تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم … الورقة 58

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

وحان وقت العودة ….كان ذلك في شهر افريل 1979 … انتهت حقبة من اهمّ حقب حياتي …اتممت دراستي بالمعهد الوطني للعلوم السمعية البصرية بباريس، متحصّلا على ديبلوم درجة ثالثة في الميدان اختصاص اخراج …

عبد الكريم قطاطة

كنت صدقا مزهوا فخورا سعيدا سعادة طفل يُقدّم دفتر امتحانه لوالديه وهو متحصّل على المرتبة الاولى في دفعته مع شهادة امتياز …كنت جذلان خاصّة والجميع، اساتذة وزملاء تونسيين في اختصاص تقني بحت (مهندسين) يطوّقونني بتهانيهم الصادقة …كيف لا وابن بلدهم يسجّل افضل النتائج من حيث المجموع ويرفع رؤوسهم عاليا ..وللامانة ايضا كان الزملاء الافارقة في دفعتي مقتنعين جدا بنجاحي على راس الدفعة ..ربّما لانّهم اكتشفوا فيّ ميزتين اولاهما انّني كنت اتجاوزهم خبرة وكفاءة وثانيهما انني كنت صديقا حميما لهم حقا لا مجاملة …بل كان البعض منهم اقرب اليّ من بعض التونسيين …

فيليب ندوغوي ذاك السينغالي الاصل كنت بالنسبة له الملجأ ..كان قويّ البنية شهم الاخلاق وعذب الابتسامة الدائمة …وللجميع ومع الجميع …ولكنّه كان كثيرا ما يأتيني الى بيتي في مبيت فيلييه وهو منهار تماما …كان يبكي كالاطفال بل ويصبح طفلا بين احضاني ..هو متزوج واب ولكنّ اقداره ابت الا ان تضعه في فرن الهيام ….وللهيام افران نقرأ عنها ونشتهيها ولكن عندما نقع فيها نعيش الثلج والنار فلا الثلج يطفئ النار ولا النار تذيب الثلج … فيليب تعرّف في المعهد على طالبة جزائرية ووقع كلاهما في شباك الآخر … ولا اتصوّر انّكم لا تعرفون ما معنى الوقوع في الشباك … الانسان في مثل هذه الحالات هو تماما كذلك العصفور الذي يثب على تلك القمحة المعلّقة في صنّارة الفخّ … دون وعي دون قراءة حساب لـ(اش بعدو) … ثمّ يجد نفسه حصل في المنداف…

ودعوني اسأل: هل هناك معنى للهيام اذا تعاملنا معه بمنطق زعمة نوخّر والا نقدّم ؟؟؟ زعمة نوحل ..؟؟ زعمة اشنيّة العاقبة …؟؟ الستم معي في انّ مثل هذه الحالات اذا وضعناها في خانة المنطق الحسابي او لنقل العقلاني تصبح خالية من المنطق الهيامي ..هل تساءل يوما مجنون ليلى عن اش بعدو ..؟؟ هل تساءل روميو عن غده مع جولييت ..؟؟؟ هل تساءل شمشون عن هيامه بدليلة الذي اوصله لهدم ما حوله من بنيان وهو يقول (عليّ وعلى اعدائي )؟؟؟ الهيام هو منطق لا منطق فيه …وهكذا كان فيليب مع زميلته الجزائرية …حبّ جنوني غامر من جهة وابواب موصدة تماما أمام مصير ذلك الحب ….يوم حصولي على الديبلوم قال لي فيليب: وانا لمن ستتركني …؟؟؟ وذاك كان درسا عميقا من الدروس التي تعلمتها في حياتي وصاحبتني في جلّ علاقاتي مع الاخر …اذ انّي حاولت جاهدا الا اخذل جلّ من عرفت حتى لا اتركهم …

في النصف الاخير قبل عودتي النهائية لتونس زارني احد الاصدقاء من مدينتي … هو اتى خصيصا لقضاء شؤون كثيرة من باريس ومن ميلانو بايطاليا… عرض عليّ مصاحبته لميلانو وقبلت ذلك عن طواعية لانّه من الاصدقاء المقرّبين لي … كانت زيارته اثناء المعرض الدولي لميلانو

