مرت السنوات الاولى من طفولتي الاولى كأي طفل عادي نشأ في عائلة معوزة لا اتذكر منها اشياء كثيرة باستثناء اني كنت مغرما جدا باللعب مع كل من حولي …
لا يهم ان كانت الالعاب مخصصة للذكور او الاناث، خاصة أنه ـ من سوء حظي او من حسنه ـ كان اختلاطي بالبنيّات (تصغير بنات) مفروضا بحكم قلة وجود الفتيان في محيطي …فكنت بارعا في كل العابهن: الخماس، البرتيتة، القفز على الحبال، بيت الحارة والغميضة … وكانت امي تستشيط غضبا من هذا السلوك لانه بالنسبة لها لا يعقل ان امارس تلك الالعاب الانثوية، باعتباري رجلا في نظرها … وكانت تحاول اثنائي عن مثل هذا السلوك، وذلك بقهري بعبارة (انت بهيم بنات) سعيا منها لردعي عن مخالطتهن ….الا انها ونظرا إلى قلة وعيها لم تكن تفهم ان الانسان ابن بيئته وانه من حق الطفل ان يمارس هواياته حسب الموجود …وحتى عندما كبرت وتنوعت علاقاتي مع الفتيات (مع فارق البراءة)، كانت تتنهد وتعاتبني بالقول “يا وليدي اشنوة بشيمتك مدفونة مع البنيات ؟؟؟” وعلى فكرة هي ادرى الناس بان مشيمتي فعلا مدفونة مع بنت لاني توأم لاخت لي ولدت ميتة ! ….
ومما اذكره في تلك المرحلة اننا كنا نلعب طيلة النهار لا نكل ولا نتعب صيفا او شتاء صحوا او مطرا لا اعرف للقيلولة معنى وكان الكبار في حوشنا زوجات عمومتي وبناتهن يتذمرن من عبثنا وهرجنا خاصة في قيلولة الصيف فتكثر تذمراتهن (لا ترقدوا ولا تخليو شكون يرقد . اللطف ..؟؟؟؟ ريحوا فخار ربي واتهدو) … وكن وفي نفس الوقت يهددننا بـ(عزوزة القايلة) حتى يضمنّ لعبنا في محيط الحوش كي لا نبتعد عن راداراتهن، رحمهن الله جميعا ….كنا لا نعرف للامراض اي تواجد معنا …حفاة عراة ..شتاء وصيفا… ومع ذلك قل ما يزورنا “الانجين” او “الڨريب” …وحتى ان حدث ذلك فالمستوصف المحلي بالساقية على ذمتنا بطابع اسبرين او طابع فيل ..كاكثر دواء مستعمل انذاك .وهذا المستوصف العجيب كلما زرناه وانا طفل صغير وجدناه مكتظا بالحريفات .. .
قلت حريفات ولم اقل مريضات …لاني فهمت عندما كبرت انه كان ملاذا لجل النساء والفتيات حتى يخرجن من كهفهن للقاءات شرعية مع الطبيب الڨاوري في غياب كلي ومحرم للقاء بين أية منهن واي رجل آو حبيب او صديق _(ده كلام ؟؟؟) … فينعمن بفحصه لهن …المرأة في الخمسينات كانت تخرج من منزل والديها مرتين الاولى لبيت زوجها والثانية للقبر …هكذا هي فلسفة ذلك المجتمع الذكوري في الوطن العربي عموما ولعل “سي السيد” في ثلاثية نجيب محفوظ اروع مثال على ذلك … لذلك كان الخروج الى المستوصف المحلي بالنسبة للمرأة نافذة لاكتشاف ما لا يحق لها اكتشافه …اكتشاف الرجل حتى بالنظر فقط اليه عن قرب (وبعين صحيحة) و النظر هن مزبهلات خاصة الى شنبه المفتول عنوان الرجولة انذاك رغم انهن كن يرغبن (ويتمنين حتى لا اقول يشتهين في الحقيقة) في فحص جسدي كامل باعتبارها من الفرص النادرة في حياتهن التي يتمتعن فيها بيد فظة تلمس أجسادهن …
وفي هذا الباب كان احد الممرضين (سي البحري رحمه الله) يصيح ويجلجل باعلى صوته فيهن: باللازمة تكذبوا ولاكم مرضى … بل ويقسم باغلظ الايمان ان واحدة من الحريفات التي تتردد بصفة دائمة على “نافذة الجنة” (المستوصف) كانت ترفض ان يناولها طابع فيل او مشروب كدواء وكانت تصر على ان (يدڨلها زريقة) … وتأكيدا لقناعته بانها تكذب يقسم بانه “دڨلها” ذات مرة زريقة ماء لا دواء فيها وانها عادت بعد اسبوع لتشكره على هذه الزريقة العجيبة التي قضت على جانب كبير من مرضها وانها تريد المزيد .. وكل عصر وزرارقو ….سي البحري كان يجسد المقولة __ميمونة تعرف ربي وربي يعرف ميمونة، وان الهدف لم يكن اصلا في الزريقة بل في اليد التي تبشبش وتدلك مكانها، الفخذ عادة…..
