات لتطويق الحريق، لأن “ما نتعقّله جيدا نستطيع قوله بوضوح، فتنسابُ الكلمات بيُسرمعبّرة عنه… كما يقول الكاتب نيكولا بوالو.
ثالثا : معركة التربية لا يُخاض غمارها في ساحات وزارة التربية وحدها
عندما نرى حجم التفكك في المنظومة الوطنية للتربية والتعليم والتكوين في تونس ومنطق المقاطعات المهيمن في نمط تفكير كبار المسؤولين والتفكير بمنطق “عدم التفريط في الامتيازات المكتسبة بفعل التحوّز”…وخاصة عندما يغيب أي تنسيق مهما كان بسيطا بين الوزارات المعنيّة بشكل مباشر على مستقبل أجيال بأكملها (كأن يجهل التعليم العالي على سبيل المثال ما يدرسه تلاميذ الثانوي من برامج وهم من سيفدون عليه بعد سنة واحدة بعد الباكالوريا، أو كأن لا تعلَمَ التربية عدد المنقطعين سنويا وإمكانيات إدماجهم في مسالك أخرى أو كذلك كأن لا يعلم التكوين المهني عدد الملتحقين به بعد الباكالوريا لاتخاذ الاحتياطات الضرورية في إبانها…) عندما تتواصل هذه السياسة المُشينة في حق أجيال بأسرها، لا يمكن إلا أن ننبّه وبإلحاح إلى ضرورة وضع كل الإمكانيات من أجل ضمان الالتقاء اليومي بين مصالح مختلف هذه الوزارات لتدارك ما فات والاستعداد المنظومي لما هو آت.
نحن لا نعرف إلى حدّ الآن إن كانت الاستشارة الإلكترونية ستُجيب عن أسئلة الإصلاح التربوي وتُفرز توجهاته العامة، أم ستُعرض مُخرجاتها على المختصين من أجل تدقيقها وأجرأتها، أم ستُفضي إلى ما يشبه القانون التوجيهي يُعرض على البرلمان … ولا نعلم كذلك من هي الجهة التي ستُباشر قيادة الإصلاح : هل هو المجلس الأعلى للتربية الذي يرَ النور بعدُ أم سيكتفي هذا الأخير بوضع التوجهات العامة وتتكفل هيئة أخرى بإعادة المياه إلى مجاريها الدائرية حول نفسها… ؟
من ناحية أخرى، من حقّنا أن نتساءل عن منهجية الإصلاح ومن أين سيبدأ وما هي روزنامة تنفيذه وكيف السبيل إلى تمويل استحقاقاته؟
أطرح هذا السؤال لأن المراهنة على إصلاح تربوي جوهري وشامل لكل المجالات من تكوين للفاعلين التربويين وتجويد للحياة المدرسية وتحيين للبرامج والكتب المدرسية والزمن المدرسي وحسم معضلة لغة تدريس العلوم ومكانة اللغات في برامجنا وإحكام الربط مع مختلف الوزارات والهيئات المعنية… هي في تقديري من قبيل إضاعة وقت ثمين وتشتيت للقوى وتشييد لأحلام ضخمة نحن غير قادرين على إنفاذها دفعة واحدة… وبالتالي يتحتّم التوجه بدلا من ذلك إلى إجراء إصلاحات موضعيّة عاجلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه (الآن وليس غدا) وإرجاع قطار التربية إلى السكّة التي حاد عنها.
علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…
ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟
ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…
هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…
خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…
وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…
أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟
سؤال يقلق راحتي: لماذا يحنّ أغلبنا إلى الماضي…؟؟ لماذا حاضرنا أصبح ثقيلا لا يطاق…؟؟ ولماذا نخاف المستقبل أيضا؟؟ والإجابة في غاية البساطة…
هل نحن اليوم ما كنّا عليه وفيه سابقا؟؟ لا…هل قبلنا ببعضنا البعض رغم اختلافنا؟؟ لا… هل اعترفنا بما أتيناه من أخطاء في حقّ بعضنا البعض؟؟ لا… هل قمنا بمراجعات في ما أخطأنا فيه وطلبنا الاعتذار ممن أخطأنا في حقّهم؟؟ لا…هل أصبحنا اليوم نقبل بأن يكون بعضنا أفضل منّا وأرفع درجة؟؟ لا… هل أصبحنا كما كنّا نسبيا سابقا نسعد لسعادة بعضنا؟؟ لا… هل نحزن لوجع بعضنا أو خصومنا إن نزلت بساحتهم مصيبة؟؟ لا…هل نتضامن مع المظلوم وأن كان خصمنا ونختلف معه؟؟ لا…هل نتمنى السلامة لمن نختلف معهم وننافسهم في شأن من شؤون الحياة؟؟ لا…إذن نحن لسنا نحن … ولا يمكن أن نكون نحن؟؟ فهل الدنيا اليوم بخير كما يزعم بعضهم ويفاخرون؟؟ لا ليست بخير أبدا…
فكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يُظلم ونحن لا نحرّك ساكنا وحتى السنتنا أصابها شلل الجبن والخوف من أن يقع معنا ما وقع معهم…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والعاطل لا يزال عاطلا والفقير لا يزال يئن تحت ثقل معاناة الفقر…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ونحن فرّطنا في ثقافة العمل ولا عاد يهمّنا أي شأن من شؤون البلاد…؟؟وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعض مرضانا لا يجدون في صيدلياتنا الدواء…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وكفاءاتنا تغادر البلاد بالآلاف؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ولا يزال بعضنا يكذب على بعضنا؟؟
وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يهتك عرض بعضنا ظلما وعدوانا؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يكره بعضنا دون سبب فقط لأنه ليس من القطيع؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يتّهم بعضنا فقط لأنه يختلف عنه ؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يضمر لبعضنا شرا فقط لأنه لا يتفق معه في بعض شؤون الوطن؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يختلق الأكاذيب على بعضنا فقط لأنه كان أجدر منه بالمقام والمكانة؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والنفاق أصبح جزءا من الهواءالذي نتنفس؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا لا همّ له غير الانتقام ممن سبقوه ؟؟؟ وكيف يمكن ان تكون الدنيا بخير وأغلبنا ممن لم يحترفوا التصفيق والهتاف يعيشون القلق والخوف والاحباط والياس؟؟
