تابعنا على

جلـ ... منار

جنوب إفريقيا إذ تخوض أبرز معارك العدالة في لاهاي

نشرت

في

شكّل البثّ المباشر لجلسة محكمة العدل الدولية التي رافع فيها وفد جنوب إفريقيا ضد الحرب الإسرائيلية على الفلسطينيين في قطاع غزة، حدثاً استثنائياً في تاريخ القضية الفلسطينية وفي تاريخ القانون الدولي. وعبّر كذلك عن تبدّل جذري في تموضع الدول تجاه المؤسسات والمعاهدات والمواثيق الإنسانية، الكونية نظرياً، التي انبثقت في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية.

<strong>زياد ماجد<strong>

ويمكن التوقّف عند أربع مسائل أثارها الحدث الجلل في مقرّ المحكمة في لاهاي.

المسألة الأولى هي تلك المتعلّقة بالحرب نفسها وبالتوحّش والتدمير وكثافة النيران وتوظيف التكنولوجيا الأكثر تطوّراً لإحداث أكبر أضرار بشرية ومادية ممكنة في رقعة جغرافية صغيرة ومحاصرة ومقصوفة جواً وبراً وبحراً، وفي مدّة زمنية محدودة، على نحو لم نشهد له مثيلاً في العالم منذ عقود، إن لم يكن منذ العام 1945. وقد وصّف الحقوقيّون المترافعون ضمن الفريق الجنوب إفريقي الحرب هذه، لجهة انتهاكاتها الخطيرة لاتفاقية منع الإبادة الجماعية ونتائجها الميدانية والخسائر الفادحة التي أنزلتها بالفلسطينيين ومقوّمات حياتهم، بأسلوب شديد التكثيف والدقة في استعراض المعطيات وتفصيلها.

كما بيّنوا أن الانتهاكات المذكورة حُرّض عليها وجعل حدوثها ممكناً المسؤولون الإسرائيليون الأعلى شأناً، من رئيس الدولة إلى رئيس الحكومة ووزير الدفاع ووزير الأمن القومي ووزير المالية والعشرات من المسؤولين السياسيين والعسكريين، وصولاً إلى الجنود المُحتفين في الميدان بقتل الفلسطينيين وتدمير عُمرانهم. وهذا يؤكّد نيّة الإبادة ثم ترجمتها إلى عمليات تصفيةٍ وجرحٍ لعشرات الآلاف من المدنيّين وتجويع وتهجير لمئات الألوف وتدميرٍ ممنهج لغزّة ومستشفياتها ومؤسساتها الحياتية والخدماتية. ووضعوا كلّ ذلك ضمن تحقيب لمسار تطوّر الأمور قبل الحرب وخلالها.

بهذا المعنى، شهدنا في أعلى محكمة دولية انقلاباً حقوقياً وضع الإسرائيليين في موقع المتّهمين بالإبادة، ملزمين بتبرير أفعالهم وأقوالهم، أمام العالم بأسرِه الذي بوسعه الاستماع إلى كلّ ذلك من دون رقابة، على نحو لم يتعرّضوا له مرّةً في تاريخهم، إذ ظلّوا “فوق القانون”، يُطلّون بغرور على وسائل الإعلام ويتصرّفون بلا مبالاة كاملة تجاه محاوريهم. كما شهدنا عرضاً قانونياً متماسكاً يشرح (بلا مقاطعات معهودة) السياق التاريخي الذي وقعت فيه الأحداث الأخيرة وكيف تولّدت من ثقافة احتلال واستيطان وتمييز عنصري وحصار واستهتار بالقوانين الدولية دفع ويدفع ثمنها الشعب الفلسطيني.

