تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم … الورقة 40

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

من عيوبنا الكثيرة اننا في مطالعاتنا نهرع دوما للاسماء المعروفة والذائعة الصّيت في عالم الكتابة …في البداية يوجّهنا المدرّسون الى اسماء معيّنة نظرا لارتباطها بدروسنا وهذا منطقي ..ثم نكتفي عادة بملاحقة كل ما كتبه المشاهير الاموات منهم واللهفة على كل ما يصدر للمعاصرين منهم ..

عبد الكريم قطاطة

كنت في بداية عهدي بالمطالعة (رابعة ابتدائي ألتهم كل ما صدر عن محمد عطية الابراشي وكامل الكيلاني وعبدالحميد جودة السحار …وفقط …وفي بداية دراستي الثانوية انهمكت في سحق ومحق مجموعة جرجي زيدان ثم بعدها ومع بداية المراهقة احسان عبدالقدوس، ثم الكبير نجيب محفوظ… ولعلّ الرابط الذي يجمع بين مطالعاتي لهؤلاء، قصص الحب والغرام في رواياتهم …ثم جاء انتقالي لشعبة الاداب الذي حتّم عليّ الاهتمام بالمنهج الدراسي واعني بذلك وحسب الترتيب الشعر الجاهلي ثم عصر الاسلام والشعر الاموي ثم العباسي ثم الحديث والمعاصر …

كثافة المواد في سنتيْ الباكالوريا لم تكن تسمح لنا في تلك الحقبة بتجاوز ما هو مقرر في البرنامج الدراسي ..الا ان الاشكال ياتي بعد الانخراط في دنيا اخرى بعيدة عن الدراسة ..جلّنا امّا ينقطع عن المطالعة تماما او يبقى في منظومة المشاهير اي في كهفهم ..ولأنني كنت من زمرة اولئك الذين يمقتون الكهوف وينادي دوما بتكسير جدرانها وبفتح ان لم تكن الابواب فعلى الاقل النوافذ لنور الشمس.. فاني كنت شديد البحث عن الوان اخرى الوّن بها خزينتي المعرفية في كل مشارب الحياة عموما وفي الشعر والادب بالتحديد …

فتحت زوايا المعرفة على العديد فاكتشفت الطيب صالح وحنا مينة ودرويش والماغوط ذلك القلم الرهيب والقاسم (ليس عرّاب الجزيرة ذلك الذي باع ذمذته بالبترودولار القطري بل سيّده سميح) وابنة الجزائر الكبيرة الرائعة المذهلة بنت المستغانمي …والقائمة طويلة وعريضة …من ضمن تلك الاسماء وقعت يوما ما عيناي على اديب مغربي يُدعى محمد الصبّاغ ..في الحقيقة عنوان كتابه هو ما شدّني ..في برنامج من البريد الى الاثير كان لي ركن عنوانه شموع على الطريق ..كنت استقبل فيه المواهب الفنية الشابة والتي لم يسبق لها ان غنّت لأفسح المجال لهواياتها ..وتخرج منه العديد من الاصوات التي شقّت طريقها في عالم الغناء وحتى لا انزل الى خانة الفخر والمنّ بما ومن قدمت، اكتفي فقط بذكر فرقة البحث الموسيقي بقابس و..هيلا هيلا يا مطر.. التي بُثت لاول مرة في برنامج من البريد الى الاثير .

عنوان الركن في برنامجي هو نفس عنوان الكتاب الذي الّفه محمد الصبّاغ …شموع على الطريق …في البداية كان حبّ الاطّلاع هو ما دفعني لاقتناء ذلك الكتاب ..ويا لروعة ما اكتشفت …قلم جميل جدا ينثر في جمل قصيرة نوعا جديدا من الكتابة الرمزية الانيقة جدا .. الكتاب لم يكن من النوع القصصي او النقدي او البحثي ..هو مجموعة خواطر عن اشياء عديدة في شكل فقرات وجمل احيانا لكن (طريزة ابدع قلم صاحبها في طرزها) ووجدتني استشهد بها في عديد برامجي او كتاباتي الصحفية نظرا إلى رمزيتها …لبلاغتها ..وخاصة لاسلوبها الجميل جدا … هاكم قرنفلة بنفسجية منها : “ما اجمل ان نكون كالميزان لا يهمّه ان ارتفع باللحم ام بالفحم …بالتبر ام بالتبن ..ام بهبّة ريح” …

