عشرات الآلاف من التلاميذ الناجحين الجدد في الباكالوريا هم الآن بصدد تعمير بطاقات اختياراتهم الجامعية، وذلك بمرافقة العائلات والمختصين في المساعدة على التوجيه الجامعي والمصادر المختلفة للمعلومة التي تساعد على مزيد بلورة ملمح الشُّعب الجامعية المعروضة للتناظر، وتمثّل آفاقها العلمية والتشغيلية وما يتطلّبه كل مسلك جامعي من استعداد قبليّ … لأن التكوين الأساسي في الثانوي لا يؤهّل جميع الناجحين بنفس الكيفية حِيال آفاق بذاتها في التعليم العاليمفتوحة بشكل متساو أمام جميع أنواع الباكالوريا.
منصف الخميري
قدّمنا ضمن ورقة الأسبوع الماضي جملة من النصائح العامة الصالحة قبل انطلاق عملية “وضع الاختيارات النهائية”… أما اليوم وقد بِتنا على بُعد يومين فقط من إشراف الدورة الرئيسية للتوجيه الجامعي على نهايتها، بدا لي أنه قد يكون من المفيد مواصلة ما بدأناه في الورقة الماضية، مع التركيز على العناصر العملية المتصلة بتبديد بعض الغموض الذي يحول دون التعمير بشكل مطمئن.
ملاحظة عامة قبل البدء : لا تستمعوا إلى نعيق بعض الأصوات التلفزية والإذاعية (التي تتقاضى أجرا مُجزيا مقابل ما تقترفُه من هُراء وتخريف) التي لا ترى في الجامعة التونسية إلا بؤرة لإنتاج العاطلين والفاشلين والعَجَزة … لا تستمعوا إليهم وأصغوا إلى أصواتكم الداخلية وما يعتمل في نفوسكم من طموح بلا حدود وأمل تستجيب له الأقدار ورغبة في إكساب أجنِحتكم مزيدا من القوة والصلابة للطيران بحرية وتمكّن واقتدار في سماوات العالم. وتأكّدوا أن الشاب الأسترالي أو الألماني أو السويدي لا يفوقكم في شيء من حيث منسوب الذكاء والسيطرة على ناصية العلوم والمعارف والتجديدات،. بل أنتم الأفضل أحيانا لأنكم سليلو حضارة ضاربة في القدم ونمَوْتُم على إيقاع أنقى هواء وأعذب ماء وألذّ زيْت وأشهى خبز في العالم.
أولا :
اشرع في تعمير بطاقتك لتتدرّب عليها وتتعرّف على الشُّعب التي تُستدعى آليّا من خلال الاكتفاء بوضع رموزها في الخانات الأولى، فذاك يُزيل التوتّر ويمنحك تآلفا مع ذلك المشهد الغابي من المسالك والتخصصات والمؤسسات والمقاييس والمجاميع… باستطاعتك التعمير مئات المرّات وبشكل مختلف في كل مرة من حيث ترتيب الاختيارات، المهمّ أن تنتبه جيدا إلى النسخة الأخيرة من بطاقة اختياراتك التي ستعتمدها تطبيقة التوجيه الجامعي بوزارة التعليم العالي يوم الثلاثاء 26 جويلية على الساعة منتصف الليل. سجّل هذه النسخة وتأكّد من ظهور “وصل استلام الاختيارات” للاحتفاظ به وضمان حقوقك في صورة حدوث أي طارئ من أي نوع كان.
ثانيا :
احرص على تعمير أكثر ما يمكن من اختيارات. فكلما تضاءل مجموع نقاطك مقارنة بمؤشرات السنوات السابقة، تحتّم عليك التكثيف من عدد الاختيارات درءًا لأية مفاجآت قد تحصل أثناء تنافس المترشحين للتوجيه الجامعي على مختلف الشُّعب.
ثالثا :
لا تُقصِ نفسك بصورة ذاتية من اختيارات غير مؤكدة ولكنها مُمكنة (بالنظر إلى إمكانية تطوّر مجاميع النقاط نزولا هذه السنة، خاصة أن عدد ملاحظات “حسن جدا” أدنى من السنة الماضية في بعض الباكالوريات، وبالنظر أيضا إلى إمكانية تطور كثافة الإقبال نزولا على بعض المسالك). .. لأنك إذا طلبت شعبة مؤكّدة منذ البداية، ستحصل عليها وتُقصيك المنظومة الإعلامية بصورة آلية من الشعب الأخرى التي رتّبتها فيما بعد. المهمّ ضع اختيارين احتياطيين في نهاية الترتيب حتى لا تؤجّل إلى الدورة النهائية، وما هو ممكن الآن يصبح غير ممكن في الدورة النهائية.
