كان اليوم الاول للدخول الى التعليم الابتدائي في ذلك الزمن بمثابة اعلان ولادة جديدة لأي طفل … سنة 1955 وبمناسبة انعقاد مؤتمر الحزب الدستوري التونسي بصفاقس، وبالتحديد بالحي الزيتوني (معهد 15 نوفمبر حاليا) كانت سنة دخولي لمدرسة فرانكوآراب بساقية الزيت …
ومما اذكره في تلك السنة خروج اهالي الساقية لاستقبال شعبي كبير ترحيبا بالزعيم الحبيب بورقيبة …انذاك كان والدي رحمه الله يحملني على ظهره لا فقط لاتمكن من مشاهدة الزعيم بل خوفا على ولده من ان يداس بين الاقدام وهو الذي كلو على بعضو لا يزن اكثر من 20 كلغ …كنت نحيفا جدا (وبقيت تقريبا على تلك الحال حتى يومنا هذا) وتلك النحافة عرضا وطولا كانت سببا في علاقة عاطفية جد متينة بيني وبين سائر المربين و “شاوش” المدرسة سي محمد الجلاصي هكذا كانوا يسمونه رحمه الله …كان تعاطفهم مع عبدالكريم الصغنن كبيرا (حنية وعطف كبيران) وحتى عندما انتقلت الى مدرسة الفتيات في وادي القراوة انذاك بموجب قرار الاختلاط في السنة الخامسة من التعليم الابتدائي (وانا واحد من التلاميذ العقلاء الدافئين اللي لا ينبشوا لا يخبشوا) … هكذا كان ظنهم وهم والله مخطئون لأنو اتعدى على واد هرهار وما تتعداش على واد ساكت …وياما تحت السواهي دواهي وستكتشفون ذلك في بقية الورقات …
حتى عندما انتقلت الى تلك المدرسة اوصى شاوش المدرسة بالساقية زوجته التي كانت تقوم بنفس المهمة في مدرسة الفتيات، برعاية عبدالكريم او “كريّم” بالشدة فوق الياء، وهو اسمي الشائع في كامل محيطي …حومة واهل واصدقاء واتراب التعليم في كل مراحله … فاطمة زوجة سي محمد الجلاصي رحمهما الله كانت اكثر حنية من زوجها ..كنت واحدا من ابنائها المدللين وكنت سواء معها او مع زوجها ذلك الذي ينعم بأيديهما في الشتاء القارس وهما يفركان يدي حتى يبعثا فيهما الحرارة …واذ احمد الله على شيء فإني وبعد عودتي من فرنسا سنة 1979 وانا احمل بين دفاتري شهادة عليا في العلوم السمعية البصرية اختصاص اخراج، لم اكن مختالا فخورا بما احرزت عليه متناسيا جاحدا لجذوري …بل كان مشروعي الاول ان اعود لهؤلاء وامثالهم لاقبل اياديهم ولاقول لهم لولاكم ما كنت ان اكون ….
وكانت اول زيارة بعد بحث دام اشهر عن عناوينهم كانت لسي محمد وللة فاطمة …وعثرت عليهما بعد لأي بنصرالله بولاية القيروان بعد تقاعدهما … حيث عادا الى مسقط راسيهما …. كان لقاء غير عادي لقاء الاحضان بين اب وام وابنهما بعد 20 سنة …كنت سعيدا بسعادتهما وكنت اكثر سعادة وهما يقولان ..(ربينا وما خبناش) … نفس بحثي عمن وضعوا حجر الاساس لشخصيتي …لحياتي …لنجاحي …كان هدفه اللقاء مع المربي الفاضل السيد بشير شراد معلمي بالثالثة ابتدائي …هذا وايضا بعد لأي وعناء كبيرين وجدته بأريانة …بتونس العاصمة ووجدته كما عرفته قمة الهدوء والبسمة الخفيفة التي لا تفارق محياه .. وهذا الذي كانت والدتي لا تطيق اجوبته وهي تشتكيه من قلة مذاكرتي فيجيبها بنفس الهدوء “خليه يلعب انا فرحان بيه” …
طبعا دون نسيان المربين الاخرين في الابتدائي (المرحومين على الشعري وعلي الطرابلسي) وفي الثانوي استاذي في الآداب العربية، الفاضل محسن الحبيب متعه الله بالصحة والذي اهداني احد مؤلفاته عن تجربته في التعليم وخصص جزءا منها للحديث عن ابنه عبدالكريم ـ الاذاعي ـ عندما كنت احد تلامذته المتفوقين في مادة العربية ….و كذلك استاذي الكبير محمد صالح الهرماسي، استاذ التاريخ والجغرافيا سنة الباكالوريا، والذي كان له تاثير كبير جدا على كل تلاميذ الباكالوريا في نهاية الستينات بمعهد الحي، والذي بحثت عنه في دمشق باعتباره يشتغل في منصب سياسي مرموق جدا …اذ اني لم انس عندما شاركت في دورة تدريبية للاتحاد العربي للاذاعة واللتيفزيون بدمشق سنة 1996، ان اسأل عنه لالتقيه … وذهبت حتى إلى مقر حزب البعث الذي ينتمي اليه ولاسفي الكبير كان في تلك الفترة في سويسرا في مهمة خاصة ..
و كذلك المرحوم رشيد الحبيب استاذ التفكير الاسلامي في سنة الباكالوريا، استاذ الكاريزما واستاذ الغيرة على رسول الله (ذات مرة وهو يقص علينا مآثر خاتم الانبياء لمح تلميذا “يتضيحك” فما كان من سي رشيد الا ان انهال عليه (بصفة شلبوق) لا يقرا لا يكتب، مزمجرا غاضبا صائح: “اتضحك على محمد بن عبد الله ؟؟؟” …. نفس سي رشيد وبعد سن متقدمة هو الذي كنت احيانا اصلي وراءه صلاة الجمعة كامام بجامع المنار … وبعدها وانا اذهب لاسلم عليه كان يلح دوما على ان اتوجه له بملاحظات نقدية حول خطبته …وكنت اخجل من مثل سؤاله …وارد عليه بـ (يا استاذ راني تلميذك وانت الاستاذ) .. .ولكنه كان يقسم باغلظ الايمان انه يريد ملاحظاتي وانه معتز بي كاحد تلامذته الذي اصبحت له مكانة مرموقة ـ حسب تعبيره ـ في المجتمع …
ثم اذ انسى فاني لا انسى معلمي الفاضل الشيخ الامام علي الشعري الذي درسني العربية في السنتين الاخيرتين من مرحلتي الابتدائية، والذي كان ذا كاريزما رهيبة ايضا ..كنا نرتعد خوفا منه ولكننا كنا نحبه كذلك بشكل لا يوصف خاصة عند تدريسه لمادة التاريخ ..هو قمة الروعة باسلوبه الروائي المشوق … ولعل من الاوسمة في حياتي يوم دعاني الى منزله في احد اعياد الفطر …يومها احضر لي كل اولاده وبناته واحفاده وقدمني لهم بقوله (هذا اخوكم الذي لم تلده امكم، هذا الذي يشرفني وافتخر به كلما سمعت نقشاته في المذياع ….وكم حدثتكم عنه) … وتراني اتصبب عرقا من كل ما ذكر واردف بالقول …العفو يا سيدي انتوما الساس وما نحن الا “ياجورة” متواضعة امامكم .ثم يدخل الى غرفته ليخرج لي ورقة (دوبلوفاي) … ويا لقمة سعادتي …انها واحدة من تمارين الانشاء التي كتبتها بخط يدي وانا في سنة السيزيام …وهاوهو سي علي الشعري يحتفظ بها ليقدمها لي كواحدة من اعظم الهدايا التي تحصلت عليها في عمري …
انا من اولئك الذين تألقوا جدا في مرحلتين من عمرهم …الابتدائي والعالي اما مرحلة الثانوية فكانت مرحلة غريبة وعجيبة في حياتي … تلميذ متوسط للغاية والبقية ستأتي …تألقي في الابتدائي كان منذ السنة الاولى من ذلك التعليم …لم ادرس سوى شهر واحد
وتمت نقلتي الى السنة الثانية ؟؟؟؟…….. هكذا قرر الاطار المدرسي انذاك …وكنت طيلة تعلّمي الابتدائي مرسما في كل امتحان الاول وفي اسوأ الحالات الثاني او الثالث … وكانت هديتي في كل شهر (الامتحانات كانت كل شهر) ربع خبزة بالطلوق من عند كوشة الفريخة التهمها التهاما (ڨدمة على ڨدمة) …وبعد اربعة اشهر يدفع ابي 20 مليما ثمن الخبزة .انذاك …والاغرب في كل هذا اني لم اكن (محراث خدمة) كما يعبرون عن اولئك الذين يذاكرون ليلا نهارا … وعلى ذكر محراث قراية اعرف واحدا من هؤلاء كان لا يمارس اي نشاط لا رياضي ولا ثقافي خارج اوقات الدراسةا همه الوحيد والاوحد الانكباب الكلي على حفظ كل ما يدرس عن ظهر قلب ….ومن المضحكات والتي هي فعلا مبكيات انه حتى في دراسته العليا (حقوق) كان يسهر ليلا نهارا لحفظ كتب القانون …نعم يحفظ الكتب عن ظهر قلب … __بهيم متاع قراية __وبما ان الاحمرة على بعضها تقع …. فانه تقلد فيما بعد اعلى المسؤوليات …ولكن ….اين الغرابة في ذلك ؟؟…اليست عديد المسؤوليات قديما وحديثا هي اقرب للاحمرة منها الى من يستحقون ؟؟؟….
