أعتقد جازما أن كُلفة جميع الندوات والملتقيات واللقاءات والمؤتمرات والفعاليات والموائد المستديرة والورشات والمسامرات والمحاضرات والبحوث والدراسات التي كانت يافطتتها الرئيسية “إصلاح المنظومة التربوية التونسية”… والتي دفعناها من اللحمة الحيّة على امتداد عقود كانت تكفي وحدها لتشييد المخابر وبناء القاعات وانتداب المختصّين في المجالات المختلفة والارتقاء بمستوى الرفاه البيداغوجي وأداء مدرستنا عموما.
ولكن الإفراط في التنظير حول الفكرة يقتل الفكرة ويُدميها أحيانا.
<strong>منصف الخميري<strong>
هذا لا يعني بطبيعة الحال أن التأصيل النظري والتفصيل المفاهيمي والتحديد الفلسفي واستدعاء المقاربات … لا قيمة له خاصة عندما يتعلق الأمر ببناء البرامج وتحديد المرجعيات … وإنما هناك جملة من مواطن الخلل والإنهاك المُتّفق حول تشخيصها وكذلك بالنسبة إلى المعالجات الكفيلة بتجاوزها ودكّ أركانها. مع التأكيد على أن عددا كبيرا من الحلول لا يتطلب أكثر من بعض القدرة على “مغادرة مُربّعات التخطيط البيروقراطي” والقطع مع “عقلية المْساسية الدولية والبحث عن الاعتمادات اللازمة لتمويل المشاريع الغائمة، من قبيل “إرساء الجودة” و “دعم اللامركزية” و “اعتماد المنهاج” … إلى غير ذلك من عناوين البرْكة (بدون إشباع حرف الباء) وقلّة الحرْكة.
وهذه عيّنة تلقائية من الإجراءات الفورية المقدور عليها تماما والتي من شأنها أن تعطي نتائج ميدانية مؤكدة في ظرف زمني وجيز :
وحدات للطاقة الشمسيّة بكل المؤسسات التربوية (حوالي 6000 مؤسسة في الابتدائي والإعدادي والثانوي)
يؤكد غيوم فوند الطبيب النفساني الفرنسي المعروف أنه “أصبح من الثابت لدينا علميا أن الحالات المناخية القصوى حرّا وبردا تؤثّر على الحالة الذهنية العامة للفرد وتقوّي من منسوب العدوانية والاندفاعية لديه”. بما يعني أن المناخات الدراسية في ربوعنا والحالة الذهنية لدى أطفالنا تتأثر بشكل مباشر بالبرد الضّاري شتاءً والحرّ الشديد ربيعا وصيفا.
إن تدفئة قاعات دروسنا خاصة في المناطق الجبليّة وتكييفها خاصة في جهات الوسط والجنوب يُمكّن ـ علاوة على تليين الطباع وإتاحة مناخ يطيب فيه التعلم والتعليم ـ من ربح وقت ثمين أقدّره شخصيا بشهر دراسي إضافي على الأقل أو أكثر لأن تلاميذنا عادة ما يغادرون مدارسهم أو معاهدهم منذ نهاية شهر أفريل لضُعف دافعيّتهم نعم ولكن أيضا بسبب الظروف القاسية داخل قاعات مكتظة تتقلص فيها كميات الأوكسيجين بشكل يُعيق المتعلم في تحفّزه والمعلّم في قدرته على الرّكض وراء استكمال البرنامج وإعداد جمهوره لخوض غمار الاستحقاقات الدراسية اللاحقة.
هناك حسب تقديري ثلاثة اعتبارات أساسية تُشجّع على تحقيق هذه القفزة الشمسية الواعدة :
أولا : تحت تأثير الضغوط الفعالة التي يمارسها المجتمع المدني الدولي على أصحاب القرار السياسي والانهيارات المناخية الكبرى التي يشهدها العالم اليوم، تطورت خلال السنوات الأخيرة وبشكل لافت التكنولوجيا المستخدمة في إنتاج الطاقات البديلة، وجامعتنا التونسية ليست ببعيدة عن هذه الهندسة الحديثة، فلنا مراكز ومخابر بحث ومؤسسات جامعية متخصصة في تكنولوجيات البيئة التي أصبحت لها تجربة بفضل خبرة مدرّسيها وباحثيها، يمكن أن تساهم بشكل فعال في تخريج الكفاءات والتقنيين والفنيين ـ تصورا وتصنيعا وتركيبا وتعهدا ـ بالشكل الذي يعفينا من اللجوء إلى استقدام كفاءات أجنبية… بل ويمكن أن يجعل من تونس مصدّرا كبيرا في المجال أمام حاجة الغرب الكبيرة إلى الطاقة والاستفادة من 300 يوم مشمس في السنة بالنظر إلى الموقع الجغرافي للبلاد التونسية.
ثانيا : وجود عديد الأطراف الأوروبية التي يمكن أن نبني معها شراكات حقيقيّة عادلة يتمّ بموجبها تكفّل الطرف الأجنبي بتوفير الألواح والمعدّات المختلفة وتتكفّل بلادنا بتوفير الخبرات واليد العاملة وتزويد البلد الشريك بالطاقة مجانا لمدّة تُضبط في ضوء تقدير حجم المساهمة لكل طرف.
ثالثا : إمكانية توظيف هذه الفضاءات المكيّفة مجانا خلال فصل الصيف لاحتضان أطفال وشباب متروكين لحالهم لمدة طويلة تزيد عن ثلاثة، اشهر دون المشاركة في أي نشاط ذي علاقة بالمعرفة والعلم والذّهن عموما … بما يجعلهم مهدّدين جديّا بالانحدار إلى الأميّة. كأن تحتضن هذه الفضاءات أنشطة حرّة ومسلّية ومُضيفة في المسرح والفنون والتعبير والتواصل والتدريب على وسائل الإعلام والمطالعة والثقافة العامة وورشات للكتابة والرسم والسيراميك وصنع الأكسسوارات والغناء الجماعي…. وغيرها من الأنشطة الدّاعمة لتكوين الأطفال والترفيه عليهم في آن.
ويظل الحلم التربوي قائما بأن نسمع يوما خبرا رئيسيا في نشرة الثامنة مساءً مفاده أن وزارة التربية تُعلن انطلاق أشغال تجهيز جميع المؤسسات التربوية التونسية بالطاقة الشمسية وذلك على امتداد ثلاث سنوات !!! وسيتمّ الانطلاق من مدرسة أولاد بركة بفوسانة بالقصرين والمدرسة الابتدائية “المناخ” بفرنانة من ولاية جندوبة.
هذا واحد من الإجراءات غير المُكلفة التي من الممكن جدا أن تنفّذها وزارة التربية ويكون لها انعكاس مؤكّد على الاحتباس البيداغوجي في مدارسنا العمومية المتهرّمة.
لكنّه إجراء قابل لأن يتمّ استبداله بإجراءات كثيرة أخرى في نفس مستوى الكُلفة الزهيدة ونفس القيمة البيداغوجية المُضافة وضمان عدم اعتراض أيّ كان (من أصحاب العقول السويّة على الأقل) عليها باعتبار جدواها الثابتة وفاعليّتها المؤكّدة. ولِم لا وضع تصوّر لحِزمة متكاملة من الإجراءات الفورية المتزامنة التي تنهض بمدرستنا وتجعل منها فضاءات حاضنة ووِجهات فاتنة تُقبل عليها الناشئة في غِبطة وتهلّل وابتهاج… مثل :
بعث قاعات متعددة الاختصاصات في كل المؤسسات التربوية يتمّ اللجوء إليها لتنظيم كل الأنشطة الموازية وتتحوّل حينا إلى قاعة للمراجعة حتى لا يظل تلميذ واحد خارج أسوار المدرسة، وحينا آخر إلى مخابر صغيرة في الإعلامية وتطبيقاتها والملتميديا والروبوتيك والإلكترونيك (يُذكر في هذا الخصوص أن تجربة “ضع اليد في العجين” التي أسّسها جورج شارباك صاحب جائزة نوبل للفيزياء في 1992 المتمثلة في تشريك طلبة الأقسام العلمية والهندسية الجامعية في تحسيس الأطفال واليافعين بأهمية العلوم ودفعهم للانخراط فيها ومعايشة إشكاليات العلوم والتجريب والبحث العلمي… كانت تجربة ناجحة جدا إذ شارك فيها سنة 2013 ما لا يقلّ عن 18 من كبريات مدارس المهندسين و1300 طالب و30 جامعة لفائدة 1200 قسم من الابتدائي…في نوع من التدريب العلمي المبسّط).
أو
بعث دار ضيافة بمواصفات سياحية دنيا في كل ولاية تستقبل المتطوّعين من بين آلاف الكفاءات التونسية في المخابر والجامعات العالمية في المهجر، في عشرات اختصاصات العلوم التكنولوجية والعلوم الانسانية لتقديم محاضرات وتنشيط ورشات وتقاسم تجاربهم وبثّ روح المبادرة والبحث والتحصيل …. وهم لا يطلبون في العادة أكثر من تأمين نقلهم وإقامتهم وإعاشتهم في ظروف لائقة… لكونهم يعودون بشكل طبيعي ومنتظم إلى عائلاتهم عديد المرات في السنة ويكفي برمجة تدخلاتهم خلال فترة كافية قبل مجيئهم.
أو
إقرار جوائز تحفيزية حقيقية لفائدة الأساتذة والمتفقدين في المواد التي بات من المؤكد أنها هي التي تُعيق تقدّم عدد كبير من التلاميذ في السلم الدراسي وهي بصورة أساسية الرياضيات واللغات، في الجهات التي تحقّق نتائج أدنى من المعدّل الوطني للنجاح في الباكالوريا …وذلك كلّما وُضعت برامج وخطط ميدانية تؤدّي إلى تحسّن فعلي في النتائج…في سياق خطّة وطنية جديّة توضع للغرض.
…وسيظلّ الحلم قائما مهما ادلهمّ ظلامنا ولم نعد نرى أملا.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.
في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…
عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟
في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…
مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…
تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…
اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…
إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…
قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…
الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟
موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…
قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …
كنتُ بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مقالي الأسبوعي في جلنار، حين بلغ مسامعي صراخ وألم ووجع عائلات من قضَوْا تحت أكوام حجارة سور معهد المزونة، رحمهم الله.
تمرّد القلم بين أصابعي، ورفض إتمام ما بدأه والانصياع لأوامري، وما أكتب، معلنًا الحداد على من ماتوا، ووُئدت أحلامهم تحت حجارة سور جريح ينزف دم سنوات الإهمال والتخلي.
سور أصابته لعنة “باركينسون” تشريعاتنا المهترئة، فارتعش وجعًا. سور لم يرأف بحاله أحد من القائمين على شؤون ترميمه، وترميم ما يحيط به. سور سال دم جراحه، وأسال دم من مرّوا بجانبه وأمّنوه على أرواحهم. سور توجّع وتألم طويلًا، وبكى… ولم يسمع بكاءه أحد، حتى أبكى أمهات بعض من اعتادوا المرور بجانبه… سور تآكل، وبانت عورته، فغضب وانهار على من كانوا يمرّون بجانبه، يتكئون عليه، ويستظلون به من غضب الشمس وثورة الأحوال الجوية، وهم في طريقهم لطلب العلم.
الغريب ما قرأته بعد الفاجعة، وما سمعته من صراخ من خرجوا يهددون بالويل والثبور وعظائم الأمور. أغلب من خرجوا علينا يولولون، يطالبون بمحاسبة من تسبب في الفاجعة، ويطالبون بتحميل المسؤولية لكل من قصّر في أداء واجبه أو غفل عنه.
هكذا نقفز على كل وجع ومأساة، لنواصل الدعوة إلى الانتقام من كل ما سبق، ومن كل من سبقونا في تحمّل مسؤولية خدمة هذا الشعب… هل يجب أن ننتقم ونثأر بعد كل فاجعة أو فشل ممن سبقونا في تسيير شؤون مؤسسات البلاد؟ هل يجب أن نشيْطن كل من سبقونا في خدمة الوطن بعد كل وجع يشعر به جسد هذه الأمة؟ ألا يجدر بنا أن نعتبر مما حدث، ونبدأ بإصلاح حالنا وأحوالنا؟
أتساءل: ألا يتساءل أحدكم لماذا كل هذا العزوف عن تحمّل المسؤولية؟ أليس للفصل السادس والتسعين من المجلة الجزائية دور كبير في هذا العزوف، الذي أفرغ مؤسساتنا من كفاءات كنّا نفاخر بها، ونطمئن بوجودها على حالنا وحال مؤسساتنا وحال البلاد؟ ثم، أليس للفصل الرابع والعشرين من المرسوم عدد 54 نصيب مما نحن فيه، ومما عشناه ونعيشه؟ فمن كان يرى في السور عيبًا وخطرًا، لن يكتب عن الأمر، ولن يُنبّه لخطورته، خوفًا من أن يُتهم بنشر أخبار زائفة وإشاعات كاذبة…
ألم نغرق اليوم في وحل الفصل السادس والتسعين، ورعب المرسوم الرابع والخمسين؟ لماذا تنشر تشريعاتنا وبعض قوانيننا الخوف والرعب في نفوس كفاءاتنا، ومن يملكون القدرة على تحسين أوضاعنا؟ أيمكن للأمم أن ترتقي وهي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب من قوانينها؟ كيف نطلب من بعضنا خدمة الوطن وهم يعيشون رعب القانون، ورعب الحقد، ودعوات الإقصاء والثأر والانتقام من كل قديم، وكل مخالف في الرأي، وكل من لا يعلن لنا البيعة، ولا يقف صارخًا “مزغردًا”، مصفقًا لأخطائنا، ملمّعًا لفشلنا، داعيًا لنا بطول العمر وجزيل الثواب؟
يا من تستمتعون بوجع خصومكم، ومن لا تتفقون معهم، ومن تركوا أثرًا طيبًا وانتصروا عليكم بما حققوه وأنجزوه…الوطن أمانة بين أيادينا جميعًا، فجنّبوه الفتنة، وجنّبوه الأحقاد، وحافظوا على سور الوطن…ولا تخربوا سقفه، فإن انهار سقف الوطن، فنحن، نحن الشعب، من سيدفع الثمن… نعم… نحن الشعب من سيدفع الثمن.