المسألة الثانية تتعلّق بجنوب إفريقيا ذاتها كمندوبة للفلسطينيين في هذه المواجهة القضائية، وما تمثّله سياسياً ورمزياً في عالم اليوم. فالدولة التي خاض شعبها معارك ضد الكولونيالية ثم نظام التفوّق الاستيطاني الأبيض “الأبارتهايد” وانتصر فيهما بقيادة نلسون مانديلا المُتحرّر من السجن ليُنتخب رئيساً، تخوض اليوم أبرز معركة قانونية لوقف إبادة جماعية تنفّذها إسرائيل بحقّ الفلسطينيين.

ولا شكّ أن التذكير بالتحالف السياسي والتعاون الأمني والعسكري والاقتصادي الوثيق الذي ربط إسرائيل بنظام الأبارتهيد الجنوب إفريقي على مدى عقود وللحظة سقوطه من جهة، ومشهديّة المواجهة القضائية والتضاد بين التنوّع والتعدّد الثقافي والعرقي والديني اللذين تجسّدهما جنوب إفريقيا، والانتقاء والتماثل وعنجهية العنصرية التي تجسّدها النخبة الإسرائيلية، هذين التذكير والمشهدية، يُفسّران بعض أسباب الاهتمام المُواطني العالمي الاستثنائي بما يجري، ومقدار غيظ الإدارات الأمريكية والأوروبية منه، وارتباكها تجاهه وتعليق الناطقين باسم بعضها عليه بطريقة مبتذلة ورقيعة.

والمسألة الثالثة ترتبط بتبدّلٍ في هويات المدافعين عن القانون الدولي الإنساني اليوم، الذي يُريد ورثة المبادِرين الغربيّين إلى تصميمه كشأن إنساني بعد الحربين الكونيّتين، “استعادته” وجعله أداةً يحتكرون استخدامها في الجغرافيا التي يقرّرون وفي التوقيت الذي يرون وحدهم وجوبه، وفق استثناءات يفرضونها بدورهم، وغالباً ما تتقاطع في ما يخصّ إعلاء إسرائيل عليه وحمايتها من تبعات انتهاكاتها المتكرّرة له.

فأن تنتزع منهم جنوب إفريقيا مبادرة اللجوء إليه، وأن تناصرها في ذلك أمام محكمة العدل الدولية أو تجاه المحكمة الجنائية دول مثل البرازيل وبوليفيا والشيلي وبنغلاديش وسواها، وتطالب بتطبيق هذا القانون ومعاييره ومواثيقه على إسرائيل التي كرّروا في الآونة الأخيرة دعمها وتغطية جرائمها، فالأمر مدعاة تفكير في احتمالات انتقال فعل السهر ـ ادّعاءً أو واقعاً ـ على السلام العالمي وسيادة الحقّ والقانون في العلاقات الدولية من واشنطن ولندن وباريس وبرلين إلى جنوب إفريقيا والبرازيل وغيرهما من ديمقراطيّات الجنوب الصاعدة سياسياً واقتصادياً.

المسألة الرابعة تتّصل بما يمكن توقّعه قانونياً من المحكمة بعد الدفاع الإسرائيلي الذي سعى إلى التشكيك في أمرين: أمر حدوث الإبادة في غزّة والتحريض الرسمي عليها، وأمر صلاحية الشكوى الجنوب إفريقية ذاتها.

ويجوز القول في ما يخصّ الأمر الثاني أن الحجّة الإسرائيلية بانعدام مشروعية الشكوى إذ أن لا “خلاف” ثنائياً بين إسرائيل وجنوب إفريقيا أو لا تبادليّة في هذا الخلاف تستدعيها، ولا استنفاد لسُبل بتّ الخلاف إن وُجد عبر القنوات الديبلوماسية قبل اللجوء إلى المحكمة، حجّة ساقطة. فجنوب إفريقيا تحرّكت بعد أسابيع من بدء الحرب وتحوّلها بحسبها إلى عملية إبادة حذّرت منها أكثر من مرّة في الأمم المتحدة وعبر الطلب إلى مدّعي عام المحكمة الجنائية التحقيق في الجرائم المرتكبة في سياقها وفي مراسلات مباشرة مع تل أبيب. وهي بالتالي تحرّكت بعد كلّ ذلك وفق ما تُمليه اتّفاقية منع الإبادة التي وقّعت عليها.

