تابعنا على

جور نار

تعالوا نتّفق على الاختلاف … لدرء الأسوأ الذي لا نريد، لوطن نريد !

نشرت

في

لسائل أن يسأل ما الذي يجعل أتباع ” انقلاب” 25 جويلية الدستوري يغرقون في بحر من السعادة والتفاؤل؟ فهل ستمطر السماء ذهبا وفضّة لأجل عيونهم؟ أم هل سيملأ صندوق النقد الدولي جيوبنا بما منعه عنّا منذ أكثر من سنة؟ أم هل هو تقرير عبد الفتاح عمر الذي سيملأ بصلحه الجزائي خزائن الدولة أوهاما؟ فهل أتى حقّا هذا “الانقلاب” بما يسعد الشعب كل الشعب؟ أم هو الحقد والرغبة الجامحة في التخلّص من الخصوم الذي رفع منسوب هرمون السعادة وبويضة التفاؤل عند اتباع ساكن قرطاج؟ فهل أصبح الحقد هرمونا من هرمونات السعادة في بلادنا، فنحن ومنذ 14 جانفي أصبحنا أكبر دولة مصنّعة للحقد ومنتجة للحاقدين؟

محمد الأطرش Mohamed Alatrash
محمد الأطرش

تونس ومنذ ذلك اليوم تعيش حالة غاية في التعقيد لا يمكن حلّها والخروج منها بالشعارات الجوفاء وبمجرّد التهديد والوعيد…والواضح أن خطأ ما حدث في ما وقع ذلك اليوم وبعده…فمصيبة ذلك اليوم هي أنه تلوّث بالحقد والرغبة في الانتقام والإقصاء، فلم يخرجنا كما كنّا نامل ونطالب مما كنّا فيه يوم 24 جويلية بل أغرقنا في وضع من الصعب الخروج منه بمجرّد توزيع الشعارات والخطب والتهديد والوعيد يمنة ويسرة…وبمجرّد هدم كل البناء الذي وجدناه قبلنا عوض ترميمه وإصلاح ما فسد منه، وما لا يستجيب لمتطلبات المرحلة ولا يتحمّل تبعات الرجّات الارتدادية للأزمة… فالمنطق يقول إن ما يُبنى على خطأ يؤدّي إلى خطأ أكبر في أغلب الأحيان، وهذا ما تعيشه تونس منذ ذلك اليوم…

فالبناء على أسس رخوة وخاطئة وبأساليب خاطئة يؤدي إلى المزيد من المصاعب والمطبّات كما ينتج عنه حالة عامة من اليأس والإحباط…فهل من الفخر أن نقصي خصومنا ومن نهابهم في قادم المحطّات الانتخابية لنغطّي على فشلنا في تسيير دواليب الحكم والدولة وفي إصلاح ما انقلبنا على شركائنا من أجله…وهل من المنطق أن نغطّي على أخطائنا وفشلنا بــ”إلهاءات” وأخطاء أخرى…فبالله عليكم كم من نصر لقضية وطنية حققتم بما أتيتم منذ ذلك اليوم…؟ وكم من حلّ لمشكلة أوجدتم…؟ وأين كنتم يوم كان خصمنا أكبر من خصمكم…وعدونا أعتى ممن تعتبرونه عدوكم اليوم…؟؟