ما ان بلغت سن الخامسة من عمري حتى قرر والدي رحمه الله ان يرسمني بزاوية سيدي عبالقادر اليانڨي رحمه الله لتحفيظ القرآن … وكانت معارضة الوالدة شديدة فانا اقطن بين الساقيتين(الزيت والدائر ) وزاوية سيدي عبدالقادر بعيدة عنا …فكيف لهذا الولد النحيف ان يتحمل تعب الذهاب اليها كل يوم ؟؟؟ الا ان اصرار الوالد كان كبيرا وعادة كلمة سي السيد لا ترد وقبلت امي على مضض الامر الرئاسي …كانتا سنتين من عمري بصمتا بالمثابرة مني وبخوف رهيب من عصا سيدي عبالقادر الذي كان شديدا لحد الصلف …رغم اني لم اذق طعمها يوما الا اني كنت اتوقاه وارتعد مع اترابي العابثين طفولة في الزاوية او تاركي ومهملي السور التي يكلفنا بحفظها في ملف النسيان …كنت ارتعد وانا اراهم يعاقبون بـ “طريحة نباشة القبور” من سيدي المدب (هكذا كانوا ينادونه) وربما مثابرتي كانت متأتية من الخوف اكثر من وعيي بجدوى المثابرة …
كانت اختي الكبرى حفظها الله “سعيدة” وعندما كبرنا اصبحت اناديها باسم تراكي لشبه في شخصيتها بها عفريتة و دبايرية وحد ما يغبلها … كانت تصطحبني كل يوم صباحا الى الزاوية لحمل محفظتي وتعود مساء لنفس الاشغال الشاقة …وهي على حق في اعتبارها اشغالا شاقة لانها ومن اجلي حرمت نعمة التعليم …ويا ويلها عندما لا تتخفى في “قرصي ” ويكون ذلك الخطأ امام احد الجواسيس، وهو كل ما تقدر عليه عند مصاحبتي صباحا او مساء يا ويلها من غضب امي قبل ابي …انذاك تنزل عليها جبال من الدعاء ووصفها بشتى النعوت اما الوالد فهذا العقاب النسائي في نظره من نوع (كعك ما يطير جوع) وهو من المؤمنين بالقاعدة الذهبية في ذلك العصر (العصا لمن عصى) …
اختي الكبرى كانت لا تطيقني بتاتا وهي محقة في ذلك رغم انه لا ذنب لي ولكن (الظلم بعمل) ….وكانت الفرحة تغمرها عندما امرض وانقطع عن الذهاب الى الزاوية وبعدها المدرسة الابتدائية …او عندما تنزل الامطار بغزارة وتنقطع المواصلات مع ساقية الزيت بسبب فيضان الوادي الذي يربط بين الساقيتين والذي ياتي على الاخضر واليابس فيجرف معه كل ما يحلو في عينه من قمح وشعير ولوز واكباش …كان عنيفا في سطوته وهيجانه قبل ان يقوم الصينيون في السبعينات ببناء مجراه …وعلى ذكر الصينين لابد من الاشارة الى امور هامة في تواجدهم في محيطنا لتلك المهمة …اولا كنا نتعجب من سلوكياتهم في العمل …هم بمثابة خلايا النحل التي تعمل ليلا نهارا بشكل مبهر .. ولعل السياسي الفرنسي “الان بيرفيت” كان محقا حين كتب عنهم في السبعينات كتابه الشهير “عندما تستيقظ الصين سيرتعش العالم” … وهاهي الصين اليوم قوة عظمى قد تغير مجرى الاحداث وتقلب موازين القوى كما قال ذلك الكريفة ذات يوم في حوار رياضي حول فريقه المفضل النجم بصلف فرعوني رغم ان فريقه قاسى من فراعنة ماقبل 14 جانفي … والفراعنة عموما لا تنتهي حياتهم الا بالغرق ان لم يكن بعصا موسى فبعصا انتقام الاقدار وانتقام الزمن الدوار …
لنعد الى الصينيين …كنا نرمقهم بدهشة كبيرة هم متشابهون جدا خلقيا وكنا نندهش كيف يفرقون بين بعضهم بعضا …ولم اتخلص من هذه الفكرة الا زمن دراستي بفرنسا (اواسط السبعينات) عندما عشت معهم في مبيت بمنطقة فيلي بضواحي باريس الشرقية والذي كان مخصصا في جزء كبير منه للاجئين الفيتنامين … انذاك فقط اصبحت افرق بينهم والاغرب انهم هم تماما مثلنا يندهشون منا كيف نميز بين بعضنا البعض ..؟؟؟؟؟ أخر ما تبقى في ذاكرتي من تواجد الصينين بيننا انهم قضوا على نصيب كبير من ثروتنا الحيوانية في عالم القطط ؟؟؟؟ نعم هم من آكلي القطط وبشراهة …تماما كالافارقة الذين عشت معهم في فرنسا والذين من جملة ما يقومون بجلبه في عولتهم عند مقدمهم الى فرنسا “قديد” القردة مجففا ومملحا … ولا تسالوني عن تلك البرفانات التي تجتاح المبيت و هم يتفننون في تصنيفات ماكولاتهم بقديد القردة … ايف سان لوران على حالو …وعندما كنا نعبر لهم عن استغرابنا لمثل هذه المأكولات كانوا يجيبون بتهكم وسخرية …وكيف لكم ان تأكلوا لحم الارانب وهو من نفس فصيلة القطط …؟؟؟
علما بان ما يقولونه حول نفس الفصيلة علميا هو صح …في الاخير وبعد تجارب عديدة في فرنسا ادركت فعلا ان كل بلاد وارطالها، وان هواة ومحبي افخاذ الضفادع والتي تباع باثمان مشطة هم كثر، كدت اقول “بلحم اليهود” وانا اشير الى غلاء اطباقها الا اني كنت وسابقى ضد العنصرية حتى مع اليهود …الاكيد ان القرآن قال فيهم انهم اشد الناس بغضا وعداوة للذين آمنوا ولكن ودائما حسب معيارين اولهما اني عاشرت يهودا في فرنسا وكانوا على درجة عاية من الايجابية واقل وحشية من داعش ومشتقاتها وازلامها العلنيين ووالراكشين اما في خلايا نائمة او المتسربلين بـ “يسرون بعكس ما يضمرون” وثانيهما ايماني بأني ابن دم وحواء يجبرني على الاعتراف بالانسان اينما كان ووقتما كان انه اخي …اخي ورغما عنك وعني …
قضيت اذن سنتين بالزاوية تعلمت فيهما وحفظت القران حتى صورة عم يتساءلون …وكذلك ابجدية الحروف العربية وبعض العمليات البسيطة من الجمع والطرح، وهز ايدك من المرق لا تتحرق … وعند بلوغ السادسة من عمري ودائما باصرار لا يجادله احد فيه قرر الوالد رحمه الله ترسيمي بمدرسة “فرانك اراب” بساقية الزيت والتي اصبحت الان تحمل اسم مدرسة شارع الحبيب بورقيبة …كانت مدرسة فرنكوفونية يديرها مدير فرنسي ..وبعض المعلمين ايضا هم فرنسيون …ابي(طلعت في دماغو) _اني سادرس بمدرسة الكفار … انه عهد الاستعمار …لم يكن متفتحا ومتعلما حتى يرسمني بهذه المدرسة الفرنكوفونية بل كان بالكاد يكتب رسالة طمأنة للعائلة متى غاب عنها …ويبدؤها دوما بعد البسملة والحمدلة بجملته الشهيرة ـ ولست ادري هل هو فعلا يدرك معناها ـ (الى من نحبه ونرضاه والقلب شايش الي ملقاه)
هل كان ابي الغائب دوما عن عائلته بسبب عمله خارج المدينة يرسل لوالدتي تلك الجملة الشهيرة ويبثها مشاعره وحنينه واشتياقه للقياها بمثل هذه الجملة التي تتكرر في كل رسالة ؟؟؟؟ اشك بصدق في هذا الامر لان رجال ذلك الزمن يعتبرون التعبير عن مشاعرهم تجاه زوجاتهم ضربا من ضروب الضعف و (تطييح قدر) بل هم ربما اعتادوا باشياء فرددوها بشكل ببغائي دون حتى فهم محتواها ..و”الراجل” فيهم هو من يحمر عينيه منذ ليلة زفافه ولا ينسى ان يمعس رجل زوجته بكل عنف ليبرهن على عنتريته المريضة ….
الوالد اذن رسمني بتلك المدرسة التي مثلت بالنسبة لي نقلة اولى في حياتي كطفل ….ولا زلت لحد الان ازورها واتنسم فيها رائحة زمن رائع بكل المقاييس ….يااااااه كم احس باليتم وانا التفت الى زمن تساقطت فيه عديد ورقات شجرته …وغادرنا العديد ممن عرفناهم فتركونا يتامي …..ياااااااااااااه …
كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.
كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أوبعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.
هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:
أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،
ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.
ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.
ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.
المقنترحات العاجلة:
ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.
واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:
أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.
ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.
ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.
رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.
خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.
خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.
كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.
لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.
فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت علىمسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.
كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها
ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.
إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا
ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…
ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها
المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز
نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.
علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…
ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟
ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…
هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…
خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…
وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…
أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