ويُرجّح أن تُصدر المحكمة بالتالي قراراً في غضون أسبوعين يطلب وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية “خشية مخاطر حدوث الإبادة”. ويبدأ بعد ذلك، في ما يخصّ الأمر الأول، النظر في مسألة الإبادة نفسها، إن لجهة وقوعها أو لجهة التحريض على تنفيذها. ويُتوقّع هنا أن تأخذ المداولات والردود وقتاً طويلاً، قد يصل لسنوات قبل البتّ بشأنها، إذ أن القول بحدوث “إبادة جماعية” محفوف بالمحاذير وشديد التطلّب لجهة الاثباتات ولجهة تمييز “الإبادة” عن “جرائم الحرب” و”الجرائم ضد الإنسانية” (بما فيها “التطهير العرقي”). وقد بدا جلياً أن الوفد القانوني الممثّل لإسرائيل بدا معنياً بشكل خاص بنفي “مأسسة” أو “رسمية” الدعوات للإبادة (التي أشارت جنوب إفريقيا إلى تكرارها على أعلى مستوى في إسرائيل)، ذلك أن نجاحه في ذلك يُطيح بمبدأ شارطٍ للقول بحصول إبادة، وهو إثبات النيّة أو التحريض أو الدعوة السافرة للتنفيذ.

بمعنى آخر، وفي مفارقة فظيعة، يبدو الإسرائيليون قابلين باعتبار بعض ارتكاباتهم في ظلّ ما يدّعون أنه
“دفاع عن النفس” أو “حرب على الإرهاب” جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية لتجنّب الحديث عن “الإبادة”
في موازاة عمل محكمة العدل الدولية الذي سيتواصل لفترةٍ إذن، سيكون مهماً ضغط الدول الخمس التي تحرّكت رسمياً، أي جنوب إفريقيا وبوليفيا وجيبوتي وبنغلاديش وجزر القمر، مدعومةً من الشيلي ومن مئات الأفراد والجماعات والتحالفات الحقوقية، طالبةً من المدّعي العام في المحكمة الجنائية الدولية تحمّل مسؤولياته والتحقيق في الجرائم الواقعة في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية. ففلسطين انضمت إلى معاهدة روما، وعمل المحكمة الجنائية متاحٌ بالتالي قانونياً فوق أراضيها، وسيكون له إن حصل أثرٌ مهم على مسار القضايا الحقوقية دولياً، وليس فقط فوق جغرافيا غزة.

في الخلاصة، يمكن القول إن ما شهدناه على مدى يومين في لاهاي، حدث تاريخي، سيبقى وقع ما تُلِيَ فيه ومشهديّته ماثلَين أمامنا وأمام أجيال ستستعيده لتدرس أهمّيته وتأثيره على فلسفة القانون وعلى منظومة العلاقات الدولية وتوازناتها. وسيقى ماثلاً أيضاً ليذكّرنا ويذكّر سوانا أن نساءً ورجالاً من جنوب إفريقيا (وإيرلندا وبريطانيا) وقفوا يوماً بتنوّعهم وعِلمهم وقِيمهم ونُبل كلماتهم وتمثيلهم لمئات ملايين البشر على امتداد العالم، ليدافعوا عن مُستضعفين في فلسطين ويتصدّوا لآلة قتلٍ إسرائيلية همجية مدعومةٍ من حكومات أمريكا وألمانيا وإنكلترا وفرنسا، وُمتواطئٍ معها من حكوماتِ دولٍ أُخرى عديدة. وهم بذلك، حفظوا للإنسانية ولقيمة العدالة الأسمى موقعاً، لا شكّ أن كثراً من بعدهم سيدافعون عنه رغم الصعاب وغطرسة الأقوياء.