ألسنا نحن من عانى الفقر قبل أن تكونوا أنتم ما أنتم عليه اليوم…؟ ألسنا نحن من عانى الخصاصة يوم كنتم لا شيء…؟ ألسنا نحن من أرهقته سنوات البناء…؟ ألسنا نحن من جاء بعد الخراب والجهل اللذين تركهما المستعمر…؟ ألسنا نحن من قاوم الجهل…؟ ألسنا نحن من قاوم الأوبئة والأمراض…؟ ألسنا نحن من عبّد الطريق لمن جاء بعدنا…؟ ألسنا نحن أبناء وأحفاد الجيل الذي قاوم المستعمر ومات…؟ ألسنا نحن من لم تسعفه الحياة بأن يجد ما وجدتموه أنتم…؟ ألسنا نحن من هيأ لكم الطريق لتكونوا أنتم اليوم…؟ هل ذهب أحدكم إلى المدرسة حافي القدمين…؟ هل ذهب أحدكم إلى المدرسة بسروال صنع من قماش أكياس بيضاء كتب على مؤخرته “هدية من الشعب الأمريكي ليس للبيع أو المبادلة”…؟ هل ذهب بعضكم إلى المدرسة على ظهر حمار لكيلومترات…؟ هل ذهب بعضكم إلى المدرسة وهو يرتجف من البرد…؟ هل ذهب بعضكم إلى المدرسة بمحفظة من قماش أزرق خاطتها أمه مفاخرة بما أنجزته…؟ هل أكل بعضكم مسحوق البيض الذي كان يصلنا من بلاد العم سام ليجوع بعده ليومين…؟ هل عشتم لحظة مطاردة الممرض الذي يجري خلفكم ليضع في اعينكم مرهما ضدّ الرمد وأنتم تصرخون خوفا ورعبا…؟ هل عشتم حملات التلقيح الجماعية سنوات الأوبئة…؟ هل عاش بعضكم الجوع بما يعنيه الجوع…؟ هل اكتفى بعضكم بوجبة واحدة ليوم أو يومين…؟

اليوم تلوموننا فقط لأننا انتقدنا تصرفكم أنتم وكيف تسعدون وتصفّقون للفشل وتباركونه…أنتم “الجيل الخطأ” أي نعم أنتم “الجيل الخطأ” الذي لن يقدر على إصلاح الخطأ…نعم نلوم صمتكم وسعادتكم الكاذبة لفشل قد يغرقنا في الازمة أكثر ويدخلنا في أزمة أكبر…نستغرب ونرفض شماتتكم في خصومكم ورغبتكم الجامحة في التخلّص من كل من يعارض بناءكم القاعدي “الأعرج”…نحن لا ننتقد اختلافكم عنّا…لكن ننتقد ما تضمرونه لكل من يختلف معكم…ولا ننتقد مساندتكم ولا دعمكم لنظام سياسي لم ينجز شيئا ولو صغيرا يحسب له منذ ذلك اليوم الذي تفاخرون به بصيغته “القيسونية” نسبة لما أتاه الرئيس قيس سعيد، ونفاخر به في صيغته الاصلية “البورقيبية” نسبة لذكرى إعلان الجمهورية التي اتى بها بورقيبة العظيم ورفاقه رحمهم الله…لا لم ولا ننتقد ذلك ولم نفكّر في الأمر حتى…والأغرب من كل هذا أن من يلوموننا على لومنا يعتبرون أنفسهم من الملائكة…وكأنهم من جنس أسمى من جنسنا وكأنهم لم يخلقوا من صلصال مثلنا…فهم الأرقى…وهم الأقدر…ونحن لا شيء…فنحن نمثّل الرجعية…وهم يمثلون التقدمية والحداثة…ونحن الجهل وهم العلماء…بعضهم يخيّرنا بين “قيسهم” نسبة لقيس سعيد، وإن لم نكن معه فنحن مع “النهضة” يا لغباء بعضهم…ويا لحماقة بعضهم الآخر…هل بهذا الذي تأتون تجمعون الناس حولكم؟؟

هكذا هو حالنا، نحن شعوب الدول النائمة التي ينعتونها بالنامية، فكل واحد منا يعاني من مرض ومن عقدة وجميعنا نخاف من أن نعترف بما نعانيه…نحن من الشعوب التي تخشى من تسمية الاشياء بمسمياتها الحقيقية، عكس الشعوب الأخرى التي تتحدث بوضوح وشفافية وصراحة دون لف او دوران…نحن من الشعوب التي تخدع نفسها وبعضها بتسميات وعناوين ونعوت وشعارات فضفاضة…فبعضنا يرى نفسه أرقى من بعضنا الآخر، فقط لأنه أتى ما لا تسمح به أخلاق الآخر بإتيانه…فاليوم قد تصبح مناضلا لو أتلفت عين أحدهم من خصومك…وقد تصبح مناضلا حديث كل الألسن فقط لأنك تجرأت على عون أمن وشتمت أمه التي ماتت منذ سنة أو قذفته بحجر في مسيرة…وقد تصبح شهيدا وأنت تسرق فضاء تجاريا على هامش مسيرة تطالب بالحرية والكرامة…

هكذا نحن شعب كل التناقضات وكل العجائب…لا نخرج من مشكلة الا ونجد اختها وابنة عمّها وقريبتها وصديقتها تنتظر خلف الباب لتدخل علينا من حيث لا ندري ولا ننتظر…نحن صناع الفشل بما نأتيه…ونحن صُنّاع الأزمات لأننا نكره العيش دونها…ونحن من ينعتنا البعض الآخر من الشعوب بالشعوب الفاشلة لأننا نحن من يعيد التاريخ نفسه عندنا، في أسوأ أشكاله… ونحن من يعترف جميعنا ولو بعد حين أن أمسنا أفضل من يومنا…وأن حاضرنا أفضل من القادم إلينا…أتدرون لماذا؟ لأن حاضرنا لم يأت لبناء مستقبلنا بل جاء ليغتال تاريخنا ويطعنه من خلف…ونسي أن الأمم التي تغتال تاريخها تقتل حاضرها وتجهض مستقبلها…نحن من الشعوب التي لا تريد الاعتراف بمشاكلها وبأسباب مشاكلها خوفا من تبعات هذه الأسباب…ولأننا نخاف مشاكلنا نخيّر الصمت على أن نتحدث عنها…فنحن نكابر ونغالي في تقدير واقعنا الاجتماعي ومستوى وعينا السياسي والثقافي…لذلك تتعقّد عندنا كل مشاكلنا فردية كانت أو جماعية دون أن نضع لها حدّا…ولا نجد لها حلاّ…

فيا أبناء “جيل الخطأ” وأنتم منّا لا تلومونا كثيرا…نحن نريد فقط تفعيل القاسم المشترك بيننا جميعا أبناء هذا الوطن العزيز…نريد فقط دولة القانون والتعددية والشراكة لا دولة الفوضى والفشل والحركات المستنسخة من تجارب سياسية ثبت فشلها في كل الدول التي عصفت بها ريحها…كما لا نريد ان نكون دولة الحزب الواحد والحاكم الواحد…ولا دولة السلطان الحاكم بأمره أو امير المؤمنين الذي يسجن خصومه ويغدق على اتباعه بجملة واحدة “أعطه الف درهم وناقة وبعير، يا حذيفة!” … نحن على اعتقاد راسخ اننا اذا تمسكنا بدولة القانون والتعددية والشراكة والاختلاف فسنودّع إلى غير رجعة كل الخيارات المستنسخة الفاشلة التي ابتلينا بها منذ 14 جانفي…والتي أعطينا فيها كل شيء ولم نأخذ منها أي شيء، ومن هنا يمكن اعتبار مسؤولية البحث عن النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتربوي والثقافي البديل، مسؤولية جماعية أخلاقية قبل كل شيء ووطنية وتاريخية و”تأريخية” واستراتيجية هامة ولا غنى عنها…فما نحن فيه اليوم قد يأخذنا بعيدا في سياسة الفرد الواحد والسلطان الآمر الناهي…ولا أظنّ أن هذا الشعب الذي اسقط الخوف من حساباته منذ 14 جانفي سيقبل بالعودة إلى دولة الحاكم بأمره…وصاحب الجلالة…

هذا الشعب يريد الحرية الذي اشتمّ بعض رائحتها…فللحرية طعمٌ ورائحة لا يعلمهما إلا من نال شرفها…فبالحرية فقط يمكن انجاز طموحات الشعوب وتحقيق المستحيل…والصبر على الأزمات…ولا أظنّ ان هذا الشعب سيقبل بما يردّده بعض الذين يأخذهم الحنين إلى حكم السلاطين أولئك الذين يرفعون شعار “الحرية والديمقراطية يعرقلان كل نمو اقتصادي…والخبز لا تصنعه الديمقراطية”…فتعالوا قبل كل شيء نتّفق على الاختلاف لدرء الأسوأ الذي لا نريد…لهذا الوطن الذي نريد…

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار