تابعنا على

جور نار

تعالوا نتّفق على الاختلاف … لدرء الأسوأ الذي لا نريد، لوطن نريد !

نشرت

في

لسائل أن يسأل ما الذي يجعل أتباع ” انقلاب” 25 جويلية الدستوري يغرقون في بحر من السعادة والتفاؤل؟ فهل ستمطر السماء ذهبا وفضّة لأجل عيونهم؟ أم هل سيملأ صندوق النقد الدولي جيوبنا بما منعه عنّا منذ أكثر من سنة؟ أم هل هو تقرير عبد الفتاح عمر الذي سيملأ بصلحه الجزائي خزائن الدولة أوهاما؟ فهل أتى حقّا هذا “الانقلاب” بما يسعد الشعب كل الشعب؟ أم هو الحقد والرغبة الجامحة في التخلّص من الخصوم الذي رفع منسوب هرمون السعادة وبويضة التفاؤل عند اتباع ساكن قرطاج؟ فهل أصبح الحقد هرمونا من هرمونات السعادة في بلادنا، فنحن ومنذ 14 جانفي أصبحنا أكبر دولة مصنّعة للحقد ومنتجة للحاقدين؟

محمد الأطرش Mohamed Alatrash
<strong>محمد الأطرش<strong>

تونس ومنذ ذلك اليوم تعيش حالة غاية في التعقيد لا يمكن حلّها والخروج منها بالشعارات الجوفاء وبمجرّد التهديد والوعيد…والواضح أن خطأ ما حدث في ما وقع ذلك اليوم وبعده…فمصيبة ذلك اليوم هي أنه تلوّث بالحقد والرغبة في الانتقام والإقصاء، فلم يخرجنا كما كنّا نامل ونطالب مما كنّا فيه يوم 24 جويلية بل أغرقنا في وضع من الصعب الخروج منه بمجرّد توزيع الشعارات والخطب والتهديد والوعيد يمنة ويسرة…وبمجرّد هدم كل البناء الذي وجدناه قبلنا عوض ترميمه وإصلاح ما فسد منه، وما لا يستجيب لمتطلبات المرحلة ولا يتحمّل تبعات الرجّات الارتدادية للأزمة… فالمنطق يقول إن ما يُبنى على خطأ يؤدّي إلى خطأ أكبر في أغلب الأحيان، وهذا ما تعيشه تونس منذ ذلك اليوم…

فالبناء على أسس رخوة وخاطئة وبأساليب خاطئة يؤدي إلى المزيد من المصاعب والمطبّات كما ينتج عنه حالة عامة من اليأس والإحباط…فهل من الفخر أن نقصي خصومنا ومن نهابهم في قادم المحطّات الانتخابية لنغطّي على فشلنا في تسيير دواليب الحكم والدولة وفي إصلاح ما انقلبنا على شركائنا من أجله…وهل من المنطق أن نغطّي على أخطائنا وفشلنا بــ”إلهاءات” وأخطاء أخرى…فبالله عليكم كم من نصر لقضية وطنية حققتم بما أتيتم منذ ذلك اليوم…؟ وكم من حلّ لمشكلة أوجدتم…؟ وأين كنتم يوم كان خصمنا أكبر من خصمكم…وعدونا أعتى ممن تعتبرونه عدوكم اليوم…؟؟

ألسنا نحن من عانى الفقر قبل أن تكونوا أنتم ما أنتم عليه اليوم…؟ ألسنا نحن من عانى الخصاصة يوم كنتم لا شيء…؟ ألسنا نحن من أرهقته سنوات البناء…؟ ألسنا نحن من جاء بعد الخراب والجهل اللذين تركهما المستعمر…؟ ألسنا نحن من قاوم الجهل…؟ ألسنا نحن من قاوم الأوبئة والأمراض…؟ ألسنا نحن من عبّد الطريق لمن جاء بعدنا…؟ ألسنا نحن أبناء وأحفاد الجيل الذي قاوم المستعمر ومات…؟ ألسنا نحن من لم تسعفه الحياة بأن يجد ما وجدتموه أنتم…؟ ألسنا نحن من هيأ لكم الطريق لتكونوا أنتم اليوم…؟ هل ذهب أحدكم إلى المدرسة حافي القدمين…؟ هل ذهب أحدكم إلى المدرسة بسروال صنع من قماش أكياس بيضاء كتب على مؤخرته “هدية من الشعب الأمريكي ليس للبيع أو المبادلة”…؟ هل ذهب بعضكم إلى المدرسة على ظهر حمار لكيلومترات…؟ هل ذهب بعضكم إلى المدرسة وهو يرتجف من البرد…؟ هل ذهب بعضكم إلى المدرسة بمحفظة من قماش أزرق خاطتها أمه مفاخرة بما أنجزته…؟ هل أكل بعضكم مسحوق البيض الذي كان يصلنا من بلاد العم سام ليجوع بعده ليومين…؟ هل عشتم لحظة مطاردة الممرض الذي يجري خلفكم ليضع في اعينكم مرهما ضدّ الرمد وأنتم تصرخون خوفا ورعبا…؟ هل عشتم حملات التلقيح الجماعية سنوات الأوبئة…؟ هل عاش بعضكم الجوع بما يعنيه الجوع…؟ هل اكتفى بعضكم بوجبة واحدة ليوم أو يومين…؟

اليوم تلوموننا فقط لأننا انتقدنا تصرفكم أنتم وكيف تسعدون وتصفّقون للفشل وتباركونه…أنتم “الجيل الخطأ” أي نعم أنتم “الجيل الخطأ” الذي لن يقدر على إصلاح الخطأ…نعم نلوم صمتكم وسعادتكم الكاذبة لفشل قد يغرقنا في الازمة أكثر ويدخلنا في أزمة أكبر…نستغرب ونرفض شماتتكم في خصومكم ورغبتكم الجامحة في التخلّص من كل من يعارض بناءكم القاعدي “الأعرج”…نحن لا ننتقد اختلافكم عنّا…لكن ننتقد ما تضمرونه لكل من يختلف معكم…ولا ننتقد مساندتكم ولا دعمكم لنظام سياسي لم ينجز شيئا ولو صغيرا يحسب له منذ ذلك اليوم الذي تفاخرون به بصيغته “القيسونية” نسبة لما أتاه الرئيس قيس سعيد، ونفاخر به في صيغته الاصلية “البورقيبية” نسبة لذكرى إعلان الجمهورية التي اتى بها بورقيبة العظيم ورفاقه رحمهم الله…لا لم ولا ننتقد ذلك ولم نفكّر في الأمر حتى…والأغرب من كل هذا أن من يلوموننا على لومنا يعتبرون أنفسهم من الملائكة…وكأنهم من جنس أسمى من جنسنا وكأنهم لم يخلقوا من صلصال مثلنا…فهم الأرقى…وهم الأقدر…ونحن لا شيء…فنحن نمثّل الرجعية…وهم يمثلون التقدمية والحداثة…ونحن الجهل وهم العلماء…بعضهم يخيّرنا بين “قيسهم” نسبة لقيس سعيد، وإن لم نكن معه فنحن مع “النهضة” يا لغباء بعضهم…ويا لحماقة بعضهم الآخر…هل بهذا الذي تأتون تجمعون الناس حولكم؟؟

هكذا هو حالنا، نحن شعوب الدول النائمة التي ينعتونها بالنامية، فكل واحد منا يعاني من مرض ومن عقدة وجميعنا نخاف من أن نعترف بما نعانيه…نحن من الشعوب التي تخشى من تسمية الاشياء بمسمياتها الحقيقية، عكس الشعوب الأخرى التي تتحدث بوضوح وشفافية وصراحة دون لف او دوران…نحن من الشعوب التي تخدع نفسها وبعضها بتسميات وعناوين ونعوت وشعارات فضفاضة…فبعضنا يرى نفسه أرقى من بعضنا الآخر، فقط لأنه أتى ما لا تسمح به أخلاق الآخر بإتيانه…فاليوم قد تصبح مناضلا لو أتلفت عين أحدهم من خصومك…وقد تصبح مناضلا حديث كل الألسن فقط لأنك تجرأت على عون أمن وشتمت أمه التي ماتت منذ سنة أو قذفته بحجر في مسيرة…وقد تصبح شهيدا وأنت تسرق فضاء تجاريا على هامش مسيرة تطالب بالحرية والكرامة…