(وهاكي المعارض والا بلاش _ فقط اكتفي بالقول انّه يعرض كلّ شيء بما في ذلك الطائرات ..ليست تلك التي كنّا نركبها ونحن اطفال في معرض صفاقس لصاحبها صالح الجربي رحمه الله… ولاصلاح اسناد الضمائر اعتذر واقول كان الاخرون يركبونها لأني كنت “طلطول” ولم اتجرّأ يوما على ركوبها خوفا وجبنا … في المقابل كنت اكتفي بل واستمتع بركوب تلك السيارات الصغيرة التي تشتغل بالكهرباء والتي كنت وامثالي نجد متعة فيها… فقط لأن الفرصة مواتية باش نتسلّطو على البنات اللواتي تركبن البعض منها فنصطدم بهنّ عنوة وزيد بكلّ قلّة حياء نقوللهم خاطيني، ثمة شكون دزّ كرهبتي يخخي اتضربت في كرهبتك … رغم انو الاصحّ ولو كان الدنيا دنيا كنت نحب نقوللها اتضربت فيك ….شفتو ما اشطنّي مللّي انا صغير ..؟؟ اش نعمل ..هاكة حدّ الجهيّد) …

في معرض ميلانو شفت العجب ..قضينا يوما كاملا فيه ولم نزر منه الا عُشُره مساحة … في الغد كان في برنامج صديقي ان ننتقل الى احدى ضواحي ميلانو لاتمام صفقة تجارية هامة بالنسبة له ..لم اكن اعرف ماهي بالضبط ولم اسال عنها فتلك شؤونه ..قبل مغادرة النزل مدّني بكمّية هامة من العملة الصعبة (الفرنك الفرنسي) ورجاني ان اضعها تحت ثيابي تماما كما وضعها هو (اي نعم عبدالكريم اشتغل مهرّبا!)… ركبنا حافلة النقل العمومي التي ستّقلّنا الى محطة قطارات ضواحي ميلانو …كانت الامور هادئة جدا ..وكنت كمهرّب اُجيد دور ذلك اللامبالي ..لكأني اشتغل في عالم التهريب منذ سنوات ….رغم انّ ما احمله من ملابس كانت كافية للشكّ فيّ (سروال دجين، مريول بحارة ابيض مخطّط بالازرق “ماران”، لحية سائبة وكثيفة وكأني سبقت جماعة داعش العلنيين وأيضا المتخفّين وراء شعارات “الاسلاميين المعتدلين” وهم اشدّ بلاء…

توقفت الحافلة عند وصولنا وكنّا نهمّ بالنزول حين صاح احد الركّاب العرب (وهو عُماني): سرقولي فلوسي… سرقولي فلوسي اولاد الحرام … ولا طاح لادزّوه كبّش السيّد في كرومتي ..انت …هكذا وبكلّ وثوق قالها وهو يشير الى عبدالكريم …. تمالكت وقلت له: يخخي تفدلك …؟؟؟ ثارت ثائرته وازبد وارعد: انت ومانيش مسيّبك كان في الشرطة .. الف فرنك فرنسي هزيتهملي من مكتوبي …فرنك فرنسي ؟؟؟ مشيت فيها يا عبدالكريم … اشنيّة حجّتك والبوليس الايطالي يفتّش في ثيابك ويجد الفرنك الفرنسي بين ملابسك ..؟؟؟ اش ماشي يكون موقفك امام الامم المتّحدة .. واعني بها عائلتي …زملائي في المهنة …زملائي في الحومة …خطيبتي ..عيادة ….اش هالفضيحة … على وجه شكون صبّحت ؟؟؟ الله يهديك يا محمد (اسم صديقي) توّة انا متاع هالاشياء ..؟؟؟ انا وجهو ؟؟؟ وانا الذي لم اسرق ابدا في حياتي الا وانا طفل ذلك التفاح من جنان الجيران واللي كليت عليه طريحة نباش القبور …او ذلك العصبان من زير المسلّي بمؤامرة ابن عمّي ودهانو كان كافيا لكي لا افلت من عينيْ عيادة ….

دعوني اقل لكم انّ اجمل الدعوات التي كانت تغدق بها عليّ عيادة كانت (برّة يسترك ويستر ذراريك دنيا وآخرة)… نعم كانت تلك الدعوة حاضرة وبشكل خرافي في كلّ مراحل حياتي …التفتّ بابتسامة صفراء ولكنّها ماكرة وقلت لذلك العماني: اعرفني انا شكون وبعد نمشي معاك وين ما تحبّ… ودلفت يدي في جيبي لاقدّم له بطاقتي المهنية حيث فيها انتمائي الى مؤسسة الاذاعة والتلفزة التونسية …. بحلق العُماني فيها ثم وبـ180 درجة خجل من نفسه واصبح يترجّاني ان اقبل اعتذاره …خويا تونسي وفي ميدان الاعلام ..بجاه ربّي سامحني الله غالب خوك من عُمان محروق على فلوسي واللي ما يعرفكش يجهلك ….وتنفست الصّعداء … ياااااااااااااااااااااااه في مثل تلك الحالات نعرف قيمة الاوكسيجين الحقيقي …ولكن وبعد مرور العاصفة نعرف الاهمّ … قيمة التونسي لدى الاشقّاء …زيدو قولو بورقيبة بيه وعليه …انا مرة اخرى اقول أن الزعيم بورقيبة اقترف عديد الاخطاء في مسيرته والبعض منها فادح وجدا ..ولكن ايضا هو زعيم اعترف له بالفضل الكبير في الوجه المشرّف جدا الذي كان يحظى به التونسي في المشرق والمغرب… وهو ما عشته ولمسته في كل البلدان التي زرتها عربيا واوروبيا هذا اولا … ثمّ اخطاء كارهيه وحتّى جرائمهم لا تقلّ فظاعة عن اخطائه …وفي هذه النقطة هم في جلّهم جزّار يعظّم على مراڨزي…

وتكملة للامثال الشعبية التي كم هي معبّرة دعوني اذكّركم بمثل شعبي آخر ليكون منطلقا لآخر ما قمت به قبل عودتي النهائية الى تونس …الفلّوس ما ينقر كان عين خوه …هذا مثل ينطبق تماما على السيارة التي اشتريتها بيجو 204 حمراء مازوت عمرها شهران …كيف لا وانا عائد من فرنسا بعد ثلاث سنوات …؟؟؟ معقولة ما نبرّدش حق كرهبة ؟؟؟ صحّيتك يا سي المدكّ ترجع بخُفّي حنين …للامانة كنت ادرس واشتغل احيانا مع شركة سينمائية خاصّة كمركّب افلام ..تتذكّرون جيّدا تلك الاستاذة المركّبة الرئيسية التي كانت سببا في انتقالي من دراسة مستوى ثان الى مستوى ثالث ..انّها هي ذاتها التي عرضت عليّ فكرة العمل نهاية الاسبوع مع شركة خاصّة… كنت اتقاضى الخير والبركة 30 الف اجرة نصف يوم من العمل بينما كانت منحتي الشهرية 130 الف ..ولمعلوماتكم القطاع السمعي البصري في التلفزيون والسينما هو من ارفع القطاعات اجورا في العالم ….قلتلكم الخير والبركة… الشيء الذي مكّنني من ادّخار الكثير.. انفقت البعض منه في شراء لوازم جهاز خطيبتي و جهاز خطيبة صديقي واخي رضا لانّه لا يُعقل عندي ان اشتري لخطيبتي ولا اشتري لخطيبة صديق عمري… وادّخرت البعض الاخر من المال لشراء السيارة .وللاشارة ليس معنى هذا اني كنت(قرنيطة)… ابدا وحده الله يعلم قداش فلّقت وترتقت فلوس ولحدّ يوم الناس هذا مازلت كذلك ..وهو عيب آخر من عيوبي لم ولا اظن استطيع يوما ان احسن التصرّف في كل ماهو فلوس ..

عرض عليّ احد الاصدقاء (وهو صفاقسي ابا عن جدا) ان يبيعني سيارته الجديدة بيجو 204 وبثمن معقول جدا ان لم يكن زهيدا …ايه مازال الخير في الدنيا زايد ما يحن عليك كان ولد بلادك … وزيد ديازال …هذي جنّة بالبقلاوة… طرت فرحا لا بمعرفة معنى كلمة البقلاوة (بالمغربي وهي غير محبذة هناك) بل بسيارة جديدة بالكاد عمرها شهران … ودون اطالة اكتشفت بعد سنوات قليلة انّي حصلت كي الضبع لانّها من اسوأ الماركات في تعقيدات ميكانيكها …وحتى لا اكون جاحدا يكفي ان اقول انّي هتّكت بيها تونس من بنزرت لبن قردان …وعملت بيها البطيط … الا ان متاعبها ونكساتها كانت تذكّرني بالمدّب التريكي والد صديق عمري الذي عرض عليه ابناؤه فكرة شراء سيارة… وكان له صديق اسمه رمضان كثيرا ما يجده منهمكا في اصلاح عربته الحطام… اجاب المدّب ابناءه بقوله (علاه تحبوني ضحكة كيف رمضان اللي يقعد تحت منها اكثر مللي يقعد فوق منها؟؟؟)… حتى لا اطيل عليكم سيارتي كان آخر عهدي بها عندما تعنّتت ذات يوم امام ملعب الطيب المهيري واقسمت باغلظ الايمان انّها ماعادش تزيد خطوة معايا ..فما كان منّي بعد ان رجوتها عديد المرات …(يا 204 يهديك .. يا بنتي يكون العقل منّك .. يا طفلة على الاقلّ وصّلني للدار وبعد يعمل الله) …كانت في قمّة عنادها … وقتها عاد طلعت الكلبة بنت الكلب وحبّيت نعمل فيها راجل ..غزرتلها وقلتلها ..طالق بالثلاثة والثلاثين … هاتفت الميكانيكي الذي تعوّد على نزواتها وقلت له السيارة موجودة بجانب ملعب الطيب المهيري وانت بيع ..احرق .. لوّح ..اعمل اللي يظهرلك …

كان ذلك بعد خمس سنوات من شرائها ..ذات يوم اقبل عليّ مع مُشتر ..قلت له راك ماشي تدفع فلوسك حرام ..ما تقولش غشّني والله في بلاصتك لا نشريها بدينار ..ضحك وقال: باهي اما انا شاريها… واشتراها منّي بـ 300 دينار… كان فرحا مسرورا وكنت اشد غبطة منه ….ذات يوم قابلت ذلك الصفاقسي الذي باعني اياها في فرنسا ..سلّم عليّ بحرارة وصدقا لم استطع مبادلته تلك الحرارة …لم احدّثه في امرها وابتلعت ريقي … الدڨان في الجيفة حرام …في نفس ذلك الاسبوع الاخير قبل عودتي اي في نهاية شهر افريل ..اتصلت بي تلك الاستاذة التي درّستني في المستوى الثاني المونتاج… اتصلت بي هاتفيا بالمعهد ورجتني انتظارها للقائها لامر هام ومستعجل جدا … ان شا الله خير … وما هي الاّ ساعة حتّى قدمت مرفوقة بسيّد تبدو عليه علامات الوقار والشياكة …تصافحنا ودعتني على قهوة بمشرب المعهد …لم تطُل حيرتي خاصة وهي تقدم لي مرافقها ..هذا هو صاحب الشركة الخاصة الذي كنت تتعامل معه احيانا في تركيب الافلام ..جاءك اليوم يريد ان يقدّم لك عرضا بعد انتهاء دراستك بتفوّق وتميّز …السيّد كان عمليّا جدا… شوف سي كريم ..انا حريص على خدماتك وساعرض عليك عقدا تفاصيله كالآتي: هو عقد لمدة 5 سنوات امكّنك فيه عند الامضاء من 50 مليون منحة امضاء مع الترفيع للضعف في اجرك اليومي الى 120 د … (طلعت نيمار وانا ما في باليش !)… ابتسمت له وقلت …

انتظروا موقف نيمار كيف كان وخاصة لماذا كان كذلك، في الورقة القادمة …يخخي انتقال نيمار من البارصا القارصة (هاذي قرصة من مدريدي) لباريس سان جرمان وذلك التشويق الذي سبقه، خير منّي زعمة ..؟؟؟ انا على الاقلّ عندي اسبقية تاريخيّة عليه …. انا نحكي على نيمار 1979 ونزيدكم زيادة اللي حبّ يشريني موش قطري … خاصة انا نحبّهم برشة هاكة الرهوط …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

الوضع الحالي (ج 2): الساحة الوطنية… مقترحات لدرء الخطر

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.

كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أو بعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.

هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:

أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،

ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.

ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.

ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.

المقنترحات العاجلة:

ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.

واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:

أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.

ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.

ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.

رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.

خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.

خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.

كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.

أكمل القراءة

جور نار

من الشبّاك

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.

فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت على مسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.

كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها

ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.

إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا

ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…

ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها

المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز

نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.

أكمل القراءة

جور نار

وقت مستقطع… للحبّ!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…

ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟

ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…

هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…

خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…

وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…

أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار