تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم … الورقة 34

نشرت

في

Images de Femme Voilee Dessin – Téléchargement gratuit sur Freepik

احيانا يعيش الواحد منّا الزمن خارج الزمن ..فزمن الفرح غير زمن الصدمات والازمات ..ويصبح تعداد الساعات مختلفا تماما ..وتصبح الساعات كاذبة ..فساعة الفرح تتحول الى عشر ثانية، ودقيقة الأزمة تصبح جبلا من القرون الجاثمة على صدورنا ..

عبد الكريم قطاطة
عبد الكريم قطاطة

يوم جاءتني رسالة الاستغاثة من حبيبتي ورغم قصر المسافة بيني وبين مقصدي والتي لا تتجاوز زهاء الكيلومتر الواحد، احسست وانا اهرول بأني اشارك لأول مرة في سباق الماراتون مشيا… كنت اجري كطفل صغير ..لاهثا في قمّة عطشه ..واحسست انّ العشر دقائق تثاقلت لتصبح عشر ساعات …يجب ان اصل ..يجب ان اعلن ثورتي وغضبي عن سرقة واختطاف من احب ..ومن لي غيرها …؟؟؟ عيّادة ..هي ولا احد غيرها …وهل هنالك في الوجود من مثل الام لتحس بفجيعة طفلها ….؟؟؟ وقفت امامها خائر القوى كحطام طائرة … ونظرت عياّدة الى حطام طفلها وعبثا حاولت بنظرتها ان تعرف ما في صندوقي الاسود ..وسألت في ذعر: لاباس ..؟؟ ضربك حدّ؟ تعاركت انت وحدّ؟ اشبيه وجهك اّصفر ملخلخ ..؟

نظرت اليها بكل رجاء الدنيا وقلت لها: ولدك ماشي يموت …ولدك يحبّو يقضيو عليه … وارتعدت فرائصها: اسم الله على ولدي اشكون اش عملتلهم ..؟؟… ودون سابق مقدّمات ذكرت لها اسم حبيبتي … هي تعرف ولهي بها .. تعرف ابنها المتيّم بمن احبّ ..لذلك لم يفاجأها اسم حبيبتي وردّت: اشبيها .؟؟؟… وطفقت اسرد عليها ما حدث وخاصّة استحالة قبولي لهذا الخطب …نظرت إلي يعين حزينة وانهمرت منها الكلمات: عاد اشبيه ..تاخذ للّتها … يخّي ما اتخلق في الدنيا كان هي ..؟؟ _ وانفجرتُ: لا لا ..هي او لا احد … وبكل بساطة وحنّية وجدتها تردّد: ايه اش تحبّنا نعملو؟ هذا مكتوب ربّي … هي ربّي يهنّيها وانت تاخذ للّة النساء …واحنا يشرق علينا نمشيو نعاركوهم ..؟؟.. وانت يشرق عليك تمشي تعمل حاجة والا بوحاجة ؟؟؟ …. نحبّك عاقل وسيد الرجال …

لم يكن ارسالنا المشاعري يومها انا وعيّادة على نفس الموجة ..هي كانت ترسل على موجة طويلة المدى (العقل) وانا كنت ارسل على موجة قصيرة المدى (القلب)… انتفضت كجبّار مارد وقلت بشكل حازم: شوف ما نطوّلوهاش وهي قصيرة، تلبس سفساريك توة وتمشي تخطبهالي … وانتفضت عيّادة بدورها وهي جامدة في مكانها: نخطبهالك ..؟؟ اش عندك؟ زيتون بوك والا ورثة امّك …؟؟ اشنوّة تحبّني ضحكة قدّام ناس ما نعرفهمش ..؟؟ اش نقلّهم كيف يقولولي اش يعمل ولدك واش عندو ..؟؟؟ لم ادعها تكمل خطبتها الموضوعية والمنطقية …كنت اعرف ان ارتباط اي شاب بفتاة في ذلك الزمن يقاس بما يكسب لا بما يكنّه من مشاعر … بل قد يصبح الافصاح عن المشاعر جريمة لن تغتفر في حق من يحب ولكن انّى لي ان اعرف وقتها ….قفزت من امام عيّادة وبلغة التهديد والوعيد صرخت: شوف كلمة وحدة يا تمشي تخطبهالي توّة زادة موش غدوة، والا وجهي ما عادش تراه ..والله لا عاد تراه ..