هكذا نحن شعب كل التناقضات وكل العجائب…لا نخرج من مشكلة الا ونجد اختها وابنة عمّها وقريبتها وصديقتها تنتظر خلف الباب لتدخل علينا من حيث لا ندري ولا ننتظر…نحن صناع الفشل بما نأتيه…ونحن صُنّاع الأزمات لأننا نكره العيش دونها…ونحن من ينعتنا البعض الآخر من الشعوب بالشعوب الفاشلة لأننا نحن من يعيد التاريخ نفسه عندنا، في أسوأ أشكاله… ونحن من يعترف جميعنا ولو بعد حين أن أمسنا أفضل من يومنا…وأن حاضرنا أفضل من القادم إلينا…أتدرون لماذا؟ لأن حاضرنا لم يأت لبناء مستقبلنا بل جاء ليغتال تاريخنا ويطعنه من خلف…ونسي أن الأمم التي تغتال تاريخها تقتل حاضرها وتجهض مستقبلها…نحن من الشعوب التي لا تريد الاعتراف بمشاكلها وبأسباب مشاكلها خوفا من تبعات هذه الأسباب…ولأننا نخاف مشاكلنا نخيّر الصمت على أن نتحدث عنها…فنحن نكابر ونغالي في تقدير واقعنا الاجتماعي ومستوى وعينا السياسي والثقافي…لذلك تتعقّد عندنا كل مشاكلنا فردية كانت أو جماعية دون أن نضع لها حدّا…ولا نجد لها حلاّ…

فيا أبناء “جيل الخطأ” وأنتم منّا لا تلومونا كثيرا…نحن نريد فقط تفعيل القاسم المشترك بيننا جميعا أبناء هذا الوطن العزيز…نريد فقط دولة القانون والتعددية والشراكة لا دولة الفوضى والفشل والحركات المستنسخة من تجارب سياسية ثبت فشلها في كل الدول التي عصفت بها ريحها…كما لا نريد ان نكون دولة الحزب الواحد والحاكم الواحد…ولا دولة السلطان الحاكم بأمره أو امير المؤمنين الذي يسجن خصومه ويغدق على اتباعه بجملة واحدة “أعطه الف درهم وناقة وبعير، يا حذيفة!” … نحن على اعتقاد راسخ اننا اذا تمسكنا بدولة القانون والتعددية والشراكة والاختلاف فسنودّع إلى غير رجعة كل الخيارات المستنسخة الفاشلة التي ابتلينا بها منذ 14 جانفي…والتي أعطينا فيها كل شيء ولم نأخذ منها أي شيء، ومن هنا يمكن اعتبار مسؤولية البحث عن النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتربوي والثقافي البديل، مسؤولية جماعية أخلاقية قبل كل شيء ووطنية وتاريخية و”تأريخية” واستراتيجية هامة ولا غنى عنها…فما نحن فيه اليوم قد يأخذنا بعيدا في سياسة الفرد الواحد والسلطان الآمر الناهي…ولا أظنّ أن هذا الشعب الذي اسقط الخوف من حساباته منذ 14 جانفي سيقبل بالعودة إلى دولة الحاكم بأمره…وصاحب الجلالة…

هذا الشعب يريد الحرية الذي اشتمّ بعض رائحتها…فللحرية طعمٌ ورائحة لا يعلمهما إلا من نال شرفها…فبالحرية فقط يمكن انجاز طموحات الشعوب وتحقيق المستحيل…والصبر على الأزمات…ولا أظنّ ان هذا الشعب سيقبل بما يردّده بعض الذين يأخذهم الحنين إلى حكم السلاطين أولئك الذين يرفعون شعار “الحرية والديمقراطية يعرقلان كل نمو اقتصادي…والخبز لا تصنعه الديمقراطية”…فتعالوا قبل كل شيء نتّفق على الاختلاف لدرء الأسوأ الذي لا نريد…لهذا الوطن الذي نريد…

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

جور نار

ورقات يتيم… الورقة 115

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…

عبد الكريم قطاطة

عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟

في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…

مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…

تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…

اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…

إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…

قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…

الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟

موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…

قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة

جور نار

لا تخرّبوا سور وسقف الوطن… فنحن غدا من سيدفع الثمن!

نشرت

في

محمد الأطرش:

كنتُ بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مقالي الأسبوعي في جلنار، حين بلغ مسامعي صراخ وألم ووجع عائلات من قضَوْا تحت أكوام حجارة سور معهد المزونة، رحمهم الله.

تمرّد القلم بين أصابعي، ورفض إتمام ما بدأه والانصياع لأوامري، وما أكتب، معلنًا الحداد على من ماتوا، ووُئدت أحلامهم تحت حجارة سور جريح ينزف دم سنوات الإهمال والتخلي.

سور أصابته لعنة “باركينسون” تشريعاتنا المهترئة، فارتعش وجعًا. سور لم يرأف بحاله أحد من القائمين على شؤون ترميمه، وترميم ما يحيط به. سور سال دم جراحه، وأسال دم من مرّوا بجانبه وأمّنوه على أرواحهم. سور توجّع وتألم طويلًا، وبكى… ولم يسمع بكاءه أحد، حتى أبكى أمهات بعض من اعتادوا المرور بجانبه… سور تآكل، وبانت عورته، فغضب وانهار على من كانوا يمرّون بجانبه، يتكئون عليه، ويستظلون به من غضب الشمس وثورة الأحوال الجوية، وهم في طريقهم لطلب العلم.

الغريب ما قرأته بعد الفاجعة، وما سمعته من صراخ من خرجوا يهددون بالويل والثبور وعظائم الأمور. أغلب من خرجوا علينا يولولون، يطالبون بمحاسبة من تسبب في الفاجعة، ويطالبون بتحميل المسؤولية لكل من قصّر في أداء واجبه أو غفل عنه.

هكذا نقفز على كل وجع ومأساة، لنواصل الدعوة إلى الانتقام من كل ما سبق، ومن كل من سبقونا في تحمّل مسؤولية خدمة هذا الشعب… هل يجب أن ننتقم ونثأر بعد كل فاجعة أو فشل ممن سبقونا في تسيير شؤون مؤسسات البلاد؟ هل يجب أن نشيْطن كل من سبقونا في خدمة الوطن بعد كل وجع يشعر به جسد هذه الأمة؟ ألا يجدر بنا أن نعتبر مما حدث، ونبدأ بإصلاح حالنا وأحوالنا؟

أتساءل: ألا يتساءل أحدكم لماذا كل هذا العزوف عن تحمّل المسؤولية؟ أليس للفصل السادس والتسعين من المجلة الجزائية دور كبير في هذا العزوف، الذي أفرغ مؤسساتنا من كفاءات كنّا نفاخر بها، ونطمئن بوجودها على حالنا وحال مؤسساتنا وحال البلاد؟ ثم، أليس للفصل الرابع والعشرين من المرسوم عدد 54 نصيب مما نحن فيه، ومما عشناه ونعيشه؟ فمن كان يرى في السور عيبًا وخطرًا، لن يكتب عن الأمر، ولن يُنبّه لخطورته، خوفًا من أن يُتهم بنشر أخبار زائفة وإشاعات كاذبة…

ألم نغرق اليوم في وحل الفصل السادس والتسعين، ورعب المرسوم الرابع والخمسين؟ لماذا تنشر تشريعاتنا وبعض قوانيننا الخوف والرعب في نفوس كفاءاتنا، ومن يملكون القدرة على تحسين أوضاعنا؟ أيمكن للأمم أن ترتقي وهي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب من قوانينها؟ كيف نطلب من بعضنا خدمة الوطن وهم يعيشون رعب القانون، ورعب الحقد، ودعوات الإقصاء والثأر والانتقام من كل قديم، وكل مخالف في الرأي، وكل من لا يعلن لنا البيعة، ولا يقف صارخًا “مزغردًا”، مصفقًا لأخطائنا، ملمّعًا لفشلنا، داعيًا لنا بطول العمر وجزيل الثواب؟

يا من تستمتعون بوجع خصومكم، ومن لا تتفقون معهم، ومن تركوا أثرًا طيبًا وانتصروا عليكم بما حققوه وأنجزوه…الوطن أمانة بين أيادينا جميعًا، فجنّبوه الفتنة، وجنّبوه الأحقاد، وحافظوا على سور الوطن…ولا تخربوا سقفه، فإن انهار سقف الوطن، فنحن، نحن الشعب، من سيدفع الثمن… نعم… نحن الشعب من سيدفع الثمن.

أكمل القراءة

صن نار