فهل أصبح شعبنا غير قادر على النسيان…غير قادر على المصالحة…غير قادر على تغليب خطاب التسامح…غير قادر على العيش مختلفا…وغير قادر على الحب…هل أصبح التسامح والحبّ للجبناء …وأصبح الحقد والانتقام للشجعان؟؟؟
هل يعلم بعض هذا الشعب أن الدنيا ليست بخير كما يزعمون…فإن كانوا يعلمون ويتظاهرون بأنهم لا يعلمون فهذه كارثة…وإن كانوا يعلمون ولا يهمّهم ما يعلمون فتلك مصيبة المصائب…
عشت البارحة خصومة طويلة مع النوم، ولم أنجح في مراودته للبقاء معي حتى سويعات الفجر الأولى… خرجت أمام المنزل بحثا عن نسمات صيفية تُصالح بيني وبين النوم فلم أجدها…
سمعت حشرجة قرب السور الخارجي للمنزل لم أعهدها سابقا، فاقتربت من مصدرها لأعرف مَن هناك، وكأني بقطة وكلب يتهامسان ويتحاوران في مشهد لم أعشه سابقا أبدا، فبين القطط والكلاب معارك دامية عشتها في منزلي السابق وكنت شاهدا على العديد من الأحداث بينها ونجحت في الكثير من الأحيان في رأب الصدع بين الفصيلين، وأجبرتهما على الهدنة والمصالحة الشاملة وتقاسم الموارد من سكن وغذاء، لكن أن يصل الأمر أن أجدهما في جلسة ودية أو ما شابه خلف السور الخارجي للمنزل فهذا أمر أول مرّة أعيشه، يذكرني هذا المشهد بالتوافق الذي عاشته تونس أيام الباجي رحمه الله والنهضة وقياداتها…
جلست غير بعيد عنهما لأستمع إلى ما يدور بينهما من حديث… فالقطّة الرقطاء هي قطة الكوني ابن عمتي أما الكلب فهو من الكلاب الضالة والسائبة ولم أعرف أن بين قطة الكوني وهذا الكلب علاقة وديّة كالتي أعيش بعض أحداثها “هل أذنبنا في حقّهم يا صديقتي …لم كل هذا الحقد علينا…؟؟؟” هكذا قال الكلب مخاطبا القطّة…”هذا ويحاولون ايهامنا بأنهم سيعاملوننا حسب تعاليم الإسلام وما تركته السنّة…أي دين هذا الذي يأمرهم بمنع الغذاء عنّا؟ أيريدون قتلنا وابادتنا؟؟ هل تآمرنا عليهم؟؟ هل أضربنا عن القيام بواجباتنا؟؟ هل زاحمناهم في المناصب والمكاسب والوظائف العليا؟؟ هل أفسدنا في الأرض؟؟ نحن لم نسرق ولم ننهب ولم نظلم أحدا في حياتنا من البشر فلم كل هذا الحقد علينا؟؟؟” هكذا أجابت قطّة الكوني…
نظر إليها الكلب وقال “أتذكرين مواقفنا قبل 14 جانفي؟ ألم نبق على الحياد وحاولنا مساعدة الجميع على التعامل بهدوء مع ما وقع من أحداث؟ ألم نحرس ديارهم لأشهر طويلة حين كان الانفلات عنوان المرحلة؟؟ ألم تنقذ الكلاب الآلاف من المنازل من السرقة ؟؟ لماذا يعاملوننا هكذا ونحن الذين مات منّا الآلاف ولم نخرج حتى لنندّد بالأمر كما هم فعلوا ويفعلون، ألم يسجلوا بعض قتلاهم ضمن قائمة الشهداء وكأنّ الله لا يعلم شيئا عن الشهداء الحقّ وشهداء الفضاءات التجارية الكبرى؟؟ أمَسَكوا قطا او كلبا وهو يقنص من أعلى عمارات السكن؟؟؟”