رابعا :
منظومة التعليم العالي لا يمكن اختزالُها في أربعة أو خمسة مسالك كبرى (الطب والاختصاصات شبه الطبية، والأقسام التحضيرية للدراسات الهندسية، واللغات، وبعض المؤسسات المتخصصة في العلوم الاقتصادية وعلوم التصرف…) … وبالتالي خذ وقتك كاملا للبحث عن مسالك جامعية قد تكون غير معروفة ولا يتداولها الناس والإعلام بشكل يومي ولكنها تظل تخصصات ممكنة يشرف عليها جامعيون متمرّسون وتُفضي إلى آفاق مرموقة. فتصميم المنتوج على سبيل المثال والتصرف الالكتروني في المعلومات والتربية المختصة والبيوتكنولوجيا والإلكترونيك وعلوم الإعلامية في كليات العلوم التقليدية والصناعات الغذائية والصحة والسلامة المهنية وعشرات العروض الأخرى …هي أيضا اختصاصات ذات شأن ولكن لا نتناولها في حديثنا اليومي ولا نُثمّنها بشكل كاف.
خامسا :
بإمكانك مزيد الاطلاع على تفاصيل التكوين في التعليم العالي (المواد المدرّسة في السداسيات الأولى والضوارب والأرصدة والتشابه بين المسالك…) عبر بوّابة “سليمة” http://parcours-lmd.salima.tn التي بإمكانك الولوج إليها إما مباشرة أو عبر موقع التوجيه الجامعي www.orientation.tn . كما يمكنك تصفّح الدليل التفاعلي في موقع التوجيه الجامعيhttp://guide.orientation.tn/ الذي يوفر لك إمكانية البحث في جامعة أو مؤسسة بذاتها أو حسب باكالوريا محدّدة أو في علاقة بشعبة أو إجازة مخصوصة…أو كل هذه المداخل مجتمعة. هذا بالإضافة إلى خدمات الرقم الأخضر المجاني 80102520 الذي تنتهي خدماته غدا مساءً، والأرقام الهاتفية الخاصة التي تضعها الجمعية التونسية للإعلام والتوجيه على ذمّتك إلى غاية يوم 03 أوت.
سادسا :
مهما تكن برامجك الموازية (الدراسة بالخارج أو التعليم العالي الخاص أو التكوين المهني في مستوى مؤهل تقني سام أو الترشح للدراسة بالجزائر والسينغال أو المشاركة في مناظرات إعادة التوجيه لشهر مارس 2023 …). احجز لنفسك مقعدا جامعيا يوم 01 أوت ولكل حادث حديث. فكم من طالب قديم دخل مُكرها إلى مسلك جامعي ما، ثم سرعان ما تأقلم مع برنامجه واستمرّ فيه إلى النهاية. وكم من طالب قديم نجح في مناظرة إعادة التوجيه بالاختبارات الكتابية ورفض الالتحاق بالشعبة التي نجح فيها.
سابعا :
عندما تُفتح دورة إعادة التوجيه (من 11 إلى 15 أوت) لا تتردّد في المشاركة بعد الاطلاع على مجموع نقاط آخر موجّه 2022 في كل شعبة أو إعداد ملفّ صحي أو عائلي أو مهاريّ مقنع، خاصة أن نتيجة إعادة التوجيه لا تُلغي التوجيه الأصلي.
ثامنا :
إن كنت منتميا إلى شعبة التقنية أو العلوم التجريبية على سبيل المثال وترغب في الالتحاق بمسلك جامعي محسوب تقليديا على باكالوريا رياضيات (أو العكس) احرص خلال هذه الصائفة ولو بصفة مرنة وغير ضاغطة على تدارك “الدروس أو الأقسام الناقصة أو المحذوفة” في هذه الباكالوريا أو تلك. (علوم الحياة والأرض بالنسبة الى تلميذ الرياضيات على سبيل المثال الراغب في الالتحاق بالشعب الطبية، أو مادة الرياضيات بالنسبة إلى تلميذ باكالوريا تقنية الراغب في الالتحاق بشعبة الرياضيات-فيزياء- إعلامية، إلخ…).
ملاحظة أخيرة إلى من لم ينجحوا في امتحان الباكالوريا هذه السنة أو الذين هم في مستويات دراسية أدنى من الباكالوريا : أرأيتم معاناة من نجحوا بمعدلات ضعيفة واصطدامهم بالواقع المرير لانتقائية المنظومة والقيمة الحاسمة لأية نقطة إضافية تحصل عليها في الباكالوريا لا في المواد الأساسية فحسب وإنما في كل المواد بدون استثناء. كمن يقف أمام بضاعة معروضة ولكن تضاؤل الرصيد المالي الذي في جيبه يُقصيه بشكل بشع من اقتناء كل الغلال والفواكه التي حلُم بتذوّقها. فتهيّأْ من الآن لمواجهة هذه الاستحقاقات بأكثر ما يمكن من نقاط قوّة ومتانة تكوين.
كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.
كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أوبعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.
هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:
أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،
ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.
ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.
ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.
المقنترحات العاجلة:
ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.
واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:
أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.
ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.
ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.
رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.
خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.
خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.
كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.
لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.
فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت علىمسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.
كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها
ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.
إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا
ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…
ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها
المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز
نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.
علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…
ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟
ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…
هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…
خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…
وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…
أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