ياه كم جميل ان نعبّر عن العدل بهذا الشكل ..اليس هو من اجمل الدروس للقضاة حتى لا يسقطوا في خانة الرشوة ومقاضاة مَن وزنه من ذهب وهو يلصق الجريمة والعقاب بمَن وزنه من فحم …؟؟؟ سيغضب حتما بعض القضاة من هذه التهمة …فقط اهمس في آذانهم ..يا سادتي القضاة انتم اكثر من يعرف ان فيكم مرتشين وفاسدين ومجرمين ..واذا اغمضتم اعينكم عن الحقيقة الابدية لا وجود لأي قطاع يسكنه الملائكة .. فانتم مدعوون الى فتح اعينكم على هذه الحقيقة ودعكم وكل من ماثلكم من الانخراط الاعمى للدفاع عن منظوريكم ..وفي كل القطاعات دون استثناء ..وحاولوا مرة واحدة ان تفهموا المقولة (انصر اخاك ظالما او مظلوما) هذه تعني ان كان ظالما قف معه وان كان مظلوما حسّسه بخطئه حتى يثوب الى رشده …

وبكل ألم اقول هذه واحدة من افظع مشاكل تونس بعد 14 جانفي …تحركات لم تكن يوما قطاعية من اجل قطاع ما ..بل قطيعية ..والفارق بين القطاع والقطيع مهول ومقرف ..من ضمن ما كتب الصبّاغ كتب: “الشمس تشرق كل يوم لتقدّم لنا مجموعة من الهدايا فماذا قدمت انت ايها الانسان ردّا على هداياها …؟” يوم بدأت العمل في الدراسة التطبيقية لفن المونتاج (تركيب الافلام)مع السيد جوزيو، احسست بان هنالك اشعة شمس بدات تسطع في كياني ..هنالك وميض لاشعة فيها النور ولكن فيها الدفء ايضا ..وكم هي حاجة الواحد منّا كبيرة في ايّ عمل ان يشعر ويستشعر ذلك .. بيداغوجية المؤطر يجب ان تكون من تلك الزاوية دفئا ونورا… المؤطّر عموما وفي أي ميدان عليه ان يمنح الاخر نور العلم وهذا واجبه كمدرّب ولكن وهو الاهم، عليه ان يعطي الاخر كثيرا من الدفء الانساني ..في نظرته ..في زفرته ..في ابتسامته ..وحتى في غضبه ..غضب الانسان يمكن ان يتحوّل الى نسيم سلام وامان ..

غضب المؤطّر كانسان هو حتما سيكون من فصيلة (ضرب الحبيب زبيب) وهذا ما عشته وتعلمته من مؤطّري الايطالي السيد جوزيو .وحاولت عندما اصبحت بدوري مؤطرا ان اتماهى معه ..وارجو ان اكون وُفّقت …ربّما ارضيّتي ساعدته على ان يكون كذلك معي، لأني كنت في بداية خطواتي معه استمع اليه باعجاب… نعم وانا الذي كنت ومازلت مزبهلاّ بالايطاليين لحركيّة كل شيء فيهم …تقاسيم وجوههم… حركيّة ايديهم …تلوين نطقهم للكلمات غاضبة احيانا ومعجبة احيانا اخرى …هذه الفصيلة من العباد هم لا يتكلمون… هم يُغنّون ..هم يعزفون … هم يرقصون …كنت مزبهلا به وانا استمع اليه ولكن ابدا ان فقدت تركيزي في الاستماع بعمق ..وهذا اول ما شدّ انتباهه تجاهي ….