ضحكت القطّة وقالت “نحن مختلفون عنهم يا صديقي… هم يحقدون على بعضهم البعض… هم يبحثون عن السلطة… جميعهم يريدون حكم البلاد فتراهم كأحزاب يخطبون ودّ الشعب بوعود وبرامج سياسية لا يحققون منها شيئا… ويوهمون الشعب بنجاحات وانجازات لم يحققوها… أنحن مثلهم؟؟ لا… نحن لم نبحث يوما عن سلطة أو جاه أو حكم… نحن لا أحد منا يخون الآخر… ولا أحد منّا يحقد على الآخر… ولا أحد منّا يعتدي على أملاك الآخر… هل سمعت يوما في صحفهم عن اتهام قطّ أو كلب بالفساد وتبييض الأموال ؟؟؟ لا أبدا ولن تسمع بالأمر أبدا…وهل سمعت يوما في نشرة أخبارهم التلفزية عن اغتصاب كلب لقطّة؟؟ لا لن تقرأ ذلك في صحفهم… فأخلاقنا ليست كأخلاق بعضهم… وعاداتنا ليست كعادات بعضهم… هم يشربون الخمر ويعودون إلى ديارهم يتمايلون ونحن لا نتمايل إلا حين يسممون أكلنا ظلما وعدوانا للتخلّص منّا”
نظر إليها الكلب ونبح صارخا في وجه كلب آخر اقترب منهما (كأنه يقول له روح لداركم ما الذي أتى بك هنا ؟؟؟) ونهره وأبعده عنهما ثم قال ملتفتا إلى القطّة الرقطاء: “أولا نحن لم يقبلوا بنا بينهم فكيف تريد منّا أن نطمح لسلطة أو حكم أو حتى للمشاركة في انتخابات ديمقراطية نزيهة وشفافة…” هنا قاطعته قطّة الكوني ابن عمّتي وقالت “نزيهة؟… أتقصد نزيهة صاحبة منزلنا سابقا محلاااااها تعطيني في السردينة كل يوم؟؟” نظر إليها الكلب غاضبا وقال ” أنت كصاحبك الكوني ساذجة وغبية… نزيهة من النزاهة أقصد وماذا تعرفين انت عن النزاهة؟؟” وأضاف قائلا “أتركيني أكمل كلامي ثم قولي ما تريدين يا حمقاء!!!… نحن لم نطلب يوما أن نكون ضمن الناخبين ولا ضمن المترشحين… أنا مثلا يا عزيزتي (هنا همست القطة قائلة: عزيزتي منذ متى أنا عزيزتك يا كلب يا زوفري؟!…) لم أرغب يوما في شيء منهم غير مساعدتنا على تأمين الغذاء والسكن وهي اتفاقية قديمة بيننا منذ آلاف السنين…فأنا لست مثل بعضهم أبدا ولن أكون… أنا كلب طيب ومواطن صالح وشريف لم أسرق أو أنهب ولم أعضّ أو أظلم أحدا في حياتي… وأنا كلب ملتزم ومنضبط في شغلي وأعرف ربنا… فلمَ يخرج علينا أئمّتهم يهددوننا بالويل والثبور ويفتون بمنعنا من الأكل والماء؟ أهذا من الحقّ بشيء يا قطّتي العزيزة؟…”
هنا نظرت إليه القطّة وهي في حالة هستيرية وقالت صارخة: “أولا لست قطّتك و(يكب سعدك)… ثانيا أنت تكذب، أنت أكبر عضّاض في الحيّ… لكن أنا متعلمة ومثقّفة وأعشق بلادي وأحب أهلها ولا ولن أخون وطني اأدا ولن أكون من الوشاة لأخبر عنك وعن أفعالك يا (بوناب) وتقصد ان للكلب نابا طويلا خارجا عن الصفّ…” ثم ضحكت ونظرت في اتجاهي وقالت “كيف حالك عمّي…؟؟؟” نظرت إليها ضاحكا وقلت “عمّك … منين يا كبدي ؟؟؟” ضحكت ونظرت إلي وقالت “أتعرف يا ابن خال الكوني أني أنا القطّة الرقطاء ورغم أنى لست مشهورة أو شخصية عامة لكني والحمد لله وطنية وواعِية بكل ما يدور حولي. ولم أكن سلبية أو عميلة أو خائنة أبدا في حياتي… شاركت في العديد من المظاهرات في عهد المغفور له بن علي وحتى في عهد الترويكا وتوافق الباجي مع الغنوشي… وتظاهرت ضد التعذيب والتزوير والفساد والتوريث والتمديد… لكن ذلك الكلب الضال لم يفعل ذلك أبدا… كان دائم البحث عن الأكل والنباح والصعلكة بين الأزقة ومراودة كلبة عمّ الصادق الحوانتي وكلبة جارنا الذي يعمل بأوروبا، تصوّر أن له من كلبة سائح إيطالي سبعة جراء تركها دون تأمين الغذاء في الخلاء فماتت من الجوع والبرد…أتعلم أيضا انه أكل من كل الصحون منذ عهد الأمين باي أصدقني القول وقد قلت ذلك للكوني ابن عمتك”