عندما التفت بعد ذلك الزمن الى صنيعي وددت لو وجدت او اكتريت جلادا ليوثقني امام كل الناس ويهوى على ظهري العاري دون شفقة او رحمة ..تماما كما فعل جماعة قريش ببلال وهو يعلن عصيانه على اسياده…. كيف لا وانا لم ادع المجال لايّ صلح وبوجهي الصارم الا وعيّادة تلتحف بسفساريها ودموع القهر تنسكب من عينيها لتُنفّذ قسرا اوامر جلاّدها ..امّي كانت تعرف طفلها جيّدا ..كانت تعرف انّي عنيد جدا بل انّي العناد ..وكانت تدرك اتّي افعلها ..وانّها ستثكل في عبدالكريم اذا لم تنفذ وللتّو امره الهتلري القاصم لكبريائها وعزّة نفسها ..ولكن كانت تدرك ايضا اتّها يجب ان تفعل اي شيء من اجل وردة عمرها …اوليس المثل المصري يقول: من اجل الورد نسقي العلّيق ؟؟ وسارت عيّادة الى اهل حبيبتي “ساق لقدّام وعشرة التالي ..هايمة على وجه الارض من هنا تكوي ومن هنا تشوي”… هكذا روت لي بعد سنوات كيف عاشت الحدث الجريمة التي ارتكبتها في حقّ جنّة عمري ..في حقّ امّي الرائعة العظيمة وانا كالاهبل اسوقها الى الذل والاذلال ..

لم تكن المسافة التي تفصل بين حوشنا ومنزل حبيبتي تزيد عن الكيلومتر ونصف … ولكن وكما الزمن ..المسافات تطول وتقصر حسب الاحداث لا حسب المقاييس العادية البائدة والكاذبة … وتصوروا فقط زمن انتظاري لعودة عيّادة من الامتحان الرهيب ..نسيت وقتها الباكالوريا والمراجعة والاصدقاء ..وطفقت كامل قرون الانتظار اشعل سجائري “المنته”… كنت تماما كذلك النصف مجنون الذي لا يدري ماذا يريد رغم انّه يدري ..كنت لا ادري ايّ خطب فادح ينتظرني او ايّ بحر من الفرح سيغمرني واغرق فيه واتنفس تحت الماء دون ان اغرق ..يومها عرفت عمليّا ما معنى قطع كل الوقت وانا امشي ذهابا وايابا في انتظار عودة عيادة من مهمّتها كسفيرة فوق العادة لدولة مشاعري .. ولمحتها …انها هي تلك المرأة القصيرة طولا ..العظيمة حتى عنان السماء.. الكاريزما حتى ما فوق السحاب شخصية .. لم اجد ذرّة واحدة من الشجاعة كي اهرول اليها لاستقي اخبار الغزوة ..كانت رجلاي مثبتتين في الارض وكنت على نفسي ادور ادور ..هل احسستم يوما مثلي بما معنى الواحد منّا يدور وهو ثابت كعمود على رجليه ..؟؟؟ هل عشتم مثلي رهبة انفراج الستار لاكتشاف ما قد يكون وراء الستار ..؟؟

ووصلت عيّادة ..وهرعت عيناي مسرعة لقراءة ما في عينيها …وخارت قواي..كنت طوال عمري اعشق فكّ رموز الاعين وما زلت ..ولئن اكّد العلم انّ هنالك شيئا ما داخل الاعين البشرية هي كالبصمات لن تشترك عين واحدة مع عين اخرى فيها ..فاني كنت وما زلت التجئ الى عين محدّثي صديقا كان او طالبا او قريبا ..لابحث في عينيه عمّا لا يستطيع قوله ..وكم كانت الاعين تستجيب لبحثي لتعرّي صاحبها مهما حاول التخفّي ..خارت قواي وانا المح عينيّ عيّادة …وزاد انهياري وانا ارى الدمع فيهما ..رغم انّها لم تكن يوما من اللواتي يبكين بسهولة ..اتذكّر جيّدا انّها كان تردّد دوما: يعطيهم شيّة الدموع ..كيف نستحقهم في همّ ما نلقاهمش… ولكن ايّ هم اكبر من همّها وهي تعود منكسرة كسفيرة فوق العادة في الامم المتحدة وهي تحاضر من اجل سعادة واسعاد ولدها ..احسست وقتها انّها حاضرت على منبر الامم “المتخذة” … لم استطع النظر اليها …كنت الدمار بعينه وسالت وبصوت يكاد لا يُسمع الا باذينة القلب: اش قالولك ..؟؟ وجاوبتني ودمع العين يسبقها: قالولي احنا ما عندناش طفلة تحب … وقول لولدك راك مازلت صغير و يمشي يقرا على روحو خيرلو … هل تصدّقون اني اكتب لكم الان وانا في حاجة غامرة لصدر ابكي عليه …عيّادة الغالية يّقال لها هذا الكلام ..؟؟