ما لاحظته ومنذ الاسبوع الاول في الدراسة التطبيقية ونحن نلمس لاول مرة الشريط السنمائي بايدينا (لأنه في تلك الحقبة كان مونتاج شرائط الافلام هو السائد مهنيا وحتى الفيديو في بداية السبعينات كانت آلياته ثقيلة جدا وامكانية الجودة في مونتاجها كانت محدودة جدا،. كما أن العالم السمعي البصري بدا مع الاخوين لوميير بفيلم التصوير Pellicule و تواصل على تلك الحالة عشرات السنين وحتى الثورة التكنولوجية الحديثة لم تستطع اطلاقا ان تصل الى روعة المونتاج على الفيلم الفوتوغرافي ..ما لاحظته انه كان ينظر اليّ دون ان ينظر …كان يسترق النظر.. كنت مدركا تمام الادراك حسّيا انه لم يهمل احدا منّا (وما ابشع ان يهمل ايّ مؤطّر احد تلاميذه) …ولكن لم اكن افهم لماذا كان ينظر دون ان ينظر .. وتماما مثله تعلّمت ان استرق النظر على طريقته ..كنت اغتنم فرصة حديثه مع احد الزملاء ونقاشه معهم حول قواعد علمية ثابتة في المونتاج، كيف يردّ الفعل ..هو غاضب احيانا مع البعض راض عن آخرين صامت معي …

هكذا كانت مدّة الدراسة التطبيقية مع السيد “جوزيو”… وجاء الشهر الاخير لاعداد مشروع ختم الدروس … كان على كل واحد منّا ان “يتكوبل” مع احد زملائه المختصين في التصوير التلفزي ليقوم الكاميرامان بتصوير الموضوع ويتولّى المركّب المونتاج ….وعلى كل فريق ان يختار الموضوع الذي يريده ..واخترت انا الموضوع ..ريبورتاج حول حديقة الحيوانات بالبلفيدير …السيد جوزيو تساءل: هل تتصور ان هذا الموضوع هام؟ ..اجبته: اريد ان آخذه من زاوية معيّنة ..تبسّم وقال اوكي ..وهذه لا فرنسية ولا عربية ولا حتى امريكية انها عالمية ..وكان عليّ ان اثبت لمؤطّري السيد “جوزيو” اني في مستوى “اوكاه” …كان في مخططي ان اصوّر واخرج واركّب يوما ريبورتاجا عن موضوع ما، دون تعليق دون حديث دون ثرثرة كما يقع في جل قنواتنا الان …وارتايت ان اقدّم لمؤطّري عملا لا شيء فيه باستثناء الصورة وهي مركّبة بشكل فنّي على الموسيقى وفقط يا فقط …

قمت بدراسة المكان وقمت خاصة بالسؤال عن اصل وفصل كل الحيوانات اي جنسياتهم …وذهبت صحبة زميلي المصوّر ..لم يدم التصوير اكثر من يوم واحد ..ارسلت الاشرطة للتحميض وشرعت في اختيار موسيقى من نفس بلاد كل حيوان …ةضعت الاسيوين في مجموعة والاوروبيين في مجموعة ثانية والافريقيين في مجموعة ثالثة ..واخترت لهذه القارات الثلاث لا فقط موسيقاها بل تلك التي تتناسب مع الموضوع (الحيوانات)… انتهى التحميض وبدات عملية المونتاج … وسي وخينا هاكة الطلياني، مازال ينظر دون ان ينظر …صدقا كنت “شايخ بروحي” وانا اعيد قراءة مونتاج ايّة فقرة اتممتها …ولكن لم افهم ما معنى ذلك الطليان السمح الذي ينظر ولا ينظر ..صدقا لم احس يوما في التربص التطبيقي بالخوف من النتائج التي ستعلن بعد اسبوع ..كان كلّ همّي ان اكون انا … وياما اوقعتني في اشكالات ومشاكل ان اكون انا …وبدرجة ثانية ان اكون عند حسن ظن سي الباجي … ما تمشيوش لبعيد.. لقرطاج ..لانه لم يهمني يوما ان اكون عند حسن ظن لا قرطاج ولا مونبليزير وطززززززززززز فيهم جميعا ..بل عند حسن ظن السيد الباجي صانصة مدير مركز التكوين لدار التلفزة التونسية …