نظرت إليها وضحكت وقلت “لم أتحدث عنك مع الكوني أبدا”… اقترب الكلب منّي وقال “لا تصدقها يا صديقي أتعلم أني بعد نجاح الثورة اجتمعت أنا وبقية كلاب المدينة بعد أن عرفنا أن الأمور قد تتغيّر وأن الأمل قائم في دولة ديمقراطية يكون فيها للكلاب والقطط موطأ قدم، وقررنا أن نساعدكم أنتم البشر في دمقرطة البلاد والخروج بها مما كانت عليه… وقررنا أن نكون لكم عبرة وأسوة من خلال تنظيم حياتنا السياسية والاجتماعية ومشاركتكم صنع مجد هذه البلاد… وشخصيا استشرت اهلي وناسي وأصحابي من الكلاب طبعا، فنصحوني بترشيح نفسي في انتخابات مجلس حي للكلاب يكون نواة لحياة سياسية منظمة للكلاب والقطط بجميع أصنافها وطوائفها وعائلاتهم نجمع فيه شمل بعضنا البعض… ويكون لنا ممثلنا الرسمي لدى البشر لنطالب بحقوقنا كمخلوقات ذات كبد رطبة وأمم مثلكم، فأنا أحب الجميع قططا وكلابا وبشرا وحتى ثعابين لم لا؟ وأنا على يقين انهم أيضا يحبونني فأنا واحد منهم ومولود هنا بينهم، مشاكلهم هي مشاكلي وهمومهم هي همومي… أما عن مشاكل هذا الوطن فهي أيضا مشاكلي فأنا كلب ابن كلب وهنا ولدت وهنا أعيش وهنا أبقى لأموت، ولعلمك سيدي أنا أتابع اوضاع البلاد منذ أطردني جدي الكلب الأكبر ولي برامجي وأفكاري واضحة، وقادر على إيجاد الحلول الممكنة والواقعية لأغلب مشاكلنا جميعا…”
همست لي قطّة الكوني وقالت: “لا تصدقه صديقي فقد طالبناهم منذ أكثر من عشر سنوات نحن معشر القطط بأن ننظّم مؤتمرا وطنيا للمصالحة الشاملة خدمة للمصالح العليا للبلاد، فرفض وحاول فرض إرادته من خلال ميليشيات فايسبوكية تشتم وتهتك أعراضنا وأعراض عائلاتنا ونحن الليلة هنا لنتفق في أولويات المرحلة… فالمرحلة التي نعيشها وتهديدات المنع من الغذاء والإبادة التي تتهددنا والحملة التي تشنها بعض وسائل التواصل أرهقتنا وأجبرت العديد منّا للهروب إلى بعض المناطق المجاورة التي يطيب فيها العيش وتكثر فيها الفضلات المنزلية…
نظرت إلى القطة والكلب وقلت لهما: “من الأفضل أن تتصالحا فالتعايش هو الأمر الوحيد الذي سيخرجكما مما آلت إليه الأمور وقد تتعقّد أكثر لو اتفق عليكما الجميع ومنعوكم من الغذاء والماء وقد يمنعونكم إن واصلتم تعنتكم من الهبهبة للكلاب والمواء للقطط …” نظر إلي الكلب وقال بصوت عال” صاحبك كلب ابن كلب…سألتزم بما تريدون…” ونظرت إليّ القطة وأقصد قطّة الكوني ابن عمتي وقالت وهي تبكي “حسبي الله…حسبي الله…”….
شعرت باصطدام على جمجمتي كأنه مطرقة وسمعت صوت زوجتي وهي تقول : “تي قوم اشبيك راقد قدام الحوش… يخي ما تخافش مالهوش وشبيك تهبهب من بكري؟؟؟” وعرفت أني لم أكن كسليمان لأتحدث مع كلب وقطة ولم أجتمع أصلا بها … ولم أذكر مما دار بيني وبينهما إلا “كلب ابن كلب…وهب هب”…