منذ اليوم الاول وانا اتخطّى حاجز الرهبة والخوف من عاصمة النور باريس …انهمكت في تجربة فريدة من نوعها طيلة حياتي …دعوني الخّصها لكم في جملة (تجربة كل شيء)..
صدقا لم تكن نواياي مخبريّة بقدر ما هي محاولة منّي لمزيد المعرفة …الحياة في باريس تمنحك كل الفرص للمعرفة ..الحياة في باريس بدأت معي وانا اخطو اوّل خطوة في دراستي بالمعهد الوطني للعلوم السمعيّة البصريّة بضاحية باريس الشرقية وتحديدا بمنطقة “بري سير مارن”… توجهت صباحا على الساعة السابعة الى المعهد … فوجئت اوّلا بطريقة الاستقبال وانا اضع قدمي بمكتب الاستقبال الخاص بالطلبة الجدد ..الموظّفة هناك لا تنتظر منك التحية .بل هي من تبادرك بالتحية ..الموظّفة هناك لا تكشّر عن وجهها كما يفعل جلّ الموظّفين ببلدنا ..بل تُهديك ابتسامة صادقة فهي التي تنتمي الى امّة (حللت اهلا ونزلت سهلا) ..الموظّفة هناك تاتيك بكل ما في قلبها وفكرها من ايمان بوظيفتها الاستقبالية لتؤدّيها على احسن وجه فاستقبال هذا الطالب الافريقي في مكتبها المُعد للاستقبال يعني حرارة وورودا وعطر ا..
تبادرك بعد مرحبا بك بالقول كيف يمكن لي ان اخدمك ..؟؟. لان العمل عندها قيمة حضارية …تصوروا هذا المشهد في اداراتنا .. الموظف عندنا (احمد ربي كان ما تلّفكش) وواصل حديثه عن مباراة الترجي والنجم وعن الحكم وعن اجتياح الجمهور للملعب وعن النفاق الكبير بين مسيّري الفريقين .. (وهوما زعمة زعمة روح رياضية عالية وبعد يجي الاحد الرياضي يكشفهم على حقيقتهم… توة لهاالدرجة مازالوا يتصورو المشاهد ابله …؟؟ والله دنتو اللي مسخرة …وعن ذلك الذي بقي على قلوبنا ثقيلا جدا يشتكي من ثقله الزئبق رغم انه يُدعى وديع) …
الموظّف عندنا لا يهمه ان كان الحريف امراة حاملا او كهلا بالكاد يقف على رجل ونصف .. المهم ان يكون الحاكم بأمر الله يعزف كيف ما يشاء.. وقت ما يشاء .. وعلى اي مقام موسيقي يشاء .. قد يكون هو ايضا مُضطهدا من احد اعرافه ..قد تكون وزارة الداخلية في حياته الخاصة (زوجته) قد مسحت به القاعة صباحا، فقدم لعمله وهو مقهور مغبونا ناقم … وقد تكون الموظّفة عندنا زوجة سي السيّد الذي ياتي كعادته مخمورا فـ”يتمرقد” كقطعة حبل دون حتّى ان يفهم يوما انه تزوّج من كائن بشري في حاجة لزوج ككائن بشري … هو في حاجة حتّى للمسة واحدة فيها حنّية الكائن البشري والتي كانت تكون كافية لمسح غبار وعناء يوم كامل في حياة زوجته ..هذا المخمور لم يدرك يوما ان زوجته كائن بشري بل هو يرى الجمال في كل نساء الدنيا الا في زوجته ..والتي تصبح مع مرور السنوات قطعة من اثاث المنزل لا غير ثم يسأل البعض: “قداش كثر فساد في عندي ما نقلّك”… توة هاكي برامج ..؟؟ ما يحشموش… ويزيدك عاد هاكي الموضة الجديدة (تقليعة اعلام العار)…
قد يكون الطرح بذلك الاسلوب للمراجعة وهو فعلا للمراجعة ..ولكن اسال من اين تأتي تلك البرامج بتلك القصص ..؟؟ من مدغشقر او الصومال او جزر الواق واق ..؟؟ اليست من تونس ..تونسنا احنا موش تونستان ..؟؟ اليس الاجدر بنا ان نتساءل لماذا وصلنا الى تلك الدرجة المتدنية في العلاقات الاُسريّة ؟؟؟ عوض ان نسبّ التلفزيون واهل التلفزيون واعلام العار ..؟؟ هل وقفنا يوما امام المرآة لنحاسب انفسنا .. لنتحاور بكل صدق وعمق مع ذواتنا .؟؟؟… وتاكّدوا اننا سنجد فينا نسخا من عندي ما نقلك ومن المسامح كريم ومن حكايات تونسية .. قد تكون فيها الفظاعة نسبيا مختلفة ولكن الفظاعة عادة ما تبدأ الحكاية فيها بتفصيل صغير، ثم يتطور حسب معطياتنا التربوية والاجتماعية والنفسية .. فيصل بالبعض الى فظاعة الجرائم ويقف عند الاخر حد الفظاعة المرعبة ايضا والتي هي كفيلة بتدمير الذات وتخريبها… وهي تلك التي نعبّر عنها بالياس او الرضاء بالاقدار في اسلم الحالات وهاكة مغرفتك اش هزت ..يلعن بو ها المغرفة الكلبة …وما ابشع تلك الحالات …