وحان وقت الحصاد ..زعمة ينڨزها كريّم …؟؟؟ يومها وقبل اعلان النتيجة النهائية للحصول على الديبلوم وهو الذي وقعت معادلته بسنة ثانية جامعة فيما بعد، جاء ذلك الجوزيو الايطالي الجميل الانيق وجذبني اليه وقال “قهوة معا ؟”… وبكل سرور وسعادة وشوق كبير لمعرفة اسرار هذه الدعوة، وجدتني كعندليب طائر استبق المسافات والعندليب الاسمر يغني في كياني (وخذتني ومشينا والفرح يضمنا، ونسينا يا حبيبي مين انت ومين انا) …يكب سعد الوقت …يستمعون الى انا موش مريڨل ..وانت موش مريڨلة …وهف.. يريڨلهم تريڨيلة ماهياش ..وينسون (وخذتني من ايدي يا حبيبي ومشينا… تحت القمر …غنينا وسهرنا وحكينا… وف عز الكلام سكت الكلام )…يومها وفي مقهى الاذاعة ذلك الذي ينظر ولا ينظر، نظر بكل تأمل إلى طالبه وفي عز الكلام بدأ ولأول مرة الكلام وقال بفرنسية عرجاء لكن كم هي جميلة: انتبه مليح كريم انت فنان وفنان جدا وانا واثق انك ماشي تُولّي مركّب كبير …وانا كنت نتبّع فيك منذ اول يوم وعندما شفت الـ”سي في” متاعك خلال دراستك اندهشت من ترتيبك في الامتحان النهائي وانت الاخير في دفعتك ..ولكن ولانك تستحق …انت الان ناجح وبامتياز وشريطك حول حديقة البلفيدير عمل محترف ويجد مكانه في اية تلفزة …

لم انتظر جدا الاعلان الرسمي عن النتيجة ..شكرته وودعته وذهبت الى رضا لاعلمه …وكانت ليلة ليلاء حمراء ..بكل مفاهيم الاحمرار… من مقرراتها الى قواريرها شديدة البراءة الى حد الاحمرار، لشلة الاصدقاء في تونس دون ان اكون مشتركا معهم في شرابها فشرابي مختلف .. انا لم اذق يوما الخمر بكل اصنافه في حياتي …هكذا قررت منذ بداية شبابي وادمنت على ذلك القرار رغم تعدد الاغراءات ..لم يكن الواعز الديني انذاك السبب ابدا … ربما هو جبن منّي …ربّما هو الخوف من عواقبه لاني في العشق لا اخاف من الغرق بل لا عشق عندي دون غرق ..وهذا امر اسعد جدا عيّادة ..التي لم تشك يوما في اني لم اذق الخمر ..هي لم تسالني يوما عنه ..هي تنظر اليّ وتعرف بالضبط ماذا فعلت وماذا لم افعل ..هل تتصورون اني لحد يوم الناس هذا عندما ازورها في قبرها احسّ لا فقط انها تسمعني وتسمع بكائي ..وما اروع البكاء على قبرها .بل هي تنظر الى عينيّ وتقرأ فيهما امّا اماني او ضياعي …

وبدات في الغد رحلتي مع مؤسسة الاذاعة والتلفزة التونسية كمركّب افلام ..وفوجئت في الاسبوع الاول بالسيد الهادي المزغني احد منتجي الدار يطلب منّي شريط الحديقة العمومية ليدمجه ضمن برنامجه الاسبوعي (من هنا وهناك) وهو برنامج يهتم بالاخبار الطريفة والعجيبة، ويبثه في موعده المقبل.. كان اليوم خميسا من اواخر سنة 72 يوم موعد برنامج من هنا وهناك ..تربعت امام الشاشة قبل الاخبار بكل نرجسية وزهو ..لاشاهد اول عمل تلفزي قمت بمونتاجه في حياتي المهنية …شعور لا يوصف …شعور…من خبايا العندليب ..(وخذتني يا حبيبي ورحت طاير طاير …واه مالهوى يا حبيبي اه مالهوى ….يا حبيبي) …

ما احلاه ذلك الشعور و خاصّة ..ما احلاه الهوى … باهي والا موشو باهي ؟… اكيد يتبع… راهو الهوى …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

جور نار

ورقات يتيم… الورقة 115

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…

عبد الكريم قطاطة

عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟

في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…

مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…

تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…

اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…

إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…

قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…

الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟

موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…

قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة

جور نار

لا تخرّبوا سور وسقف الوطن… فنحن غدا من سيدفع الثمن!

نشرت

في

محمد الأطرش:

كنتُ بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مقالي الأسبوعي في جلنار، حين بلغ مسامعي صراخ وألم ووجع عائلات من قضَوْا تحت أكوام حجارة سور معهد المزونة، رحمهم الله.

