سيدي الرئيس، صراحة لو كنت أعرف رقم هاتف صاحبة الشعر الأصفر “شقراء” روما جيورجيا ميلوني لهاتفتها لأشكرها…نعم لأشكرها سيدي الرئيس… وأقبّل يدها إن سمحت لي حتى وإن كنت على وضوء… (أتمنى ألا يتهمني أنصار الرئيس بالتحرّش بضيفته فوالله لا أريد شيئا غير شكرها) …
<strong>محمد الأطرش<strong>
أقول، أتدري لماذا سيدي الرئيس؟ لأنها نجحت وفي اول لقاء بينكما في أن تضحكك…نعم نجحت حيث اخفقنا جميعا…أي نعم ضحكت سيدي الرئيس…ضحكت للحلوة جيورجيا في أول لقاء بينكما على أرض تونس الجميلة، نعم ضحكت وتسمّرنا جميعا أمام هواتفنا وتلفزاتنا وكل ما امتلكت ايادينا من وسائل إعلامية مستغربين الأمر…نعم مستغربين الأمر، لم نكن نعلم من طول انتظارنا لابتسامتك أو ضحكتك الأولى أنك مثلنا تضحك وتبتسم وتسعد…كنّا نقول لعلها هموم الوطن أبعدت عن رئيسنا الابتسامة…ولعلها الأزمة التي طالت جعلت رئيسنا رافضا للضحك…أو ربما صندوق النكد الدولي هو من أربك مزاج رئيسنا وأقضّ مضجعه فغابت عنه الابتسامة “يكب سعدك يا كريستالينا غورغييفا على زوز صوردي شردتينا”…
لكنك ضحكتَ سيدي الرئيس، نعم ضحكت أمام “جيورجيا” وردّت حلوة روما الضحكة والابتسامة بأحسن منها…أي نعم ضحكتَ لابنة “فرانسيسكو ميلوني” و”آنا باراتوري” وزعيمة “إخوة إيطاليا” ولم تضحك لنا نحن إخوة الأرض والوطن والوجع والمعاناة والصبر الطويل…لم تضحك لشعبك الذي انتظر طويلا ابتسامة أو ضحكة منك تبشرنا بخروجنا مما نحن وهذا البلد فيه…أتدري سيدي اننا حقّا اشتقنا إلى ضحكة منك لم نرها منذ وصولك قرطاج…ضحكة طال انتظارها ولم تأت من أجل عيون شعبك بل جاءت لعيون جيورجيا أطال الله عمرها وانفاسها وأظافرها…
أي نعم سيدي، ضحكت كثيرا و”كبيرا” ولا أحد منّا نحن الشعب يعلم لماذا؟ أتدري أن شعبك أصبح اليوم قليل الضحك ونادر الابتسامة، فحتى جيري لويس “رحمه الله وغفر له” لن ينجح في إضحاك هذا الشعب لو عاد حيّا…؟ وحتى “شوفلي حلّ” ما عاد يضحكنا ولم يجد حلاّ لكآبتنا… أتعلم لماذا سيدي الرئيس؟ أظنّك تعلم بكل ما يجعل شعبك قليل الضحك…قليل الابتسامة… طبعا لا أقصد كل شعبك فبعضه وهم قلّة يضحكون…كل الوقت…ويسعدون بما تفعل…كيف لا وهم يشاهدون خصومهم يتساقطون الواحد تلو الآخر…خصومهم الذين لم ينجحوا “ديمقراطيا” أو ما شابهه في ابعادهم عن طريقهم وافتكاك الحكم منهم عبر الصناديق…
ولم لا يسعدون…ولا يبتسمون…ولا يضحكون ملء اشداقهم وهم يشاهدونك وأنت تحقّق لهم ما عجزوا عنه منذ 14 جانفي من سنة النكسة والخديعة…وأنت تفسح لهم المجال ليحكموا غدا يوم يقولون لك “شكرا أكملت ما عليك”…فهم سيقبلون بكل ما تأتيه اليوم حتى وإن كان مخالفا لمبادئهم وفلسفاتهم السياسية وشعاراتهم التي يرفعونها منذ عرفناهم…فقط هم يريدونك ان تخدمهم خدمة لن ينسوها أو لنقل أنا على يقين أنهم سينكرون جميلك يوم يجلسون مكانك…إن جلسوا…هم يريدون فقط أن تقضي على كل من يمكنه الوقوف أمامهم غدا حين يحين موعد دخول مكاتب الاقتراع…إن حان طبعا…حينها ستعرف حقيقة ما قدمت لهم من خدمة لم ولن يحلموا بها لو لم تكن أنت جالسا على كرسي قرطاج…
وكأني بك لم تتفطّن لما يريدون وما يضمرون…هؤلاء الذين يضحكون ويسعدون لما تفعله لا يبالون بما تعيشه البلاد ولا يهمهم إن ساءت علاقتك بمن انتخبك وبالشعب…ولا يهمّهم إن توسعت الهوّة بينك وبين ناخبيك قبل الموعد الانتخابي القادم…ولا يهمّهم غدا إن قال لك الشعب “ماذا قدمت لنا في خمس سنوات؟” ولا يهمهم إن رفع الشعب صوته قائلا “اين وعودك؟ وأين انجازاتك؟” ولا يهمهم إن “حاسبك” الشعب غدا عبر الصناديق وقال لك “لم تفعل شيئا يستحق الذكر، فلن نختارك أنت رئيسا”…هم حوّلوا وجهتك إلى ما يريدونه منك حتى لا تلتفت إلى ما يهمّ الشعب فتنال رضاه …هم لم يساندوك في كل ما أتيته يوم 25 جويلية حبّا فيك أو دعما لمسارك بل هم يريدون أن تخلصهم من كل من افسد عليهم مخططاتهم وما يتمنون…
أعجبتهم لعبة تجفيف المنابع فصفقوا لك ورفعوا عقيرتهم بالصراخ “اضرب ما زال يتنفس”…وسيقولون يوم لا تكون جالسا في قرطاج عن دستورك ما لم يقله مالك في “السلتيا” (رحم الله سي حمادي بوصبيع)…وسيصفون عهدتك بالاستبداد والانفراد بالحكم…وسيعدون الشعب بإصلاح حاله والأوضاع…كيف لا وأنت أبعدت كل من كان يعترض طريقهم نحو الحكم من مطبات حزبية وسياسية…كيف لا وأنت خلصتهم ممن لم ينجحوا في تجاوزه عبر الصناديق…قد لا نتفق مع من أبعدتهم عن المشهد السياسي وقد لا نلتقي في أي من أفكارهم ومشاريعهم السياسية، لكن لا أحد منّا يقبل ان يقطع الطريق أمام خصومه دون تنافس نزيه لا تشوبه شائبة ليصل الحكم…
أتدري سيدي الرئيس أنهم سيُغرقون مسامعك بالتبجيل والتأليه والشكر والثناء والتصفيق والزغاريد وقد يرقصون إن لزم الامر (على وحدة ونصّ طبعا) … لن يتركوا لك لحظة واحدة تجالس فيها نفسك على انفراد وتفكّر فيها في وعن مآلات عهدتك التي شارفت على الانتهاء…عهدة حكمت أكثر من نصفها منفردا تفعل ما تريد متى تريد وكيف تريد…الآمر الناهي والحاكم بأمره…لا أحد يغامر بأن يقول لك أخطأت ليس خوفا من سطوتك لكن خوفا من سطوة من هم حولك…أتدري سيدي الرئيس لماذا لا يقولون لك: لا؟ لأنهم لا يريدونك أن تتفطّن لتبعات الوجهة التي حولوا دفّتك إليها…يريدون منك ان تنهي ما بدأته وتخلصهم من كل خصومهم بالإبعاد أو الاضعاف قبل موعد انتهاء عهدتك…
أتدري ماذا فعلت لصالح الشعب خلال عهدتك سيدي؟ لا شيء يذكر يهمّ الشعب، في حياته، ومعيشته، وتعليمه، وصحته، فقط حققت كل مطالب من ساندوك ودعموك دون أن تتفطّن بأنهم يخدعونك، ولم تلتفت لما ينفع الناس ويرفع عنهم البأس وينزع من طريقهم اليأس…عهدة ضاعفت فيها عدد معارضيك إلى أضعاف اضعاف من توحدوا بجميع الوانهم وقطعوا الطريق أمام خصمك وانتخبوك…عهدة أعلنت فيها الحرب على كل خصومك وخصوم من حوّلوا وجهتك مستأنسا بمزاج شعبي غير ثابت صنعته الازمات المتلاحقة بالبلاد منذ 14جانفي، وأجج ناره فشل كل من حكموا قبلك في إدارة شؤون البلاد واصطدامهم بواقع حكم كانوا يتصورونه “لعبة” أو “فسحة” سيصلحون خلالها حال البلاد والعباد دون عناء وفي أسرع وقت…ونسوا أن إدارة شؤون البلاد ليست فقط كرسيا تجلس عليه وتأمر لهذا بألف درهم وناقة وبعير…وتنهى الآخر وتأمر بسجنه وجلده مائة جلدة على قفاه…الحكم في زمن كالذي نعيش له واقعيته وحقيقته وأوجاعه وألمه ومشاكله التي لا يعلمها من لم يصارع أمواجه ويخرج منه سالما بأخفّ الاضرار…
أتدري سيدي الرئيس، هُمْ وأقصد من حوّلوا وجهتك نحو أهدافهم نجحوا في توسيع الهوّة بينك وبين معارضيك…وقالوا لك فيهم ما لم يقله تشرشل في “الفوهرر” أتعلم أشهر ما قاله تشرشل في السياسة…قال “ليس في السياسة عدو دائم، ولا صديق دائم، بل مصالح دائمة”…أتدري سيدي الرئيس أن من حاموا حولك ويحومون أوعزوا لك ضمنيا من خلال ما يروجونه عن معارضيك، ودون أن يتورطوا في ذلك علنا بتجفيف منابع معارضتك دون ان تدري بما كانوا يخططون ويريدون…ويضمرون…أتدري سيدي الرئيس ان عدوك الحقيقي هو من لا ينبهك لأخطائك…ومن لا يهتمّ لمآلات ما تأتيه وتقرره… عدوك الحقيقي هو ذلك الذي يصفق لك حين تأتي شيئا يوسّع الهوّة بينك وبين ناخبيك…عدوّك الحقيقي هو ذلك الذي ينصحك بمقابل…ويصفق لك بمقابل…وحين يغيب المقابل…يتحوّل إلى داعم ومساند لخصمك المقابل…عدوك الحقيقي هو ذلك الذي يزّين لك السيء من أعمالك، ويشوّه لك الجميل من أفعالك…
لذلك اسمح لي بأن أقول، علينا ان لا نغضب من ضجيج وصخب المعارضة وهرجها ومرجها، إن كنّا حقّا نريد من ينبّهنا لأخطائنا…فالاعتراف بالخطأ من اهمّ مكونات الفعل الديمقراطي…فلم نخاف المعارضة ونحن أصحاب رأي سديد وقوي وعاقل…فالرأي السديد العاقل لا يخاف الديمقراطية ولا تزعجه الحرية ولا الرأي المخالف…علينا أن نعترف أيضا ان اغلب المشاكل التي تعانيها دول العالم الثالث سببها الرئيسي غياب الديمقراطية…وان الفقر والخصاصة سببه أيضا غياب الديمقراطية…وان البطالة وتفشي الجريمة وانتشار المخدرات وتدني مستوى التعليم سببهم جميعا غياب الديمقراطية… ما حدث بعد 14 جانفي يعطينا درسًا ألا نظلم رجالنا سواء كانوا منا أو من معارضينا…فالاختلاف في الرأي ومعارضة مخططاتنا وبرامجنا وأولوياتنا لا يعنيان بالأساس ان من يأتي ذلك ليس وطنيا ويضمر بنا وبالوطن سوءا…وكما نحترم من يساندنا علينا ان نحترم من يعارضنا…فمن يساندنا قد يغفل عن أخطائنا ويزينها لنا تقرّبا منا وطمعا في غنيمة أو مقابل، ومن يعارضنا لن يغفل عن ذكر أخطائنا وسيساعدنا من خلال ذلك في إصلاح ما أخطأنا في تقديره…
ختاما سيدي الرئيس وأنت الذي ضحكت مع جيورجيا (أطال الله ضحكتها) كما لم تضحك سابقا معنا وأمامنا ابدا… أتدري متى نضحك نحن حقّا…متى نخرج من أزمتنا ونصلح حال البلاد والعباد…نضحك متى شعرنا بأننا في بلد ديمقراطي حقّا يسمح لنا فيه بأن نعبّر عن راينا بحرية دون خوف من الوشاة وامثالهم…نضحك متى نشعر بأننا نستطيع بأن نقول بصوت مرتفع ما كنّا نهمس به ونخنقه في حناجرنا…نضحك متى لا نُظلم ممن هم أقوى منّا ومن هم أقرب منّا للحاكم والسلطان…نضحك متى خرج علينا حاكمنا ليكشف لنا حقيقة أوضاعنا وإن كانت موجعة وإن كان وجعها سيزيد فالحقيقة هي ما نريد…نضحك متى جمعنا حاكمنا حول وطن واحد وإن اختلفنا في الرأي وفي التفكير…نضحك متى سمح للكاتب والمفكّر بأن يقول رأيه وإن كان موجعا دون أن يعتقل قلمه ويمنع من الكتابة…
نضحك متى استطاع كل واحد منّا أن ينتقد ويعارض السلطان دون ان يتعرّض للطرد من عمله وللعقاب…نضحك متى يختفي النفاق والحقد والكذب من مشهدنا السياسي…نضحك متى يعطى لقيصر ما لقيصر…نضحك متى عاد الشعب إلى العمل كما كان وأكثر…نضحك متى نفرغ السجون ممن نختلف معهم في الرأي والفكر…نضحك متى لا تغيب ضروريات الحياة من أسواقنا…نضحك متى يجلس الرجل المناسب في المكان المناسب…نضحك متى تغيب المحسوبية والانتهازية من حياتنا…نضحك متى قضينا على البطالة والتهميش …نضحك متى توحدنا في الحرب على الفقر والخصاصة …نضحك متى اعترفنا بأن أخطاء الماضي هي دروس للمستقبل ولسنا هنا لنحاكم الماضي بل لنجعله عبرة لنا حاضرا ومستقبلا… نضحك متى أدركنا جميعا أنه ليس من حق أحد أن يحتكر الماضي لنفسه…كما ليس من حقّ أحد أن يحتكر الحاضر لنفسه…فالحاضر لنا والماضي لأهلنا…والمستقبل لأبنائنا…
سيدي الرئيس، أتعلم أنا…اي نعم، أنا… متى اضحك؟ اضحك حين يصل كلامي هذا إلى من أعنيه بما جاء فيه، دون أن يخرج بعضهم ما جاء فيه من السياق الذي أبتغيه وأعنيه… فتعال نضحك جميعا، أنت، وأنا وكل الشعب ونثبت للعالم ونقول “الدنيا ما زال فيها الخير”…ألسنا أقرب إليك من جيورجيا ميلوني سيدي الرئيس !
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.
في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…
عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟
في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…
مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…
تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…
اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…
إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…
قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…
الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟
موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…
قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …
كنتُ بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مقالي الأسبوعي في جلنار، حين بلغ مسامعي صراخ وألم ووجع عائلات من قضَوْا تحت أكوام حجارة سور معهد المزونة، رحمهم الله.
تمرّد القلم بين أصابعي، ورفض إتمام ما بدأه والانصياع لأوامري، وما أكتب، معلنًا الحداد على من ماتوا، ووُئدت أحلامهم تحت حجارة سور جريح ينزف دم سنوات الإهمال والتخلي.
سور أصابته لعنة “باركينسون” تشريعاتنا المهترئة، فارتعش وجعًا. سور لم يرأف بحاله أحد من القائمين على شؤون ترميمه، وترميم ما يحيط به. سور سال دم جراحه، وأسال دم من مرّوا بجانبه وأمّنوه على أرواحهم. سور توجّع وتألم طويلًا، وبكى… ولم يسمع بكاءه أحد، حتى أبكى أمهات بعض من اعتادوا المرور بجانبه… سور تآكل، وبانت عورته، فغضب وانهار على من كانوا يمرّون بجانبه، يتكئون عليه، ويستظلون به من غضب الشمس وثورة الأحوال الجوية، وهم في طريقهم لطلب العلم.
الغريب ما قرأته بعد الفاجعة، وما سمعته من صراخ من خرجوا يهددون بالويل والثبور وعظائم الأمور. أغلب من خرجوا علينا يولولون، يطالبون بمحاسبة من تسبب في الفاجعة، ويطالبون بتحميل المسؤولية لكل من قصّر في أداء واجبه أو غفل عنه.
هكذا نقفز على كل وجع ومأساة، لنواصل الدعوة إلى الانتقام من كل ما سبق، ومن كل من سبقونا في تحمّل مسؤولية خدمة هذا الشعب… هل يجب أن ننتقم ونثأر بعد كل فاجعة أو فشل ممن سبقونا في تسيير شؤون مؤسسات البلاد؟ هل يجب أن نشيْطن كل من سبقونا في خدمة الوطن بعد كل وجع يشعر به جسد هذه الأمة؟ ألا يجدر بنا أن نعتبر مما حدث، ونبدأ بإصلاح حالنا وأحوالنا؟
أتساءل: ألا يتساءل أحدكم لماذا كل هذا العزوف عن تحمّل المسؤولية؟ أليس للفصل السادس والتسعين من المجلة الجزائية دور كبير في هذا العزوف، الذي أفرغ مؤسساتنا من كفاءات كنّا نفاخر بها، ونطمئن بوجودها على حالنا وحال مؤسساتنا وحال البلاد؟ ثم، أليس للفصل الرابع والعشرين من المرسوم عدد 54 نصيب مما نحن فيه، ومما عشناه ونعيشه؟ فمن كان يرى في السور عيبًا وخطرًا، لن يكتب عن الأمر، ولن يُنبّه لخطورته، خوفًا من أن يُتهم بنشر أخبار زائفة وإشاعات كاذبة…
ألم نغرق اليوم في وحل الفصل السادس والتسعين، ورعب المرسوم الرابع والخمسين؟ لماذا تنشر تشريعاتنا وبعض قوانيننا الخوف والرعب في نفوس كفاءاتنا، ومن يملكون القدرة على تحسين أوضاعنا؟ أيمكن للأمم أن ترتقي وهي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب من قوانينها؟ كيف نطلب من بعضنا خدمة الوطن وهم يعيشون رعب القانون، ورعب الحقد، ودعوات الإقصاء والثأر والانتقام من كل قديم، وكل مخالف في الرأي، وكل من لا يعلن لنا البيعة، ولا يقف صارخًا “مزغردًا”، مصفقًا لأخطائنا، ملمّعًا لفشلنا، داعيًا لنا بطول العمر وجزيل الثواب؟
يا من تستمتعون بوجع خصومكم، ومن لا تتفقون معهم، ومن تركوا أثرًا طيبًا وانتصروا عليكم بما حققوه وأنجزوه…الوطن أمانة بين أيادينا جميعًا، فجنّبوه الفتنة، وجنّبوه الأحقاد، وحافظوا على سور الوطن…ولا تخربوا سقفه، فإن انهار سقف الوطن، فنحن، نحن الشعب، من سيدفع الثمن… نعم… نحن الشعب من سيدفع الثمن.