ياااااااااااااااااااااااااه ما اخيبك يا عبدالكريم …اهكذا انت بكل هذه البشاعة ورّطت عيّادة ورميت بها في الوحل ..؟؟ مسحت أمي بكُمّ سفساريها دمعها وانتفضت وهي ترى ابنها مهزوما وقالت: اما انا ما سكتّلهمش …قلتلهم ولدي مازال صغير ايه ..اما هو في يوم من الايام يكبر ويكمّل قرايتو ويولّي سيد الرجال… هي قالتها نعم ..وكانت تدافع عن كبريائها الجريح وتدافع عن طفلها المكلوم … وعادت عيّادة الى هدهدة وليّدها: وراس ولدي اللي ما تاخذ للّتها ..وختمت تغريدتها بدعوتها الشهيرة: برّة ولدي راجع على روحك . امتحانك عادك بيه جاء .. يجعلك هلال على روس الجبال ..الشمس لا تحرقك والعدو لا تلحقك …

وقتها لم اكن اسمع كثيرا ولم اكن ارى كثيرا ولم اكن انا كثيرا ..كنت قطعة فراغ … وما افظع ان يكون الواحد منّا “لاهو هوّ ولاهو موش هوّ”… لست ادري كيف تحاملت على نفسي وغادرت الحوش … ولست ادري كم قضّيت من الزمن للوصول الى اصدقاء المراجعة .._ الزمن .. الزمن .. الزمن .. ما اقساه وهو يضحك على ذقوننا بكل شماتة .. ووجدت صديق عمري ينتظرني وبادرني بالسؤال بعد ان انتحينا ركنا منزويا: (اش صار لاباس؟ تي اتكلم يا …) نظرت اليه وبدأت بخاتمة ما حدث قائلا: خوك حلت به مصيبة …وقصصت عليه ما حدث “من طقطق …لسلامو عليكو” … ورغبة من رضا في تمييع الحدث وتخفيض هول ما حدث لي، ردّ على طريقتنا انذاك: (بول عليهم يعطيهم … توة موش وقت حب …الباك تستنى فينا ..ننجحو ونمشيو لتونس ونعيثو فيها فساد وطز فيهم…هو يعرف مدى تعلّقي بفتاتي لذلك لم يجرؤ على مسّها بايّة عبارة نابية ..

لم اردّ على ثرثرته وعدت الى: شك .. ضباب ..حطام .. بعضي يمزّق بعضي يمزّق بعضي…لم يعد يفصلنا على موعد اجراء امتحان الباكالوريا الا بضعة ايّام ..كابدت فيها نفسي حتى اتناسى ما حدث وانشغلت بقراءة الى حدّ الحفظ آخر ما صدر لنزار قباني من شعر _ ديوان هوامش على دفترالنكسة… والذي يحتوي على ثلاثة قصائد كتبها الكبير نزار بعد نكسة جوان ..كنت قبل ذلك الديوان التهم التهاما ومنذ بداية مراهقتي كل ما صدر له مفتونا بما ينثره قلم شاعر المرأة والحب من عناقيد ابداع …الان ديوانه الاخير فتح عيتيّ على لون جديد في اشعاره لم يكن يصيغها من قبل وهو يصرّح بذلك بقوله: مالحة في فمنا القصائد .. مالحة ضفائر النساء والليل والشجار والمقاعد ..يا وطني الحزين… حولتني بلحظة من شاعر يكتب شعر الحب والحنين لشاعر يكتب بالسكين .. لان ما نحسّه اكبر من اوراقنا .. لابدّ ان نخجل من اشعارنا ..نزار في شعر سياسي …

وجاء يوم الامتحان ..كنت كعادتي هادئا متوازنا رغم الخطب الجلل… منتصب القامة ذهبت الى معهد الهادي شاكر في اليوم الاول من الامتحان .وجاء موضوع الفلسفة: الحرية لا تُعطى بل عمل يجب القيام به… شيّخني برشة الموضوع وعطيت كل ما عندي في واحد من اهم مواضيع الفلسفة الحريّة… وجاء موضوع العربية: الشاعر ابن بيئته حلل وناقش … وهذا طرت بيه ..تجولت في مدار الشعر منذ العصر الجاهلي مرورا بالاسلامي والاموي والعباسي والحديث والمعاصر حتى ديوان هوامش على دفتر النكسة ..اخترت من الجاهلي عنترة ..لا تسقني كأس الحياة بذلّة، .بل فاسقني بالعز كأس الحنظل ..وطرفة … اخترت من صدر الاسلام حسان بن ثابت ….ثم مررت الى عمر ابن ربيعة وابي تواس وجميل بثينة ..وليت هندا انجزتنا ما تعد ..وشفت انفسنا مما تجد ..واستبدت مرة واحدة ..انما العاجز من لا يستبد …وصولا الى اكبر واعظم واروع شاعر عربي في العهد العباسي وفي كل العهود ..انا الذي نظر الاعمي الى ادبي .. واسمعت كلماتي من به صمم …المتنبي ومن غيره؟ ..

انتهاء بالشعر الحديث وتحديدا شعراء المهجر… وختامها نزار ابن القباني الدمشقي الذي احترف الهوى .. ان الهوى في طبعه غلاّب . كما جاء في قصيدته يا تونس الخضراء …نزار . شاعر الحب والسياسة …في كلمات، فتّقت مواهبي بكل ما احفظه لهؤلاء خاصّة اني مع سي محسن الحبيّب استاذ العربية كنا محظوظين لاننا في هذا الباب قمنا باحد الفروض . ونلت كعادتي 12 افضل عدد …المواد الاخرى كنت كعادتي… ضعيفا جدا في الرياضيات والفيزياء… فوق المتوسط في العلوم… قريبا من الحسن في التاريخ والجغرافيا نظرا إلى لارقام الكثيرة في هذه الاخيرة… وحسنا في الانكليزية …. لكن بالنسبة لنا تلاميذ شعبة الاداب الكلاسيكية “أ” في تلك الحقبة، المهم تسلّكها في العربية ضارب 4 وفي الفلسفة ضارب 6 …

انتهت اختبارات الباكالوريا ..وعدت الى شلّة الاصدقاء ..ولاعمالنا اليومية ويا لها من اعمال ..كورة وبولاط وسهريات في الاعراس التي نعرفها والتي لا نعرفها حيث لا تنفع معنا العبارة المشهورة انذاك لكل من لا يقبل المتطفلين لحضور فرحه “جو عائلي”… وهي بمثابة الورقة الحمراء التي تعيد كل من هو غير مرغوب فيه الى خارج ملعب العرس ..هذه العبارة لا معنى لها عندنا نحن بورة الكحلاوي والا “نبلبزوها”… واتقاء لشرّنا يُسمح لنا بالدخول خاصة ونحن لم نبلبزها يوما مع ايّ كان … المُهم يعطيونا قدرنا ..

بعد الامتحان بيومين …وصلتني رسالة موجزة منها … نعم من حبيبتي ..تقول: دارنا عطاو الكلمة لدار العروس ..اما ما تخافش انا معاك وليك انت اكهو … وهرولت مسرعا اليها ..ومن تكون غير عيادة ,,؟؟؟ وعانقتها بكل عنف حنون قائلا: قلتلك راهي تحبّني شوف اش بعثتلي..؟؟ وسردت عليها الكلمات الموجزة والتي كانت عندي اكبر من ايّ مجلّد .. ونظرت اليها فاذا بها تردّ ببرود واتّزان: اللي يعطي ربّي مبروك .. اندهشت من هذا الموقف الذي كم هو شبيه بالنهر المتجمد لميخائيل نعيمة -يا نهر هل نبضت مياهك وانقطعت عن الخرير .. ام قد هرمت وخاب عزمك فانثنيت عن المسير ).. لم يكن في اعين عيّادة ايّ معنى للحياة… كانت باهتة الى حد التجمد ..فعلّقت في دهشة: اشبيك ما فرحتليش ..فاجابت وبنفس الهدوء المدمّر: يا وليدي حتى يولد ونسميووه ._….