استقبال الموظفة في اول يوم بالمعهد جعلني احس بجهلي ..فرنسا التي استعمرتنا زهاء القرن تستقبلنا بتلك الحفاوة الحقيقية ؟؟؟ نحن دائما نخلط بين البلد واهل البلد و…ساسة البلد … بدات وقتها أعيش اول خطوة اُدركت فيها جهلي ومراهقتي .. لم تكن ماري موظفة الاستقبال استثناء بل ان اول لقاء مع مدير الدراسة ثبّت في داخلي قناعتي بجهلي …السيد جاك دوران وهو مخرج فرنسي مشهور يستقبلنا استقبال الرجال… استقبالا لا حواجز فيه بل الاعمق والاجمل عندما بدأ يسرد علينا تفاصيل الرحلة الدراسية معه ومع زملائه وهو يقول: “انا سعيد بوجودي معكم كافارقة ..قد نعطيكم شيئا من معرفتنا ولكن تاكدوا اننا نحن من سنستفيد اكثر من وجودكم معنا .سنتعلم منكم الكثير لانكم انتم الجذور في تاريخكم وحضارتكم ونحن الاغصان” …
نعم هذا فرنسي ..كنا نقول عنه الاستعماري العنصري المتسلط… لاننا لم نكن نفرّق بين الكائن البشري كانسان وبين قذارة السياسيين … هل تصدّقوني عندما اقول لكم وقتها بدات اتعلم ان الكراهية هي افتك الامراض البشرية على الاطلاق ..؟؟ هل تصدّقون ان تجربتي مع كل الاساتذة الفرنسيين ومع كل من عرفت ومن كل الاجناس والاصقاع علمتني انه ليس من حقّي ان اكره اي جنس اخر … اية ديانة اخرى … اي مخلوق اخر … ووقتها بدا ينمو ويتطّور بداخلي مفهوم كونيّة الانسان ..وها انا بعد قرابة النصف قرن اقولها عاليا وبكل اقتناع وسعادة وفخر: انا لا اكره حتى الشيطان الذي له رب يحاسبه ..فكيف اكره الانسان الذي هو كونيّا اخ لي رغم انفي وانف الجميع .السنا جميعا ابناء آدم وحواء ؟؟؟ ردّوها عليّ ان استطعتم … هي ليست مواقف بلاتونية رومانسية.. حالمة ..صدّقوني وبكل المقدّسات انها الواقع لو تخلّينا ولو للحظة فارقة عن اختلافاتنا العقائدية والفكرية والفلسفية المريضة ..ولعلّ قصّة قابيل وهابيل اتت لتعلمنا الدرس (الخير والشر) منذ بدء الكون ولكننا لم نتعلم …
الدراسة بدأت بنسق عال …7 ساعات يوميا على امتداد 5 ايام اسبوعيا ..وثراء كبير على مستوى البرنامج .. كنا ندرس مواد تبدو ظاهريا لا علاقة لها باختصاصنا من نوع جولة في عالم الاقتصاد والقانون وعلم الاجتماع . _.ولم ندرك الا بعد مدة ان ميداننا يحتاج حتما الى قدر ولو كان يسيرا من الاخذ من كل شيء بطرف ..وكان مسموحا لنا وبكل سلاسة ان نناقش الادارة والاساتذة في جدوى وفاعلية حتى محتوى البرنامج الدراسي ..رغم انه مُعد بشكل عميق من اخصائيين كبار في كل المجالات بعد بحوث ودراسات طويلة ومُعمّقة … انها حرية التعبير وابداء الراي …في بلداننا .. اشرب والا طيّر ڨرنك … واشكونك انتي باش تناقش برنامج دراسي ؟؟؟ هذا منطق الجهة الفاعلة .اما جهة المفعول بها فهو اما بهيم خدمة (وعذرا للبهائم على حشرها في هذه الخانة) لم يبحث يوما عن جدوى او عدم جدوى مادة ما …او وخاصة بعد 14 جانفي هو مرادف لطفل مراهق وللتعبير عن عدم رضاه يكسّر ويحرق ..ويسبّ …
حدث ذلك مرة معي في معهد الملتيميديا سنة 2012 … مجموعة من طلبة السنة الخامسة رفضوا قطعيا الاذعان لقرار الادارة بتكليف زميلة لي بتدريسهم نفس المادة التي ادرّسها (تقنيات السنيرة والاخراج السمعي البصري)… وكالعادة اعتصموا امام الادارة رافضين العودة الى الدروس مطالبين بوجودي .. هاتفتني الادارة راجية ان احضر على عجل ..ولبّيت النداء ..العديد منهم درّستهم منذ السنة الاولى مادّتي التصوير والمونتاج …قلت لهم عند وصولي: من سيتكلم باسمكم؟ ..تقدّم واحد من طلبتي وعبّر عن رفضه وزملائه المطلق لتلك الاستاذة لانهم ادركوا بعد تجربة قصيرة معها انها ذات كفاءة محدودة جدا ..طلبت من الادارة التي كانت تحترمني جدا وتُصغي جيّدا لمواقفي “سي .في” هذه المدرّسة ثم طلبت مقابلتها ..هي فعلا كانت مبتدئة في الميدان لكن غير المنطقي في الامر ان دراستها الجامعية كانت بعيدة عن الاختصاص التي عينتها فيه الوزارة ..وهي معترفة بان لا علاقة لها بتاتا بتلك المادة ..كانت نزيهة جدا وامينة بواقعها ..عندها قلت لها ساتدبّر الامر مع ادارة المعهد ..
تحاورت مع الادارة وقبلت ان اُنهي الاشكال بان اتكفّل بتدريسهم ولو مجانا ..عدت الى الطلبة وقلت لهم هل انتم مستعدون لقبول الحلّ الذي اراه مناسبا للجميع وبصوت واحد جاء الرد نعم … اقترحت عليهم: اوّلا الذهاب حالا للاعتذار للاستاذة ثم العودة اللامشروطة للدروس… امّا عن البقية فانا من سيتكفّل بها … ودون قيد او شرط اعتذروا وانهوا الاعتصام ….ويوم بداية اول حصّة معهم فوجئوا بحضوري وبكل سعادة معهم .. رحبت بهم وقلت: “ما تفرحوش برشة راكم بدلتو سيف بمنجل”… لأن المعروف عنّي اني جدّي لحدّ الصرامة في التدريس وفي حرصي على جدّية طلبتي وعلى انضباطهم معي كجنرال عسكري في تعاملي معهم …لكن في المقابل انا وكيل دفاعهم وبكل صرامة أيضا اذا ما حاول البعض المسّ بحقوقهم …
وفي هذه النقطة بالذات اتذكّر جيّدا حادثة وقعت ذات سنة 2013 مع طلبة البوزار (فنون جميلة).. فصل في السنة الثانية لم يبدا الدروس منذ الشهر الاول للسنة الجامعية ..وعندما كُلفت بتدريسه اعلمت الادارة ان البرنامج المخصّص لذلك الفصل يتطلب تاخير الامتحان النهائي نصف شهر على الاقل، حتى يكون الطالب جاهزا… وافقت الادارة على ذلك واعلمت الطلبة حتى يطمئنوا على اكمال برنامجهم الدراسي ..عند نهاية السنة انزلت الادارة روزنامة الامتحانات ناسية ما اتفقنا حوله وجاء الطلبة مزمجرين غاضبين معتصمين … دخلت باحة المعهد فاقبلوا وبكل تشنج يعبّرون عن استغرابهم من الامر ..نظرت إليهم وقلت: “زايد، تقعدو طول عمركم فروخ” ..”كيفاش يا مسيو” صاح بعضهم فصرخت في وجهه وقلت: “سكّر جلغتك ..وليّد انا نلعب معاكم؟ ..وعدتكم باتمام البرنامج ولن يكون الامتحان قبل اتمامه” …وكعادتي امرت جميعهم بـ (انقرضوا !)… تفرّق الجمع بكثير من الفخر ..احسّوا باني نصرتهم على قرار الادارة الجائر ..وتوجهتُ الى الادارة مًمثلة في مديرها الصديق الشاعر والمفكر والمثقف نزار شقرون ومعه كاتبها العام … وذكّرتهما بالاتفاق المبرم معهما ..وجدا نفسيهما في موقع حرج واقترحا عليّ اقتراحات لم تكن مقنعة … وكنت حازما الى حد رفض مدهما بالامتحان …وقبلا الامر نظرا إلى عنادي و (كسوحية راسي)… ولكن ايضا إلى وجه الحق في موقفي … واتممت لطلبتي البرنامج ثم كان الامتحان بعده ..