ـ عن “القدس العربي” ـ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*كاتب وأكاديمي لبناني

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جلـ ... منار

للحياة أوّلا

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفاء سلطان:

كنت أراقب مرّة فيلما وثائقيا عن حياة الإرهابي أبو مصعب الزرقاوي.

الفيلم صوّر البيت الذي ولد وتربى فيه،

وجاء في التقرير المرافق:

شرفة البيت كانت تطلّ على مقبرة!

ويتابع: ماذا تتوقعون من طفل قضى طفولته كلها لا يرى من شرفته إلا القبور!

***

يبدو أنه محكوم على السوريين أن يعيشوا داخل مقبرة

القاتل والمقتول فقد سلامه، ولا يمكن لأحد منهم أن يكون سعيدا، فالسعادة لا تنبع من روح مضطربة،

والقتل والإنتقام هما عوامل الإضطراب

كنت في الصف الثامن عندما راحت معلمة العربي تتغزل بقول الشاعر محمود درويش:

للطلقة في صدر فاشستي سأغني

فانتصبت وقلت برباطة جأش:

قد اضطرّ أن أقتل فاشستيا، لكنني لن أغنّي للطلقة في صدره، فستموت الأغنية في قلبي في اللحظة التي أقتله !

لم نعد نسمع أغنية سوريّة، فلقد اختنق الصوت في صدر الجميع قاتلا ومقتولا.

لا أذكر من قال:

The world is beautiful outside when there is stability inside

(العالم الخارجي سيكون جميلا عندما يكون عالمك الداخلي مستقرأ)

لكنني أذكر أن شاعرة الحب الإنكليزية Percy Best Shelley هي من قالت:

Nor peace within nor calm around

(مالم يوجد سلام في داخلك لا يمكن أن توجد سكينة حولك)

الواقع المعيش في أي بلد على سطح الأرض هو انعكاس لطبيعة الروح “الجمعيّة” لذلك البلد!

فما بالك عندما تكون تلك الروح وليدة لثقافة: نعشق الموت كما يعشق عدونا الحياة؟

***

منذ أنا وعيت تلك الحقائق وأنا أغني للحياة..

وللسلام…

وأذرف في الوقت نفسه دمعة على القاتل

قبل المقتول

أكمل القراءة

جلـ ... منار

أنا لم أتغير !

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

د. أحمد خالد توفيق

هناك ناقدة أمريكية كانت تحب فيلم “ذهب مع الريح” وشاهدته عشرات المرات، فجأة شاهدته عندما تقدمت في العمر.. أثار دهشتها أنها لم تنفعل وبدا لها سخيفًا مفتعلاً، وكتبت تقول: الفيلم تغير .. لم يعد نفس الفيلم الذي كنت أشاهده قديمًا!

هذا هو السؤال الأبدي الذي يطاردك عندما تكون في سني: هل الحياة قد ساءت حقًا أم إنني لم أعد كما كنت؟

في صباي كنت أسمع أبي لا يكف عن استعادة ذكريات صباه.. كانت الدجاجة بحجم الخروف، والخروف بحجم ديناصور، وكانت للأزهار رائحة حقيقية.. زهرة واحدة كانت تغمر بالشذى حيًا كاملا من أحياء دمنهور – حيث ولد- دعك من الفراولة والتفاح.. كان يمكنك أن تعرف أن هناك من ابتاع نصف كيلو تفاح أو فراولة في دمنهور كلها؛ لأن الرائحة تتسرب لكل شيء.. كانت الأغاني أعذب والفتيات أجمل والأفلام أمتع والبشر أنقى..

كنت أستمع – أو أسمع- لهذا الكلام في تأدب، وإن كنت أنقل قدمي مائة مرة في ملل أخفيه… وقد بدا لي خيطًا لا ينتهي من كلام الشيوخ المعتاد: هي الفراخ بتاعتكم دي فراخ؟..