لم افهم يومها ما عنت .. وهل للمحبّ ان يخضع قلبه لسكانر العقل … مهبول اللي يقول ايه …ولانني اعرف واعشق هبلتكم فها انا اصرّ اصرارا على ان المحبّ مهبول او لا يكون …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

وقت مستقطع… للحبّ!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…

ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟

ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…

هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…

خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…

وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…

أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟

أكمل القراءة

جور نار

الدنيا ليست بخير كما يزعمون…

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

سؤال يقلق راحتي: لماذا يحنّ أغلبنا إلى الماضي…؟؟ لماذا حاضرنا أصبح ثقيلا لا يطاق…؟؟ ولماذا نخاف المستقبل أيضا؟؟ والإجابة في غاية البساطة…

هل نحن اليوم ما كنّا عليه وفيه سابقا؟؟ لا…هل قبلنا ببعضنا البعض رغم اختلافنا؟؟ لا… هل اعترفنا بما أتيناه من أخطاء في حقّ بعضنا البعض؟؟ لا… هل قمنا بمراجعات في ما أخطأنا فيه وطلبنا الاعتذار ممن أخطأنا في حقّهم؟؟ لا…هل أصبحنا اليوم نقبل بأن يكون بعضنا أفضل منّا وأرفع درجة؟؟ لا… هل أصبحنا كما كنّا نسبيا سابقا نسعد لسعادة بعضنا؟؟ لا… هل نحزن لوجع بعضنا أو خصومنا إن نزلت بساحتهم مصيبة؟؟ لا…هل نتضامن مع المظلوم وأن كان خصمنا ونختلف معه؟؟ لا…هل نتمنى السلامة لمن نختلف معهم وننافسهم في شأن من شؤون الحياة؟؟ لا…إذن نحن لسنا نحن … ولا يمكن أن نكون نحن؟؟ فهل الدنيا اليوم بخير كما يزعم بعضهم ويفاخرون؟؟ لا ليست بخير أبدا…

فكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يُظلم ونحن لا نحرّك ساكنا وحتى السنتنا أصابها شلل الجبن والخوف من أن يقع معنا ما وقع معهم…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والعاطل لا يزال عاطلا والفقير لا يزال يئن تحت ثقل معاناة الفقر…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ونحن فرّطنا في ثقافة العمل ولا عاد يهمّنا أي شأن من شؤون البلاد…؟؟وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعض مرضانا لا يجدون في صيدلياتنا الدواء…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وكفاءاتنا تغادر البلاد بالآلاف؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ولا يزال بعضنا يكذب على بعضنا؟؟

وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يهتك عرض بعضنا ظلما وعدوانا؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يكره بعضنا دون سبب فقط لأنه ليس من القطيع؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يتّهم بعضنا فقط لأنه يختلف عنه ؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يضمر لبعضنا شرا فقط لأنه لا يتفق معه في بعض شؤون الوطن؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يختلق الأكاذيب على بعضنا فقط لأنه كان أجدر منه بالمقام والمكانة؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والنفاق أصبح جزءا من الهواءالذي نتنفس؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا لا همّ له غير الانتقام ممن سبقوه ؟؟؟ وكيف يمكن ان تكون الدنيا بخير وأغلبنا ممن لم يحترفوا التصفيق والهتاف يعيشون القلق والخوف والاحباط والياس؟؟

فهل أصبح شعبنا غير قادر على النسيان…غير قادر على المصالحة…غير قادر على تغليب خطاب التسامح…غير قادر على العيش مختلفا…وغير قادر على الحب…هل أصبح التسامح والحبّ للجبناء …وأصبح الحقد والانتقام للشجعان؟؟؟