انا لست هنا لاستعرض عضلاتي وفتوّتي ..ابدا والله بل لاقول انه لولا دراستي بفرنسا واستفادتي من تعاملي مع ادارة المعهد ومع اساتذتي ما كنت لاكون كما انا ..دراستي علمتني ان اسال عن كل شيء واناقش كل شيء وابدي رايي في كل شيء واعتذر ان اخطات… تماما كما كان يعتذر استاذي ..دراستي علمتني ان الطالب الناجح او الاستاذ الناجح هو الذي وهبه الله نعمة القدرة على الاستماع الجيد وعلى الردود المقنعة لا السفسطائية… وعلى تجاوز الذات عند الخطأ والانحناء لمن يحسسني بعيوبي… ولكن ابدا ان اتراجع عن قناعاتي او قراراتي اذا كنت مؤمنا بجدواها وبعدم وجود من يؤكد نقصا ما فيها …متعة ان تجد استاذا ما (او استاذة) يدعوك لقهوة او لعشاء بمنزله ليعرفك اكثر او لتستمتع معه بحوار ما في موقف ما ..هذا حدث معي في دراستي بالمعهد ..وحتى ان تأتيك استاذتك لتعبّر لك عن رغبتها في معرفتك اكثر كتونسي او كافريقي وتتقاسم معها عشاء بمنزلها… وقد يطول العشاء ليصبح فطور صباح وما بينهما اشياء …فهذا حدث ايضا ..
ولعلّ الامر المدهش والذي رافقني منذ صغري وحتى وصولي الى دراستي العليا بفرنسا، اكتفائي الذي يكاد يكون كلّيا بما اتلقاه في القسم من معارف … مانيش بهيم قراية بالكل… بقية وقتي كان مقسما على ثلاثة اهتمامات: تنس الطاولة الذي تعلمته بالمعهد عن نيجيري جنّ ارقط في تلك اللعبة، والذي كنت اسمّيه المعلّم الكبير ووعدته يوما بان افتك منه هذا اللقب (وافتككته يوما في دور نهائي بالمعهد ومعه هو بالذات!)… ثاني اهتماماتي كان النزول الى باريس كل يوم بعد اتمام الدروس لمشاهدة فيلم سينمائي وكم هي الروائع التي شاهدتها …”سنوات الجمر” للأخضر حامينة (وهو الفيلم العربي الوحيد المتحصل على السعفة الذهبية لمهرجان كان) ….”طيران فوق عش الوقواق” (وعبقرية جاك نيكولسون في اداء دوره الرهيب) ..”بادرو بادروني” الفيلم الايطالي لمخرجين شقيقين وهو ايضا متحصل على نفس الجائزة الذهبية في دورة لاحقة …”خبز وشوكولاتة” … والقائمة طويلة… طبعا دون نسيان فترة وجيزة اكتشفت فيها لاول مرة الافلام البورنوغرافية …صدقا لم تطل لان الحاجة لها اصبحت منعدمة تماما باعتبار (الشيء موجود في الواقع)…ووقتها ادركت ان لا سينما عندنا في تونس مقارنة بما استمتع به يوميا في باريس …
الفاصل الثالث من يومي والذي كان بحق العابا اولمبية بكل المواصفات ..وهي في الحقيقة لم تكن العابا بقدر ما كانت نقاط ضوء هامة في تركيبتي الفكرية وفي علاقتي بالمرأة… تجربتي في باريس اكدت لي كم كنت منحطا متخلفا جهلوتا في رؤيتي للمراة ..تجربتي علمتني احترام هذا الكائن البشري فكريا وجسديا لاني قبلها كنت لا اختلف في شيء عن الحيوان فكريا وجسديا…
شكرا باريس عاصمة النور … نورتني والله …يااااااااااااه كم هي حكايااك كثيرة وجميلة ومثيرة يا باريس النور والحرية والثقافة … يا ربيييييييييييييييييييي كم انا مدين لها .. وكممممممممممممممممممم ما كنت انا لاكون لولاها …
كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.
كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أوبعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.
هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:
أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،
ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.
ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.
ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.
المقنترحات العاجلة:
ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.
واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:
أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.
ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.
ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.
رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.
خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.
خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.
كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.
لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.
فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت علىمسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.
كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها
ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.
إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا
ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…
ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها
المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز
نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.
علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…
ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟
ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…
هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…
خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…
وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…
أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