دي عصافير.. كنا بنشتري عربية وفيلا ودستة بيض بنص ريال…. إلخ

حدثني أبي عن أفلام عصره وعن إيرول فلين المذهل وجيمس كاغني العبقري و… و… على الأقل صار بوسعي اليوم أن أرى هذه الأفلام كدليل لا يُدحَض، فلا أرى فيها أي شيء خارق.. التخشب الهوليودي المعتاد والكثير من الافتعال..

نقّبت عن نقاء الناس في ذلك العصر، فقرأت عن ريا وسكينة النقيتين، والبواب النقي الذي اغتصب طفلة في الثالثة من عمرها عام 1933، والفنانة النقية التي ضبطت زوجها النقي مع الخادمة النقية في المطبخ ليلة الدخلة!

وماذا عن الفنان النقي: فلان.. الذي اقتحم مكتب الناقد الذي لم يرُقْ له فيلمه الأخير شاهرًا مسدسه؟ كان هناك حي دعارة شهير جدًا في طنطا اسمه: الخبيزة.. واليوم صار سوقًا شعبيًا محترمًا.. فأين هذا النقاء إذن؟

لكن أبي – رحمه الله- عاش ومات وهو مؤمن بأن الحياة قد صارت سيئة، كأنها صورة صنعت منها نسخة تلو نسخة تلو نسخة حتى بهتت ولم تعد لها قيمة..

اليوم أنظر أنا بدوري إلى الوراء فيبدو لي أن الحياة كانت أفضل في صباي بكثير… قلت لابني إن الأغاني في عصري كانت أعذب والفتيات أجمل والأفلام أمتع والبشر أنقى… أرغمته على مشاهدة بعض أفلام السبعينات على غرار الأب الروحي وقصة حب.. فشاهدها وقال لي بصراحة إنها زي الزفت… أغاني البيتلز والآبّا والبي جيز (خنيقة) جدًا في رأيه.. ولم يحب أية أغنية من أغاني وردة الجزائرية الحارقة في أوائل السبعينات مثل: حكايتي مع الزمان واسمعوني.. طبعًا لم أحاول أن أسمِعه أم كلثوم فأنا لست مجنونًا.. لن يفهمها ولو بعد مائة عام..

قلت له في غيظ إنه بعد عشرين سنة -أعطاه الله العمر- سوف يُسمع ابنه أغاني شاجي وإنريكي إغلسياس وفيرجي ويعرض عليه أفلام: الرجال إكس والفارس الأسود.. لكن الوغد الصغير سيؤكد له أنها زبالة، إلا أن ابني لم يصدق.. يعتقد أن الأخ شاجي خالد للأبد..

نعم كان لرمضان رائحة وحضور في الماضي.. كانت هناك رائحة مميزة للعيد.. تصور أن عيد الثورة كانت له رائحة؟ كان قدوم الربيع يعلن عن نفسه مع ألف هرمون وهرمون يتفتح في مسامك، فتواجه مشكلة لعينة في التركيز في دروسك والامتحانات على الأبواب، بينما الحياة ذاتها قد تحولت إلى فتاة رائعة الحسن تنتظرك..

أذكر يوم شم النسيم وأنا في الصف الثالث الإعدادي، أمشي في شوارع طنطا التي مازالت خالية في ساعة مبكرة، مزهواً بنفسي أوشك على أن أطير في الهواء، وأتمنى لو عببت الكون كله في رئتي.. بينما المحلات تذيع أغنية حفل الربيع التي غناها عبد الحليم حافظ أمس: قارئة الفنجان.. تصور أن الأغنية مازالت طازجة ساخنة خرجت من حنجرة الرجل منذ ساعات لا أكثر… للمرة الأولى أسمع: بحياتِكَ يا ولدي امرأة.. عيناها سُبحانَ المعبود..

أنا شاب.. لقد كبرت.. لن تتغير هذه الحقيقة.. الغد أفضل بمراحل.. الكون كله ينتظرني.. سوف أصير أمين عام الأمم المتحدة وأتزوج راكيل ويلش، وأفوز بجائزة نوبل في الأدب، وفي وقت فراغي سأمارس هوايتي في إجراء جراحات الجهاز العصبي.. هذا قد يضمن لي جائزة نوبل أخرى..

من يدري؟ قد أصير أول رائد فضاء عربي.. بالمرة، ولسوف أصير وسيماً أشقر الشعر أزرق العينين.. لا أدري كيف.. يجب أن تكون في الخامسة عشرة لتفهم..

نعم.. لم يعد شيء في العالم كما كان.. أبتاع الفراولة وألصق ثمارها بأنفي وأشم بعنف.. لا شيء.. لو حشرت ثمرة منها في رئتي فلن أجد لها رائحة… ماذا عن التفاح الذي لا تقتنع بأنه ليس من البلاستيك إلا عندما تقضم منه قطعة؟ عندها تحتاج لفترة أخرى كي تقتنع أنك لم تقضم قطعة من الباذنجان.. أين ذهب جمال الفتيات؟ ولماذا لم أعد أرى إلا المساحيق الكثيفة، حتى تشعر أن كل فتاة رسمت على وجهها وجهًا آخر يروق لها؟

أين ذهبت العواطف الحارقة القديمة عندما كنت تكتب عشرات القصائد من أجل ابتسامة حبيبتك؟ اليوم لو تزوجتها وأنجبت منها عشرين طفلاً فلن تجد في هذا ما يأتي بالإلهام!

الإجابة التي تروق للمسنّين هي: الحياة تغيرت ولم تعد هناك بركة… لكن الإجابة الأقرب للمنطق هي: الحياة لم تتغير.. أنت تغيرت !!

ربما صار شمّي أضعف.. ربما صار بصري أوهن.. ربما صار قلبي أغلظ.. ربما تدهورت هرموناتي.. ربما صرت كهلاً ضيق الخلق عاجزًا عن أن يجد الجمال في شيء.. ربما مازالت الفتيات جميلات، والفراولة عطرة الرائحة وأغاني هذا الجيل جميلة..

نعم هو المنطق ومن النضج أن أعترف بهذا.. لكن من قال لك إنني أريد أن أكون كذلك؟ أفضّل أن أظل شابًا على أن أكون ناضجًا، لهذا أقول لك بكل صراحة:

“الحياة صارت سيئة ولا تطاق فعلاً.. الله يكون في عونكم.. هيّ أيامكم دي أيام؟”

Motifs 4

أكمل القراءة

جلـ ... منار

لروحك السلام يا آخر العباقرة

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

غادة السمّان:

ماذا يقال في رحيلك وقد قلتَ كلّ شيء.

يخجل القلب من نعيك، ويضيق الحرف برثائك، تفيض المشاعر حزناً وصدمة إنّما لا يتّسع الفضاء الالكتروني لترجمتها.. تربّطت أصابعي عن النقر على لوحة الحروف واحترقت دموعي غزارة في المُقل.

غبت أيّها المتمرّد الأوّل يا من نفضت الغبار عن فكرنا لنستنير وبقينا جهالاً!

هذا المقال أوائل البدايات في الصحافة كتبته في 2018 وكان من أجمل ما كتبت لأجمل من عنه كتبت

تأثّرت بك وانتظرت عودتك لأعاصر شيئاً من فنّك الأسطوري.

كان مقالي حلماً جميلاً لكنّك رحلت دونما وداع كما أعزّ أحبّائي.