هل يعلم بعض هذا الشعب أن الدنيا ليست بخير كما يزعمون…فإن كانوا يعلمون ويتظاهرون بأنهم لا يعلمون فهذه كارثة…وإن كانوا يعلمون ولا يهمّهم ما يعلمون فتلك مصيبة المصائب…

أكمل القراءة

جور نار

ملاّ ليلة كلبة!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

عشت البارحة خصومة طويلة مع النوم، ولم أنجح في مراودته للبقاء معي حتى سويعات الفجر الأولى… خرجت أمام المنزل بحثا عن نسمات صيفية تُصالح بيني وبين النوم فلم أجدها…

سمعت حشرجة قرب السور الخارجي للمنزل لم أعهدها سابقا، فاقتربت من مصدرها لأعرف مَن هناك، وكأني بقطة وكلب يتهامسان ويتحاوران في مشهد لم أعشه سابقا أبدا، فبين القطط والكلاب معارك دامية عشتها في منزلي السابق وكنت شاهدا على العديد من الأحداث بينها ونجحت في الكثير من الأحيان في رأب الصدع بين الفصيلين، وأجبرتهما على الهدنة والمصالحة الشاملة وتقاسم الموارد من سكن وغذاء، لكن أن يصل الأمر أن أجدهما في جلسة ودية أو ما شابه خلف السور الخارجي للمنزل فهذا أمر أول مرّة أعيشه، يذكرني هذا المشهد بالتوافق الذي عاشته تونس أيام الباجي رحمه الله والنهضة وقياداتها…

جلست غير بعيد عنهما لأستمع إلى ما يدور بينهما من حديث… فالقطّة الرقطاء هي قطة الكوني ابن عمتي أما الكلب فهو من الكلاب الضالة والسائبة  ولم أعرف أن بين قطة الكوني وهذا الكلب علاقة وديّة كالتي أعيش بعض أحداثها “هل أذنبنا في حقّهم يا صديقتي …لم كل هذا الحقد علينا…؟؟؟” هكذا قال الكلب مخاطبا القطّة…”هذا ويحاولون ايهامنا بأنهم سيعاملوننا حسب تعاليم الإسلام وما تركته السنّة…أي دين هذا الذي يأمرهم بمنع الغذاء عنّا؟ أيريدون قتلنا وابادتنا؟؟ هل تآمرنا عليهم؟؟ هل أضربنا عن القيام بواجباتنا؟؟ هل زاحمناهم في المناصب والمكاسب والوظائف العليا؟؟ هل أفسدنا في الأرض؟؟ نحن لم نسرق ولم ننهب ولم نظلم أحدا في حياتنا من البشر فلم كل هذا الحقد علينا؟؟؟” هكذا أجابت قطّة الكوني…

نظر إليها الكلب وقال “أتذكرين مواقفنا قبل 14 جانفي؟ ألم نبق على الحياد وحاولنا مساعدة الجميع على التعامل بهدوء مع ما وقع من أحداث؟ ألم نحرس ديارهم لأشهر طويلة حين كان الانفلات عنوان المرحلة؟؟ ألم تنقذ الكلاب الآلاف من المنازل من السرقة ؟؟ لماذا يعاملوننا هكذا ونحن الذين مات منّا الآلاف ولم نخرج حتى لنندّد بالأمر كما هم فعلوا ويفعلون، ألم يسجلوا بعض قتلاهم ضمن قائمة الشهداء وكأنّ الله لا يعلم شيئا عن الشهداء الحقّ وشهداء الفضاءات التجارية الكبرى؟؟ أمَسَكوا قطا او كلبا وهو يقنص من أعلى عمارات السكن؟؟؟”

ضحكت القطّة وقالت “نحن مختلفون عنهم يا صديقي… هم يحقدون على بعضهم البعض… هم يبحثون عن السلطة… جميعهم يريدون حكم البلاد فتراهم كأحزاب يخطبون ودّ الشعب بوعود وبرامج سياسية لا يحققون منها شيئا… ويوهمون الشعب بنجاحات وانجازات لم يحققوها… أنحن مثلهم؟؟ لا… نحن لم نبحث يوما عن سلطة أو جاه أو حكم… نحن لا أحد منا يخون الآخر… ولا أحد منّا يحقد على الآخر… ولا أحد منّا يعتدي على أملاك الآخر… هل سمعت يوما في صحفهم عن اتهام قطّ أو كلب بالفساد وتبييض الأموال ؟؟؟ لا أبدا ولن تسمع بالأمر أبدا…وهل سمعت يوما في نشرة أخبارهم التلفزية عن اغتصاب كلب لقطّة؟؟ لا لن تقرأ ذلك في صحفهم… فأخلاقنا ليست كأخلاق بعضهم… وعاداتنا ليست كعادات بعضهم… هم يشربون الخمر ويعودون إلى ديارهم يتمايلون ونحن لا نتمايل إلا حين يسممون أكلنا ظلما وعدوانا للتخلّص منّا”