تمرّد القلم بين أصابعي، ورفض إتمام ما بدأه والانصياع لأوامري، وما أكتب، معلنًا الحداد على من ماتوا، ووُئدت أحلامهم تحت حجارة سور جريح ينزف دم سنوات الإهمال والتخلي.

سور أصابته لعنة “باركينسون” تشريعاتنا المهترئة، فارتعش وجعًا. سور لم يرأف بحاله أحد من القائمين على شؤون ترميمه، وترميم ما يحيط به. سور سال دم جراحه، وأسال دم من مرّوا بجانبه وأمّنوه على أرواحهم. سور توجّع وتألم طويلًا، وبكى… ولم يسمع بكاءه أحد، حتى أبكى أمهات بعض من اعتادوا المرور بجانبه… سور تآكل، وبانت عورته، فغضب وانهار على من كانوا يمرّون بجانبه، يتكئون عليه، ويستظلون به من غضب الشمس وثورة الأحوال الجوية، وهم في طريقهم لطلب العلم.

الغريب ما قرأته بعد الفاجعة، وما سمعته من صراخ من خرجوا يهددون بالويل والثبور وعظائم الأمور. أغلب من خرجوا علينا يولولون، يطالبون بمحاسبة من تسبب في الفاجعة، ويطالبون بتحميل المسؤولية لكل من قصّر في أداء واجبه أو غفل عنه.

هكذا نقفز على كل وجع ومأساة، لنواصل الدعوة إلى الانتقام من كل ما سبق، ومن كل من سبقونا في تحمّل مسؤولية خدمة هذا الشعب… هل يجب أن ننتقم ونثأر بعد كل فاجعة أو فشل ممن سبقونا في تسيير شؤون مؤسسات البلاد؟ هل يجب أن نشيْطن كل من سبقونا في خدمة الوطن بعد كل وجع يشعر به جسد هذه الأمة؟ ألا يجدر بنا أن نعتبر مما حدث، ونبدأ بإصلاح حالنا وأحوالنا؟

أتساءل: ألا يتساءل أحدكم لماذا كل هذا العزوف عن تحمّل المسؤولية؟ أليس للفصل السادس والتسعين من المجلة الجزائية دور كبير في هذا العزوف، الذي أفرغ مؤسساتنا من كفاءات كنّا نفاخر بها، ونطمئن بوجودها على حالنا وحال مؤسساتنا وحال البلاد؟ ثم، أليس للفصل الرابع والعشرين من المرسوم عدد 54 نصيب مما نحن فيه، ومما عشناه ونعيشه؟ فمن كان يرى في السور عيبًا وخطرًا، لن يكتب عن الأمر، ولن يُنبّه لخطورته، خوفًا من أن يُتهم بنشر أخبار زائفة وإشاعات كاذبة…

ألم نغرق اليوم في وحل الفصل السادس والتسعين، ورعب المرسوم الرابع والخمسين؟ لماذا تنشر تشريعاتنا وبعض قوانيننا الخوف والرعب في نفوس كفاءاتنا، ومن يملكون القدرة على تحسين أوضاعنا؟ أيمكن للأمم أن ترتقي وهي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب من قوانينها؟ كيف نطلب من بعضنا خدمة الوطن وهم يعيشون رعب القانون، ورعب الحقد، ودعوات الإقصاء والثأر والانتقام من كل قديم، وكل مخالف في الرأي، وكل من لا يعلن لنا البيعة، ولا يقف صارخًا “مزغردًا”، مصفقًا لأخطائنا، ملمّعًا لفشلنا، داعيًا لنا بطول العمر وجزيل الثواب؟

يا من تستمتعون بوجع خصومكم، ومن لا تتفقون معهم، ومن تركوا أثرًا طيبًا وانتصروا عليكم بما حققوه وأنجزوه…الوطن أمانة بين أيادينا جميعًا، فجنّبوه الفتنة، وجنّبوه الأحقاد، وحافظوا على سور الوطن…ولا تخربوا سقفه، فإن انهار سقف الوطن، فنحن، نحن الشعب، من سيدفع الثمن… نعم… نحن الشعب من سيدفع الثمن.

أكمل القراءة

صن نار