كنت في الابتدائي اركز كثيرا في القسم … وهز ايدك من المرق لا تتحرق …وربما من هنا تتفهمون انشغال والدتي بمصيري وانا الذي لا اذاكر الا نادرا ونادرا جدا وهي التي عقدت آمالها على الولد الوحيد لا فقط في عائلتها بل في كامل قبيلة الحوش الذي نقطنه ..الوحيد الذي دخل للمدرسة، في العائلة … وحتى ابن عمي وهو الوحيد ايضا في عائلته الذي دخل المدرسة (في فلسفة القبيلة °المدرسة محرمة على الاناث)… ابن عمي لم يحالفه الحظ ولم ينجح في نيل شهادة السيزيام … كان كثير الاستمرار في كل فصل ..هو يكبرني بـ3 سنوات و ووصلنا معا في نفس السنة لنجتاز مناظرة السيزيام… دخلناها معا …ولم يكن من الناجحين …مما حول الحوش الى مأتم عوض الفرح نجحت انا حيث اخفق هو …اذن كيف نفرح وابن العم لم ينجح ؟؟؟…. وحتى جريدة الصباح (المصدر الاعلامي الوحيد للاعلان على نتائج السيزيام في ذلك العهد) كنا في عائلتي نخفيها عن الاعين حتى لا تبدو فرحتنا شماتة لعائلة عمي ….
في الابتدائي لم اكن من التلاميذ المشاكسين على عكس الثانوي وما تلاه …بل كنت اخاف جدا من المربين رغم حنيتهم معي …ذات يوم وانا في الثالثة ابتدائية (سنة ختاني) نعم اجهزوا على كريم بعد ان انتظروا اخا له حتى يتم ختان الاثنين معا … لم تكن العائلة ماديا قادرة على ذلك ولكن ماديا ثم وهو ربما الامر الايجابي الوحيد، العائلة كانت تدخر لمثل تلك المناسبات حتى يكون الاحتفال في قيمة الحدث … ونظرا إلى سني المتقدمة فاني اذكر تفاصيل تفاصيل الاحتفال بذلك اليوم الاغر والاغبر …فرقة سي محمد الدريدي رحمه الله التي انتصبت وسط الحوش تشدو باعذب الاغاني وابي يتمايل مع الاهل والاصدقاء من المولعين بشفيق جلال واغنيته البوز انذاك (اشلوننا) وخاصة بموالها الشهير (يا غدار يا زمن). واذكر جيدا الوليمة التي اعدت للضيوف والتي فيها ما لذ وطاب من مآكل يصح عليها القول (زوروني كل سنة مرة) … ظروف يا سيدي الرئيس… وهذا الاخ لم يات الا بعد ثماني سنوات من عمري … وصحة ليه رحمه الله لم يعش ولم يذق مرارة وقساوة والم ما عشته .وعلى كل ورغم قساوة الطهار العربي بن عبدالله رحمه الله … احمد الله على ان اخي لم يتاخر الى سن الخامسة عشر مثلا ..ربما انذاك قاموا بختاني وتزويجي في نفس المناسبة …. محظوظ اليس كذلك ؟؟؟
اعود الى ذلك اليوم وانا في الثالثة ابتدائي حيث شعرت بالحاجة للذهاب الى مراحيض المدرسة …كنت اتعصر واحاول ان اؤخر عمل اليوم الى الغد __اقصد غائط التو الى ما بعد __لأني كنت اخاف ردة فعل المعلم …رغم انه لا شيء يوحي بغلظته …وتعسفت على معدتي وجهازي الهضمي طالبا __بونيس __من الوقت في انتظار انتهاء الدرس …وخيل لي اني نجحت في جلب عطفهما …. الا اني فوجئت بشلال __هذه اقرؤها باللغتين العربية والعامية مع المعذرة للمتقززين __فوجئت بذلك الشلال يكتسح الحواجز ويبلل ويعطر سروالي القولف ……يا للفضيحة ….وانا كريم المدلل يعبق بتلك العطور امام الاتراب وسيدي المعلم ….نظرت حوالي وجمعت شجاعتي بكلتا يدي كما يقول المثل الفرنسي واستأذنت من سيدي الخروج الى بيت الراحة تركت محفظتي بالقسم وتسللت كجرذ ملوث الى هنالك …هنالك اكتشفت حجم المصيبة وعبثا حاولت بماء الحنفية ان انظف ما علق بالسروال من آثار جريمة لم ارتكبها قلت عبثا لانه ومن عيوبي وكم هي كثيرة وستكتشوفنها اني لا اجيد اطلاقا كل ما هو يدوي …فتحولت حملة التنظيف الى حملة تلويث لساقي وملابسي وكل ما يحيط بي …كيف اعود الى القسم وانا اشبه شيء ب __كنايفي __ وهو الذي كان يقوم بافراغ الكنيف __شبه فستقية صغيرة مغطاة ومتصلة بالمراحيض في الحوش عبر قنوات لتخزين الغائط ثم وعند الامتلاء يقوم الكنايفي باخراجه ليتم استعماله كسماد للغراسات …_عملا _بالقاعدة الذهبية في علم الفيزياء للافوازيه رغم انها ايمانيا لا تصح __ القاعدة التي تقول لاشيء يفني لا شيء يخلق من عدم __ كيف لي ان اخرج من مرحاض المدرسة وانا على تلك الحالة …__مرسي الزناتي اتهزم يا رجالة __ ارتأيت ان الازم مرحاضي __حتى اش يعمل ربي __ وانتهت الدروس …
وبارح التلاميذ المدرسة …وبارح المربون …وبارح المدير … وعادل امام يعيط ….وانا على عكس عادل امام … لابد.. صامد …هامد ….. تسللت الى قاعة الدروس وحملت محفظتي وغادرت المدرسة …كان الوقت __ظليمة مغرب __ وكنت اسارع الخطى حتى لا ينخلع قلب عيادة __والدتي __و انا الذي لم اتاخر يوما على عودتي في توقيتي المعهود ..وحتى لا ينخلع قلبي من خوفي الرهيب من الظلام ….ثم ماذا ارى ؟؟؟؟؟ انه والدي الذي خرج ليبحث عني __الاكيد بعد الحاح كبير و__تقرقير اكبر من والدتي __ وهي ملكة التقرقير __تشد ما تسيب __ …..ولي عودة لذلك التقرقير عندما __زعمة زعمة كبرت شوية __ماكاد يقترب مني حتى اعمت بصيرته روائحي العطرة المنبعثة مني …وبدأت الطريحة التي لم تنته الا وانا ادخل باب حوشنا … كل ثلاث خطوات لعنات مختومة بضربة هنا وهنالك __وين تصب تنفع __ في مدخل حوشنا انذاك افتكتني خالتي فطومة رحمها الله من يده الغليظة وهي تزمجر في وجه ابي باعتبارها لا فقط زوجة اخيه الاكبر واخت امي الكبرى ولكنها باعتبارها ايضا الخالة العجوز التي __يختشي منها الجميع __ كانت تزمجر وتصيح __والله عيب عليك يا محمد اش فيه ما يتضرب هالتنتوفة …__ واسرعت والدتي لبيت الاستحمام وسآتي في ورقة قادمة على تفاصيلها هي وكل كنوز الحوش….اسرعت لتسخين الماء وللقيام بغسلي في مرحلة اولى ثم لاطلاق عنان البخور __جاوي و وشق __ علهما يعطران الاجواء ….
الحادثة الاخيرة وقبل انتقالي لمرحلة التعليم الثانوي والتي بقيت عالقة في ذهني والتي كان لها تأثير كبير على مستقبل دراستي فيما بعد حادثة كانت مع معلمي في اللغة الفرنسية في سنة السيزيام __السادسة __هو فرنسي الجنسية __موسيو دوميناتي __ كان شابا في الثلاثين وكان وسيما جدا ويمتلك دراجة نارية __فاسبا __ وكان من المربين الذين لهم عطف خاص على كريم __تصوروا انه كان ينتظرني كل يوم بجانب __القنطرة __التي كانت وسط الساقية حتى اصل كي يحملني معه وراءه على الفيزبا للوصول الى مدرسة الفتيات بوادي القراوة . __واشكون كيفي عاد ؟؟؟ امير الامراء ..كان من ضمن مشمولاته البيداغوجية الرياضة علاوة على النحو والصرف والانشاء والاملاء والحساب باللغة الفرنسية وكانت الرياضة انذاك “الكرة السجينة ” (بالون بريزونييه) … وكنا مختلطين كما ذكرت آنفا وكانت جل الفتيات (الهسكة واختها) اعني مكتملات البنية الجسدية اذ انه مع اجبارية التعليم وقع تسجيل التلاميذ انذاك حتى وهم في سن الثانية عشرة في السنة الاولى ابتدائي …وتخيلوا فقط تلميذة في السادسة ابتدائي وهي في سن ال18 ….. لي ثقة في خيالكم حتى ادخر الوصف لامور اخرى ….
وكان موسيو دوميناتي ابدا ان يترك حصة الرياضة تمر دون لمسهن ومداعبتهن …والرغبة طبعا مشتركة …وكنت وانا __التنتوفة جسدا وعمرا __ ارقب ذلك بعين خجولة ….ولكن متفطنة …وكان موسيو دوميناتي يعرف اني اعرف وانا اعرف انه يعرف اني اعرف دون النبس ببنت شفة ….ربما كذلك لانه كان يحبني وينتظرني __ اي واحدة بواحدة انت تصمت وانا اجازيك .__..اقول ربما … لانه ربما ايضا لاني كنت متفوقا في دراستي باللغة الفرنسية عنده تماما كما اللغة العربية وهي التي شغفت فيها بمطالعة الكتب منذ الرابعة ابتدائي __ كامل الكيلاني عبدالمجيد جودة السحار في البداية ثم التدرج بعدها الى غراميات احسان عبدالقدوس في السادسة ابتدائي ….ذات يوم ونحن في تمرين حساب عند السيد دوميناتي من كتاب __الف وثلاث مائة مشكل __ كان ابن المدير السيد الدشرواي هو التلميذ الذي اتقاسم معه الطاولة الاولى في القسم …كان المشكل عسيرا بالنسبة لابن المدير فالتجأ خلسة الى الكتاب الاحمر لالف وثلاث مائة مشكل حيث فيه الحلول …قام بنسخ الحل واعدنا التمرين الى موسيو دوميناتي …يوم اعادة التمارين باعدادها نظر دوميناتي الى ابن المدير نظرة استغراب __انه يعرف تلاميذه جيدا و يعرف مقدرة وكفاءة كل واحد منهم __واستجوبه عن السر في التوصل الى الحل …
براف … اعترف التلميذ بفعلته ونال ما كتب له من عقاب __والعقاب انذاك ضرب بانماط مختلفة ولعل افظعها حسب ما اشاهده من توجع التلاميذ الضرب بالعصا على اطراف الانامل واليد ملتفة …بعدها نظر لي سي دوميناتي وسألني ..هل شاهدته وهو يستعمل الكتاب الاحمر ؟؟؟ ولاني لم اكذب يوما على اي معلم في الابتدائي__ على عكس الثانوي الذي اذا لم يوجد الكذب لكنا اخترعناه __اجبت اذن بصدق وعفوية نعم …نظر الى بغضب وقال .. لماذا لم تبلغني بفعلته ؟؟؟؟ لم اجبه ولكني لم اكن يوما قوادا ثم حتى اذا كان لي ذلك هل اقود بابن المدير ….ولم استفق من غفوتي الا و__داودي __يهبط على خدي ……….. كانت الواقعة بحجم الدمار دماااااااااااااار دمرني فتك بي اشقاني واتعسني …انا الذي لم تمتد اليه يد طيلة حياتي التلمذية …ثم من عند من ؟؟؟ من موسيو دوميناتي بالذات …..وكانت نقطة القطيعة مع مادة اللغة الفرنسية ومع مادة الحساب طيلة تعليمي الثانوي …
ياااااااااااااااااااااااااااااااااه كم هي جميلة تلك الايام وكم احس باليتم وانا اعود لروادها واضيف: رحمهم الله … …
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.