نظر إليها الكلب ونبح صارخا في وجه كلب آخر اقترب منهما (كأنه يقول له روح لداركم ما الذي أتى بك هنا ؟؟؟) ونهره وأبعده عنهما ثم قال ملتفتا إلى القطّة الرقطاء: “أولا نحن لم يقبلوا بنا بينهم فكيف تريد منّا أن نطمح لسلطة أو حكم أو حتى للمشاركة في انتخابات ديمقراطية نزيهة وشفافة…” هنا قاطعته قطّة الكوني ابن عمّتي وقالت “نزيهة؟… أتقصد نزيهة صاحبة منزلنا سابقا محلاااااها تعطيني في السردينة كل يوم؟؟” نظر إليها الكلب غاضبا وقال ” أنت كصاحبك الكوني ساذجة وغبية… نزيهة من النزاهة أقصد وماذا تعرفين انت عن النزاهة؟؟” وأضاف قائلا “أتركيني أكمل كلامي ثم قولي ما تريدين يا حمقاء!!!… نحن لم نطلب يوما أن نكون ضمن الناخبين ولا ضمن المترشحين… أنا مثلا يا عزيزتي (هنا همست القطة قائلة: عزيزتي  منذ متى أنا عزيزتك يا كلب يا زوفري؟!…) لم أرغب يوما في شيء منهم غير مساعدتنا على تأمين الغذاء والسكن وهي اتفاقية قديمة بيننا منذ آلاف السنين…فأنا لست مثل بعضهم أبدا ولن أكون… أنا كلب طيب ومواطن صالح وشريف لم أسرق أو أنهب ولم أعضّ أو أظلم أحدا في حياتي… وأنا كلب ملتزم ومنضبط في شغلي وأعرف ربنا… فلمَ يخرج علينا أئمّتهم يهددوننا بالويل والثبور ويفتون بمنعنا من الأكل والماء؟ أهذا من الحقّ بشيء يا قطّتي العزيزة؟…”

هنا نظرت إليه القطّة وهي في حالة هستيرية وقالت صارخة: “أولا لست قطّتك و(يكب سعدك)… ثانيا أنت تكذب، أنت أكبر عضّاض في الحيّ… لكن أنا متعلمة ومثقّفة وأعشق بلادي وأحب أهلها ولا ولن أخون وطني اأدا ولن أكون من الوشاة لأخبر عنك وعن أفعالك يا (بوناب) وتقصد ان للكلب نابا طويلا خارجا عن الصفّ…” ثم ضحكت ونظرت في اتجاهي وقالت “كيف حالك عمّي…؟؟؟” نظرت إليها ضاحكا وقلت “عمّك … منين يا كبدي ؟؟؟” ضحكت ونظرت إلي وقالت “أتعرف يا ابن خال الكوني أني أنا القطّة الرقطاء ورغم أنى لست مشهورة أو شخصية عامة لكني والحمد لله وطنية وواعِية بكل ما يدور حولي. ولم أكن سلبية أو عميلة أو خائنة أبدا في حياتي… شاركت في العديد من المظاهرات في عهد المغفور له بن علي وحتى في عهد الترويكا وتوافق الباجي مع الغنوشي… وتظاهرت ضد التعذيب والتزوير والفساد والتوريث والتمديد… لكن ذلك الكلب الضال لم يفعل ذلك أبدا… كان دائم البحث عن الأكل والنباح والصعلكة بين الأزقة ومراودة كلبة عمّ الصادق الحوانتي وكلبة جارنا الذي يعمل بأوروبا، تصوّر أن له من كلبة سائح إيطالي سبعة جراء تركها دون تأمين الغذاء في الخلاء فماتت من الجوع والبرد…أتعلم أيضا انه أكل من كل الصحون منذ عهد الأمين باي أصدقني القول وقد قلت ذلك للكوني ابن عمتك”