ثقُل كأس الموت يا تمّوز، حرقته لاذعة ترفض التروّي فمهلاً على المواجع

شخصٌ بمثابة الحلم تتمنّى إدراك حقيقته و سبر عمق أغواره، إلّا أنّك إن نلت شيئاً عنه تجد أنّك لا زلتَ على البرّ المربِك، الأكثر حيرةً.

لطالما تمنيّتُ أن أفهم من هو؟وكيف يُفكّر؟ ومن أين يأتِ لنا بكلّ تلك الحقائق الصادمة؟ السّاخرة والآخذة.

لِمَ هو بهذا التعقيد وتلك السلاسة في وقتٍ واحد؟!

كلّما صعُبَ عليك فهمه هان، و كلّما هانت كلماته استصعبت.

ذلك السّهلُ الممتنع ممتلئٌ بالشغف وكثير البرود، أستمعُ إلى حواراته القليلة جدّاً فأتمنّى أن أجد لتساؤلاتي أجوبة..

‎ زياد الرّحباني اعترافات مشاكسة عمّا يجول في خاطره، يفاجِئُكَ ببساطة مفرداته وصعوبة تقبّلها في آن، حين يقول ” أنا مائة ألف شخصيّة فايتين ببعض” ويذهلك بحقيقةٍ أمرّ.

‎مضيفاً “بعد 5 دقائق من ولادتك رح يقرّروا دينك، جنسيتك، مذهبك، طائفتك، ورح تقضّي عمرك عم تدافع بغباء عن إشيا ما اخترتا”!! حتّى أنّه علّق وانتقد تغيير التوقيت حيث قال ساخراً:

‎” كل سنة بتقدموا السّاعة وبترجعوا لورا 10 سنين”.

هل هو بهذه العبقريّة التي يبدو عليها أم نحن بتنا جهالاً، لكثرة ما خذلتنا المعرفة في هذا الوطن الكئيب.

لماذا لا نرى ما يراه و نفقه ما يقوله، ونفكّر ولو قليلاً بنهجٍ يماثله؟!!

ليس زياد الرّحباني ذلك الموهوب، المؤلّف المسرحيّ أو الكاتب والملّحن الموسيقيّ فقط.

بعيداً وباستحقاقٍ جدير بالاعتراف يرتقي إلى مكانة المفكّر العبقريّ، والناقد الأشدّ لذعاً بمختلف ميادين الحياة.

هو مَن لا تفوته فائتة في السياسة والأدب والفن والموسيقى والمجتمع ودائماً ما يُفصّلُ اعتراضات واتّهامات للجميع دون استثناء..

إنّه المشاكس الحذر، الصامت طويلاً ولكن إن حكى، أبكى التخلّف وأحبط مفاعيل الجهل، وصبَّ لينَ الزّيت على أفواه النار.

من هنا فإنّ المسرح اللّبناني في غياب زياد ناقصٌ وعند مستوى خطِّ الفقر!!

إلّا أنّه يغيب فجأةً وينقطع عن محبّيه عمراً. ليمنَّ علينا مؤخراً بعودةٍ خجولة أطلق فيها الوعد بالبقاء.

وها نحن هنا بعد سنوات من القطيعة المجحفة تلك، لا نُريدُ رحبانيّات متفرّقة، بل تتملّكنا رغبةٌ جامحة بلوحةٍ عنوانها فيروز وزياد الرحبّاني يغنيّان معاً، ويكسران كبرياء أفقٍ مثقّلٍ بانحطاط موسيقيّ!

ها هو المجنون العبقريُّ يحطّم صومعته ويُلقي علينا بسحر التراتيل.. بذكاءٍ فطري يضبطُ التوقيت الذي يراه مناسباً. مهما انتظرنا يبدو العناء مستحقّاً أمام جنون العظمة.

حين تدرك أنّ وحدَها النّسور من تغرّد خارج السّرب، وحين تقرّر تعود إلى أحضان فيروزها لتصبح الأغنية صلاة..

أكمل القراءة

صن نار