نظرت إليها وضحكت وقلت “لم أتحدث عنك مع الكوني أبدا”… اقترب الكلب منّي وقال “لا تصدقها يا صديقي أتعلم أني بعد نجاح الثورة اجتمعت أنا وبقية كلاب المدينة بعد أن عرفنا أن الأمور قد تتغيّر وأن الأمل قائم في دولة ديمقراطية يكون فيها للكلاب والقطط موطأ قدم، وقررنا أن نساعدكم أنتم البشر في دمقرطة البلاد والخروج بها مما كانت عليه… وقررنا أن نكون لكم عبرة وأسوة من خلال تنظيم حياتنا السياسية والاجتماعية ومشاركتكم صنع مجد هذه البلاد… وشخصيا استشرت اهلي وناسي وأصحابي من الكلاب طبعا، فنصحوني بترشيح نفسي في انتخابات مجلس حي للكلاب يكون نواة لحياة سياسية منظمة للكلاب والقطط بجميع أصنافها وطوائفها وعائلاتهم نجمع فيه شمل بعضنا البعض… ويكون لنا ممثلنا الرسمي لدى البشر لنطالب بحقوقنا كمخلوقات ذات كبد رطبة وأمم مثلكم، فأنا أحب الجميع قططا وكلابا وبشرا وحتى ثعابين لم لا؟ وأنا على يقين انهم أيضا يحبونني فأنا واحد منهم ومولود هنا بينهم، مشاكلهم هي مشاكلي وهمومهم هي همومي… أما عن مشاكل هذا الوطن فهي أيضا مشاكلي فأنا كلب ابن كلب وهنا ولدت وهنا أعيش وهنا أبقى لأموت، ولعلمك سيدي أنا أتابع اوضاع البلاد منذ أطردني جدي الكلب الأكبر ولي برامجي وأفكاري واضحة، وقادر على إيجاد الحلول الممكنة والواقعية لأغلب مشاكلنا جميعا…”

همست لي قطّة الكوني وقالت: “لا تصدقه صديقي فقد طالبناهم منذ أكثر من عشر سنوات نحن معشر القطط بأن ننظّم مؤتمرا وطنيا للمصالحة الشاملة خدمة للمصالح العليا للبلاد، فرفض وحاول فرض إرادته من خلال ميليشيات فايسبوكية تشتم وتهتك أعراضنا وأعراض عائلاتنا ونحن الليلة هنا لنتفق في أولويات المرحلة… فالمرحلة التي نعيشها وتهديدات المنع من الغذاء والإبادة التي تتهددنا والحملة التي تشنها بعض وسائل التواصل أرهقتنا وأجبرت العديد منّا للهروب إلى بعض المناطق المجاورة التي يطيب فيها العيش وتكثر فيها الفضلات المنزلية…

نظرت إلى القطة والكلب وقلت لهما: “من الأفضل أن تتصالحا فالتعايش هو الأمر الوحيد الذي سيخرجكما مما آلت إليه الأمور وقد تتعقّد أكثر لو اتفق عليكما الجميع ومنعوكم من الغذاء والماء وقد يمنعونكم إن واصلتم تعنتكم من الهبهبة للكلاب والمواء للقطط …” نظر إلي الكلب وقال بصوت عال” صاحبك كلب ابن كلب…سألتزم بما تريدون…” ونظرت إليّ القطة وأقصد قطّة الكوني ابن عمتي وقالت وهي تبكي “حسبي الله…حسبي الله…”….

شعرت باصطدام على جمجمتي كأنه مطرقة وسمعت صوت زوجتي وهي تقول : “تي قوم اشبيك راقد قدام الحوش… يخي ما تخافش مالهوش وشبيك تهبهب من بكري؟؟؟” وعرفت أني لم أكن كسليمان لأتحدث مع كلب وقطة ولم أجتمع أصلا بها … ولم أذكر مما دار بيني وبينهما إلا “كلب ابن كلب…وهب هب”…

ملا ليلة كلبة…

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار